المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الطائرات المسيّرة ـ كيف تعزز الإمدادات الصينية قدرات روسيا؟
تسعى موسكو إلى تعزيز قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة الهجومية، بينما تكشف التقارير الاستخباراتية عن دور صيني مباشر في توفير المواد اللازمة لصناعة هذه الأسلحة. الإمداد الصينية عنصرًا مهمًا في استمرار إنتاج روسيا للطائرات المسيّرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على بكين بشأن دعمها غير المباشر للمجهود الحربي الروسي.
أدلة جديدة على الدعم الصيني
تقدم وثائق شحن داخلية لشركة روسية حصلت أوضح دليل حتى العام 2026 على قيام شركة صينية مملوكة للدولة بتزويد المجمع الصناعي العسكري الروسي بالمواد اللازمة لإنتاج مئات الطائرات المسيّرة. وقد راجعت حكومات أوروبية هذه السجلات، وتكشف وثائق الشحن والجمارك أن الشركة الصينية أخفت شحنة تبلغ 46 طنًا من المواد الكيميائية الخاصة بألياف الكربون، وأرسلتها خلال العام 2026 إلى شركة تابعة لشركة روسية تابعة لروساتوم. وتعمل هذه الشركة على تطوير مكونات أساسية للطائرات المسيّرة الانتحارية التي استخدمتها موسكو في هجوم على مركز تجاري وسط أوكرانيا في أغسطس من العام 2026، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 16 شخصًا. لطالما عُثر على مكونات صينية داخل الطائرات المسيّرة الروسية بعد تنفيذ هجمات على أوكرانيا. لكن الوثائق التي جمعها مركز الأمن والتعاون الأوكراني، وهو مركز أبحاث مقره كييف وقريب من الحكومة الأوكرانية، توضح للمرة الأولى كيف قامت شركة صينية مملوكة للدولة بتصدير مكونات أساسية لصناعة الطائرات المسيّرة مباشرة إلى روسيا. وقد شارك المركز الوثائق مع الحكومتين البريطانية والأمريكية.
يقول ديفيد أولبرايت، مؤسس ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، إن هذه المعلومات “تتيح لوزارة الخارجية الأمريكية فرض عقوبات” على المورد الصيني، لأنها “تثبت” شحنات إلى شركة تابعة لروساتوم بعد خضوعها للعقوبات من جانب جزء كبير من الدول الغربية. وأشار أولبرايت إلى أن الشحنة جرى إخفاؤها باستخدام رمز جمركي مخصص لصادرات مثل النايلون والبوليستر. ذكر متحدث باسم الشركة الروسية: “تعمل روساتوم وشركاتها بما يتوافق بشكل كامل مع القوانين والمتطلبات التنظيمية المعمول بها”، مضيفًا أن “أي ادعاء بخلاف ذلك غير صحيح ويكشف عن عدم فهم لطريقة عمل السلطات الجمركية الروسية”. وأفادت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان العام 2025 إن وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأمريكية تستطيعان فرض عقوبات “لتعطيل الشبكات والقنوات التي تحصل روسيا من خلالها على التكنولوجيا والمعدات من الخارج لدعم جهودها الحربية”.
أوضح سيرهي كوزان، رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني: “تقدم هذه الأدلة إثباتًا قاطعًا على مشاركة الشركات الصينية المملوكة للدولة في سلاسل توريد المواد الخام إلى روسيا”. وأضاف كوزان أن العقوبات الدولية المفروضة على روسيا تعني أن “الصين أصبحت، على الأرجح، المصدر الرئيسي، بل في الواقع المصدر الوحيد، للمواد اللازمة لتصنيع المواد المركبة المستخدمة في الأسلحة الروسية”. وقد راجعت لجنة مجلس النواب الأمريكي المختارة المعنية بالصين الوثائق، وخلصت إلى أنها “حقيقية”، وفقًا لمسؤول في الحكومة الأمريكية مطلع على محتوياتها. كما راجعت الحكومة الأوكرانية الوثائق وأكدت صحتها، وفقًا لمسؤول أوكراني. ورفضت وزارة الخزانة الأمريكية التعليق على الاتهامات المحددة المتعلقة بشحنات صينية من المواد الأساسية لبرنامج الطائرات المسيّرة المسلحة الروسي، لكنها أفادت في بيان إنها تتعامل “بجدية بالغة مع الادعاءات المتعلقة بسلوك قد يستوجب فرض عقوبات”.
