اختر صفحة

إعداد : اللواء الركن الدكتور عماد علو ،مستشار المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب ـ المانيا و هولندا

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

مقدمة

ان ما يحصل اليوم في منطقة الشرق الاوسط من صراعات تقترب بشكل واضح من حافة الحرب ، قد تؤدي بشكل مباشر او غير مباشر الى تغيير في الخارطة السياسية للمنطقة ، الامر الذي يدفع واشنطن الى الحرص على التواجد (العسكري)، الفعال والمؤثر من اجل دفع عجلة أي تغيير محتمل باتجاه حماية مصالحها وحماية أسرائيل ايضا” . لذلك تدرك الولايات المتحدة الامريكية أن تواجدها العسكري في العراق ضروري جدا” ومهم ستراتيجيا” لحماية مصالحها . ولكن وجود معارضة ورفض من بعض القوى السياسية العراقية ( خصوصا” تلك التي تمتلك اذرع مسلحة)، لهذا الوجود العسكري الامريكي في تناغم مع معارضة بعض الدول الاقليمية لهذا الوجود العسكري ، وتقبل البعض الاخر له قد يؤدي في النهاية الى صراعات عراقية ـ عراقية قد تؤدي إلى تقسيم العراق.

العراق ورقة ضغط في الصراع الامريكي الايراني

ويبدو أن أمريكا شرعت بتحجيم والتصدي لنفوذ إيران في العراق منذ إعلان انسحاب قواتها من سوريا حيث بدأت بالحشد العسكري على الحدود العراقية قبل إعلان خطة الانسحاب إلى ثلاث قواعد داخل الأراضي العراقية ، بعد ان وضعت مناطق عسكرية عازلة على الحدود العراقية-السورية، مستهدفة ايضا” قطع كافة خطوط التواصل الرابطة بين سوريا ولبنان وبين طهران عبر الاراضي العراقية. لذلك فان العراق يعتبر ورقة ضغط وتفاوض في الصراع الامريكي الايراني  .

والمراقب لتطورات أزمة التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران ، لابد أن يشعر أن العراق قد يكون المسرح الاكثر احتمالا” لأي مواجهة عسكرية أو صراع مخابراتي ، بين واشنطن وطهران ، وإذا صح ذلك، فمن شأن مثل هذه السيناريوهات أن تهدد آمال العراق بمستقبل سلمي ويعرّض مساعيه من اجل اعادة الاعمار وتعزيز وحدته الوطنية للخطر .. كما أن الحكومة العراقية ستكون في موقف لا تحسد عليه في الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة على الصعيدين الاقليمي والدولي .

وتدل الاجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الامريكية ضد العراق من استدعاء او سحب لموظفيها الغير مهمين في العراق وكذلك ايقاف اصدار تأشيرات السفر الى الولايات المتحدة للعراقيين ومنع السفر اليه لمواطنيها والمقيمين فيها ايضا” وسحب موظفي شركة اكسون موبيل العاملين في حقول النفط العراقية الجنوبية ..وغيرها من الاجراءات الاخرى ،كلها اجراءات تبررها الادارة الامريكية بان العراق يميل الى جانب طهران في اجواء التوتر والازمة التي تعصف العلاقة بين واشنطن وطهران . كما تخشى الادارة الامريكية من أن تغض الحكومة العراقية النظر عن قيام ايران باستخدام اصدقائها في العراق لنشر منصات اطلاق صواريخ أو كمعبر لنقل الاسلحة والصواريخ إلى سوريا وحزب الله في لبنان ، الأمر الذي قد يعرض امن القوات والمصالح الامريكية في العراق والمنطقة للخطر ، فضلا” عن تهديد هذا الامر لأمن اسرائيل حلفاء واشنطن من دول الخليج للخطر ايضا”. وهذا ان حصل ، فان واشنطن  وحلفائها(اسرائيل ودول الخليج) ، يعتبرونه  انتهاكاً لقرار “مجلس الأمن” الدولي رقم 2231، الذي يحظر “تزويد أو بيع أو نقل الأسلحة وأي مواد ذات صلة من إيران”.

ومن شأن مثل هذه المقاربة أن تدفع والولايات المتحدة في ضوء تعهداتها لتل ابيب والرياض ، أن تتعامل مع هذا التهديد المحتمل ، وفقاً للنموذج أو الاسلوب الذي تنتهجه اسرائيل في سوريا (القيام بضربة مبكرة قبل أن يتطوّر تهديد الصواريخ إلى رادع هائل). ومن شأن هذه  المقاربة أن تثير مشاكل للولايات المتحدة والعراق، لذا على الحكومتين العراقية والامريكية  اتخاذ خطوات فعالة وملموسة  لتفادي حدوث مثل هذا السيناريو .