أعلنت وزارة الخارجية البريطانية إنها راجعت الوثائق، ولم تعترض على المعلومات التي تكشفها. وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال اجتماع عقد في أواخر أغسطس من العام 2026، أن العلاقات بين البلدين ستزداد قوة. ومنذ بداية حرب أوكرانيا، أشارت موسكو إلى أن دعم بكين ضروري لقدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية لإنهاء الصراع. وقال بوتين في مايو من العام 2026: “في جوهر الأمر، بنينا نظامًا مستقرًا للتجارة المتبادلة محميًا من التأثير الخارجي”. وقد ساهم التعاون بين بكين وموسكو في الحد من تأثير العقوبات الأجنبية التي تهدف إلى حرمان الصناعات العسكرية الروسية من المكونات الأساسية.
قمة شي وترامب
تأتي هذه المعلومات في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاء شي جين بينغ في واشنطن في سبتمبر من العام 2026. وقد تؤدي الأدلة الجديدة على دعم الصين لروسيا إلى زيادة الضغوط التي يمارسها مشرعون أمريكيون مؤيدون لأوكرانيا على ترامب، لدفع شي إلى وقف مثل هذه الشحنات خلال اللقاء الذي يفضل الرئيسان على الأرجح تخصيصه لتمديد الهدنة الهشة في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وفي أغسطس من العام 2026، عين بوتين جنرالًا لقيادة حرب الطائرات المسيّرة ضمن فرع جديد أنشئ في الجيش الروسي بهدف تنفيذ ضربات في عمق الأراضي الأوكرانية. وفي المقابل، تكثف أوكرانيا هجماتها على مصافي النفط الروسية، مهددة بذلك أساس اقتصاد البلاد.
وخلال زيارة إلى موسكو في أغسطس من العام 2026، حذر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف المسؤولين الروس من تصعيد الصراع في أوكرانيا مع حلفاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي، في ظل الاشتباه بوقوف جهات مرتبطة بروسيا وراء أعمال تخريب وتوغلات بطائرات مسيّرة في أنحاء أوروبا. وقد أطلقت موسكو في الآونة الأخيرة سلسلة من التهديدات ضد الدول التي تدعم كييف. وتنفي الحكومة الصينية باستمرار تقديم أسلحة لدعم الحرب الروسية. وقال شي في عام 2023: “لن نضيف الوقود إلى النار، وفوق كل شيء، لن نستغل الصراع لتحقيق أرباح”. لكن واشنطن اتهمت بكين مرارًا بتوفير مواد مزدوجة الاستخدام، أي مواد يمكن استخدامها في التصنيع المدني والدفاعي على حد سواء، تصل مباشرة إلى الجيش الروسي.
إلا أن حجم الشحنات والأهمية العسكرية للشركة الروسية التي تتلقاها يشيران، وفقًا لخبراء أسلحة أمريكيين ومسؤولين استخباراتيين سابقين ودبلوماسيين، إلى أن المسؤولين الصينيين إما يغضون الطرف عن هذه المساعدة أو يعملون بشكل نشط على تسهيلها. وقالت السفارة الصينية في واشنطن في بيان إن الأدلة المتعلقة بالدعم الصيني لبرنامج الطائرات المسيّرة المسلحة الروسي “تشهير بالصين وتحميلها المسؤولية”. وأضافت السفارة: “لم نقدم مطلقًا أسلحة فتاكة لأي طرف في الصراع، ونفرض رقابة صارمة على المواد مزدوجة الاستخدام”. ويرفض مسؤولون أمريكيون سابقون مطلعون على إشراف الحكومة الصينية على الشركات المملوكة للدولة هذه الادعاءات.
يقول دينيس وايلدر، نائب مساعد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سابقًا لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ: “إنهم يفعلون ذلك وهم يعلمون أن الحكومة الصينية لن تتخذ إجراءات ضدهم بسبب ذلك”. وأضاف: “فكرة أن الشركات الصينية المملوكة للدولة يمكنها إخفاء أمور عن الحكومة الصينية ببساطة لا تصمد أمام التدقيق”. وقال أولبرايت، خبير الأسلحة المقيم في واشنطن: “لا يمكن أن تكون هذه الشحنة قد مرت دون أن تلاحظها الحكومة الصينية”. وقد أجرى أولبرايت ومعه معهد العلوم والأمن الدولي الذي يرأسه أبحاثًا معمقة لسنوات حول إنتاج روسيا للطائرات المسيّرة.
ماذا تكشف الوثائق؟
تثبت الوثائق المكتوبة باللغة الروسية شحن المادة الكيميائية الخاصة بألياف الكربون بين عناوين مستودعات مجموعة جيلين للألياف الكيميائية المملوكة للدولة الصينية، وشركة “ألابوغا-فولكنو”، التابعة لقسم المواد المتقدمة والمواد المركبة UMATEX التابع لشركة روساتوم الحكومية الروسية. وتقع الشركة داخل مجمع صناعي في منطقة تتارستان الروسية. وهناك، في المنطقة الاقتصادية الخاصة “ألابوغا”، توفر “ألابوغا فولكنو” ألياف الكربون عالية المواصفات للإنتاج الضخم في موسكو للطائرات المسيّرة الانتحارية بعيدة المدى، والتي صُممت بالاستناد إلى طائرات “شاهد” الإيرانية، وفقًا لأبحاث مركز الأمن والتعاون الأوكراني وأولبرايت.وتخضع “ألابوغا فولكنو” و”UMATEX” لمجموعة من العقوبات الغربية منذ عام 2023، بما في ذلك عقوبات فرضتها المملكة المتحدة، وعقوبات بموجب أمر تنفيذي صادر عن البيت الأبيض. كما تخضع عملياتهما لعقوبات من جانب أوكرانيا والاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا وسويسرا.
تحظر الحكومة الأمريكية الصادرات التي يمكن استخدامها من جانب الجيش الروسي. أما جيلين، وهي شركة صينية كبيرة مملوكة للدولة ومتخصصة في إنتاج وبيع الألياف الكيميائية الاصطناعية، فلا تخضع حاليًا لعقوبات غربية. وتوضح وثائق الشحن، المؤرخة في عام 2026 والتي تحمل شعار “روساتوم ألابوغا فولكنو”، أن الشحنة أُخفيت باستخدام رمز جمركي مخصص لصادرات الألياف الاصطناعية المدنية. وتنص الوثائق، وفقًا للترجمة، على “مجموعة كاملة من خدمات الشحن، بما في ذلك نقل البضائع والتخليص الجمركي والتأمين على البضائع”، بين الشركتين، لشحنتين داخل حاويتين بطول 40 قدمًا، تحتويان على إجمالي يصل إلى 46 طنًا من “خيوط البولي أكريلونيتريل (PAN-precursor) لأغراض التصنيع”. وتُعد ألياف السلائف المعروفة باسم PAN precursor مكونًا كيميائيًا أساسيًا لإنتاج ألياف الكربون خفيفة الوزن والمخصصة للاستخدامات العسكرية.
يوضح أولبرايت إن رمز الجمارك الصحيح كان سيصنف الشحنة باعتبارها مادة مزدوجة الاستخدام، أي ذات تطبيقات عسكرية ومدنية في الوقت نفسه. ذكرت كيري بيتسوف، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأمريكية شاركت في تصميم وتنفيذ العقوبات ضد شبكات شراء الأسلحة الروسية، إن سوء تصنيف الرموز الجمركية “يشير إلى أن شركة تخفي طلبًا أكثر حساسية”. وأضافت: “تأخذ الشركة مادة خاضعة للرقابة، وتجد رمزًا تغطويًا مقبولًا، وتشحنها بموجب تلك الفئة”. وأوضحت أن “الغالب أن يتم استخدام غطاء التصنيف نفسه عبر شركات مختلفة للتعامل مع مواد مماثلة”.
ووفقًا لمراجعة بيانات التجارة بين عامي 2022 و2025 أجرتها شركة “ساياري”، المتخصصة في بيانات المخاطر والاستخبارات، لم تستورد أي من الشركات الخاضعة للعقوبات في منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة بضائع باستخدام الرمز الجمركي المستخدم عادة لألياف PAN. وتُظهر البيانات الوصفية المستخرجة من وثيقة الشحن أن الوثيقة أُنشئت من جانب مسؤول حكومي روسي يعمل في منطقة تتارستان. وتتمثل المهمة الرئيسية لشركة “ألابوغا فولكنو” في تزويد الصناعات الاستراتيجية الروسية بألياف كربون هيكلية عالية المواصفات. ووفقًا لحسابات لجنة مجلس النواب الأمريكي المختارة المعنية بالصين، من المتوقع أن يذهب 89 بالمئة من إنتاج الشركة إلى مؤسسات الصناعات الدفاعية بحلول عام 2030.