الدور الأسرائيلي في سوريا

واليوم يعلم الكل ان اسرائيل قامت وتقوم بضربات جوية في العمق السوري ضد اهداف تدعي انها قوات ايرانية بعلم وتنسيق بين تل ابيب وموسكو و واشنطن ، أي بعبارة اخرى أن الفاعلين الدوليين في منطقة الشرق الاوسط لا يعارضون قيام اسرائيل بمثل هذه الضربات الجوية اين ما كانت اذا شعرت اسرائيل باي خطر يهدد امنها الوطني . ويقول الباحث الامريكي مايكل نايتس والباحث الاسرائيلي أساف أوريون في دراستهما الموسومة (خيارات الرد المتاحة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل إذا نشرت إيران صواريخ في العراق) ، أنه : ” أظهر “سلاح الجو الإسرائيلي” قدرته على تسيير عملياته من مسافات بعيدة ” ويستطرد الباحثان بقولهما ” ستعد إسرائيل خيارات عملياتية تهدف إلى تدمير القدرة على التهديد كعامل دعم أخير. كما قد تبذل جهوداً أخرى لمنع حدوث ذلك، من خلال سيرها “ضد التيار” متخطيةً الصواريخ والمعدات لتستهدف الجهات الفاعلة الرئيسية المسؤولة عن توليد خطر الصواريخ البالستية الذي يطرحه وكلاء إيران ضد إسرائيل.” وهي بهذا تستهدف  تغيير حسابات المخاطر في طهران من خلال الإظهار للإيرانيين أن الحرب غير المباشرة ليست أحادية الاتجاه، وأنه قد يكون للهجمات التي قد يتمّ شنها من أراضي طرف ثالث تبعات على الجنود الإيرانيين والأراضي الإيرانية..

السيناريوهات المحتملة

ان السيناريوهات المحتملة اعلاه قد تعرّض مساعي الحكومة العراقية لتحقيق سلام مستدام بعد عقود من الصراعات للخطر . وقد يدفع واشنطن وحلفائها اذا ما ادركوا أن الصواريخ الإيرانية قد تسللت الى العراق وأن الشحنات العسكرية غير الخاضعة للرقابة تمرّ بنجاح عبر الاراضي العراقية الى سوريا ، إلى التعكز على القرار 2231 ،الذي يحظر “تزويد أو بيع أو نقل الأسلحة وأي مواد ذات صلة من إيران واستصدار قرارات ضد العراق من مجلس الامن الدولي قد تضر بالمصلحة والسيادة العراقية . وقد اشار مايكل نايتس الى طلب وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو من الحكومة العراقية تجنب حدوث مثل هذه السيناريوهات  بقوله ” بإمكان الحكومة العراقية معالجة هذه المشكلة مباشرةً من خلال مراقبة الميليشيات الوكيلة لإيران وقواعدها عن كثب” .

وسبق لمايكل نايتس وهو المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج. ان اشار بوضوح في دراسته المنشورة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى والموسومة (الانخراط الدولي في العراق مرتبط بالوجود العسكري في البلاد) ، الى أن  الولايات المتحدة توفّر معظم الدعم اللوجستي والأصول الاستخباراتية والأصول الجوّيّة والأموال، في العراق (و”بعثة التدريب التابعة للناتو” في العراق) واذا ما سعت بعض الفصائل المعادية لأمريكا إلى إبعاد الولايات المتحدة (والمملكة المتحدة) عن دورها في العراق، فان ذلك من شأنه أن يؤدي الى انهيار كامل بنية (قوة المهام المشتركة” – وليس فقط القوات الأمريكية ) مثل بيتٍ من ورق، وتُجرّد العراق من كامل الدعم، إذا احتدم جدلٌ ما حول التواجد العسكري  الأمريكي.

وشدد نايتس على أنه من دون “قوة المهام المشتركة” اي بعبارة اخرى التواجد العسكري الامريكي تحت هذا المسمى ، فان العراق سيشهد تدهوراً في علاقاته الدولية. وسيعود إلى الحالة التي كان عليها قبل حزيران 2014، إذا ما اتخذ قرار برلماني بإخراج القوات الامريكية من العراق ، مشيرا” الى أن الشراكة العسكرية مع العراق ، هي منبع العديد من العلاقات الدبلوماسية الجديدة – والهشة – بالنسبة للعراق. وهذا تهديد واضح بان ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب ستتخذ اجراءات قاسية ضد العراق في حالة انحيازه الى جانب طهران في صراعها مع واشنطن ! وطالب حلفاء واشنطن ، بإبلاغ النقاط المذكورة أعلاه بوضوح إلى الحكومة العراقية. قائلا” بان هذا الشكل اللطيف من الأسلوب قد يساعد قادة العراق على إدراك جدّيّة اللحظة الراهنة ويشدّد على الرابط الوثيق بين الدعم الدولي للعراق – السياسي والاقتصادي والعسكري أيضاً – واستمرار الوجود العسكري الامريكي في العراق …

الخلاصة

ينبغي ان يأخذ  الفرقاء في العملية السياسية العراقية في الاعتبار كافة العناصر المؤثرة في مسارات الصراع والتوتر بين واشنطن وطهران وانعكاسها على المصلحة الوطنية للشعب العراقي الذي عانى ويعاني الكثير من جراء الحروب والصراعات المسلحة ، بغية تلمس الطريق والمسار الذي يجنب العراق وشعبه تداعيات ونتائج اي تصعيد في الازمة أو اي صدام مسلح محتمل بين الامريكان و الايرانيين ، وأن يضعوا جانبا” كافة الخلافات لإخراج العراق وابعاده عن تقاطع النيران في الصراع الامريكي الايراني .

حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط نشر مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=51602

اللواء الركن الدكتور عماد علو