تظهر قوائم المنتجات الداخلية للشركة، التي شاركتها لجنة مجلس النواب الأمريكي المختارة المعنية بالصين مع POLITICO، أن “ألابوغا فولكنو” تنتج 39 منتجًا يحتوي على ألياف الكربون مع أنواع مختلفة من المواد الرابطة البوليمرية، لاستخدامها في الطيران وهندسة الصواريخ والطائرات المسيّرة وبناء السفن والمدرعات. ويقول مركز الأمن والتعاون الأوكراني إنه تتبع ما لا يقل عن ثماني مناقصات للتعاقد على شحنات من سلائف PAN داخل حاويات إلى “ألابوغا-فولكنو” من مجموعة جيلين للألياف الكيميائية، وذلك منذ عام 2022 وحتى العام 2026.
انتهاكات العقوبات
تعتقد الحكومة الأوكرانية أن وثائق الشحن تظهر احتمال وجود تحايل على العقوبات، وفقًا للمسؤول الأوكراني. وقال مسؤول حكومي بريطاني إنه “لن يكون من المناسب التكهن بشأن أي إدراج محتمل في قوائم العقوبات مستقبلًا، لأن القيام بذلك قد يقلل من تأثير العقوبات”. تابع أولبرايت إن جيلين توفر “جزءًا أساسيًا من تصنيع ألياف الكربون اللازمة” لإنتاج الطائرات المسيّرة المسلحة. وأوضح: “من دونها، لا يمكنك بناء هيكل الطائرة”، مشيرًا إلى أن ألياف الكربون تُستخدم لتقوية الجناح والهياكل الداخلية، بما في ذلك خزان الوقود والمحرك. وقدّر أن كمية PAN التي شحنتها جيلين تكفي لإنتاج ألياف الكربون اللازمة لما يصل إلى 1,300 طائرة مسيّرة انتحارية.
أفادت لجنة مجلس النواب الأمريكي المختارة المعنية بالصين في تقرير صدر في أغسطس من العام 2026: “تُبقي السلع مزدوجة الاستخدام القادمة من الصين وهونغ كونغ برامج الأسلحة الروسية قيد التشغيل رغم ضوابط التصدير الغربية”. وبحسب بيانات نشرها معهد كيل الألماني، وهو مؤسسة غير ربحية للتحليل الاقتصادي، في يونيو، توفر بكين أكثر من 60 بالمئة من المكونات اللازمة لاستمرار عمل الجيش الروسي. وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق في إدارة الرئيس جو بايدن: “أصبح عدد الشركات في الصين التي قدمت قدرات مزدوجة الاستخدام إلى المجمع الصناعي العسكري الروسي بالعشرات الآن، وهذه الروابط عميقة”. وأضاف أن موسكو تقدم في المقابل لبكين عمليات نقل للتكنولوجيا بهدف تطوير “بعض القدرات العسكرية التي تسعى إليها”.
يؤكد كوزان من مركز الأمن والتعاون الأوكراني إن صناعة الدفاع الروسية، بدعم من الصين، “تستطيع مواصلة توسيع قاعدة التصنيع الخاصة بها لمجموعة واسعة من الطائرات المسيّرة ومكونات الصواريخ وأنواع أخرى من الأسلحة، التي تستخدم لاحقًا في هجماتها على أوكرانيا”. وأشار إلى أن استمرار الشحنات يؤدي إلى تعميق اندماج القطاع الصناعي بين اثنين من الخصوم الاستراتيجيين للغرب. وقال كوزان: “يجب أن تكون مواجهة هذه القنوات من خلال العقوبات الثانوية وضوابط التصدير وإنفاذ قيود العقوبات والضغط المالي على الوسطاء والتنسيق مع الشركاء الآسيويين أولوية بالنسبة إلى السياسات الدفاعية والاقتصادية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفائهما”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124132
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
