المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الطائرات المسيرة ـ تهديد للأمن القومي الألماني
تشهد ألمانيا تزايدًا ملحوظًا في استخدام الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع اتساع نطاق المخاوف الأمنية المرتبطة بتحليقها فوق المطارات والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية. وأصبحت هذه الطائرات تمثل تحديًا جديدًا للسلطات الألمانية، ليس فقط بسبب صعوبة رصدها واعتراضها، وإنما لاحتمال استخدامها في التجسس أو التخريب أو تعطيل البنية التحتية الحساسة.
وفي أحدث تطور، أعلنت الحكومة الألمانية في الأول من سبتمبر 2026 أنها خلصت، استنادًا إلى نتائج التحقيقات الأمنية وتقييمات أجهزة الاستخبارات، إلى أن روسيا تقف وراء محاولة الهجوم على مطار لايبزيغ/هاله، معتبرةً أن الأشخاص المتورطين كانوا يعملون لصالح أجهزة روسية. ورفضت موسكو الاتهامات الألمانية، ووصفتها بأنها مختلقة واستفزاز لا أساس له، فيما استدعت وزارة الخارجية الروسية القائم بالأعمال الألماني في موسكو للاحتجاج على ما اعتبرته تصعيدًا متعمدًا في العلاقات بين البلدين.
وأخذت القضية بعدًا أوروبيًا أوسع، بعدما اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن حادثة لايبزيغ تحمل سمات إرهاب ترعاه دولة، فيما تعهدت المفوضية الأوروبية بتشديد الضغط على روسيا وطرح عقوبات إضافية. وبالتوازي مع ذلك، كانت ألمانيا قد بدأت بالفعل بتوسيع قدراتها القانونية والأمنية لمواجهة تهديد المسيّرات. وفي فبراير 2026 أقر البرلمان الألماني تعديلات تسمح للقوات المسلحة بالتدخل بصورة أوسع لاعتراض الطائرات المسيّرة، بما في ذلك استخدام وسائل التشويش أو إسقاطها في حالات محددة، بناءً على طلب السلطات المدنية أو في حالات الطوارئ. وجرى تعزيز صلاحيات الشرطة وإنشاء مركز متخصص للدفاع ضد المسيّرات في برلين.
الطائرات المسيّرة تهديد مستمر
عثر محققون ألمان على طائرة مسيّرة ثالثة ومواد يُشتبه في أنها متفجرة، يُعتقد أنها مرتبطة بمحاولة هجوم استهدفت مطار لايبزيغ/هاله خلال أغسطس من العام 2026، واكتُشفت الطائرة المسيّرة غربي المطار في 14 أغسطس من العام 2026، أي بعد عشرة أيام من محاولة الهجوم الأولى. ووفقًا لوسائل الإعلام المحلية، عثر المحققون أيضًا على نحو 50 غرامًا من مادة يُشتبه في أنها متفجرات عسكرية من نوع “هيكسوجين” (RDX). وقادت خيوط أخرى المحققين إلى منطقة كورسدورف، شمال المطار، حيث عثر الضباط على جهاز ربما استُخدم للتحكم في طائرة مسيّرة. ووفقًا للنتائج الحالية، جرى تثبيت هوائي ومكونات إلكترونية على شجرة باستخدام شريط لاصق. وفي المنطقة المجاورة مباشرة، عثرت خدمات الطوارئ أيضًا على أرض محترقة وشظايا معدنية. ويبحث المحققون فيما إذا كان ذلك قد يكون موقع انفجار محتمل.
نشرت الشرطة الألمانية روبوتًا لإبطال مفعول القنابل، بعد العثور على طائرة مسيّرة على مدرج المطار بالقرب من طائرة شحن أوكرانية، ما أثار حالة من الذعر وأدى إلى تحويل مسار العديد من الرحلات الجوية. وكانت إحدى الطائرات التي اضطرت إلى إلغاء هبوطها المقرر في مطار لايبزيغ/هاله قد اصطدمت في الجو بجسم مجهول في مكان قريب، لكنها تمكنت لاحقًا من الهبوط بأمان في موقع آخر، وفقًا للحكومة الألمانية. وأكد لاحقًا أن طائرة مسيّرة مزودة بمتفجرات ومفجّر عُثر عليها بالقرب من طائرة تابعة لشركة الشحن الأوكرانية “أنتونوف إيرلاينز”، وفقًا لمتحدث باسم حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وبحسب موقع “كييف إندبندنت”، جرى تدمير الجسم المشبوه في عملية تفجير محكومة. وقال المتحدث باسم الشرطة، أولاف هوبيه، إنه في الوقت نفسه الذي شوهد فيه الجسم، عُثر على جسم آخر في منطقة المدرج الجنوبي، وقامت الشرطة الفيدرالية بفحصه. ورفض تأكيد أن طائرة مسيّرة شوهدت في المنطقة. وأظهر تحليل بالأشعة السينية أن الجسم كان طائرة مسيّرة.
يلعب المطار الواقع في شرق ألمانيا دورًا رئيسيًا في نقل المعدات العسكرية، بما في ذلك المعدات التي تنقلها القوات المسلحة الألمانية وحلفاء الناتو، كما يُستخدم قاعدة لشركة “أنتونوف إيرلاينز” الأوكرانية. وأظهرت لقطات مصورة لوكالة أنباء محلية روبوت إبطال مفعول القنابل بالقرب من طائرة تابعة لشركة أنتونوف، مطلية بألوان العلم الأوكراني الأصفر والأزرق، وتحمل على جانبها عبارة “كن شجاعًا مثل خيرسون”، في إشارة إلى منطقة أوكرانية تعرضت لضربات روسية مكثفة. وأفادت صحيفة “بيلد” بأن الطائرة التي اصطدمت بجسم مجهول في الجو كانت طائرة شحن تابعة لشركة DHL، وقد اصطدمت بالجسم على بعد نحو ستة كيلومترات من المطار، ما أدى إلى أضرار طفيفة في مقدمة الطائرة، اكتُشفت بعد هبوطها لاحقًا بسلام في مطار هانوفر.
وأعلنت الشرطة الألمانية أن “حادثًا متعلقًا بالأمن” أدى مؤقتًا إلى وقف الرحلات الجوية في المطار. وقالت الشرطة: “قبل منتصف الليل بقليل، شوهد جسم طائر مجهول بالقرب من مطار لايبزيغ/هاله، ما دفع إلى تحويل مسار عدة طائرات، من بينها طائرة ركاب، إلى مطارات أخرى”. واضطرت طائرة ركاب قادمة من جزيرة مايوركا، إلى جانب عدة طائرات شحن كانت متجهة إلى المطار، إلى تغيير وجهتها إلى مواقع أخرى.
سلسلة من مشاهدات الطائرات المسيّرة
رصدت ألمانيا ودول أوروبية أخرى بصورة متكررة طائرات مسيّرة تحلق فوق مواقع حساسة، مثل المطارات والقواعد العسكرية والمنشآت الصناعية. وقالت السلطات الألمانية، التي تعد من أكبر الداعمين لأوكرانيا، إنها تشتبه في وقوف روسيا وراء العديد من هذه الحوادث، باعتبارها جزءًا من حملة تخريب وتجسس وتضليل. وفي يوليو 2024، اشتعلت النيران في طرد على الأرض في مطار لايبزيغ قبل تحميله على طائرة شحن تابعة لشركة DHL، في حادث تعاملت معه أجهزة الأمن باعتباره جزءًا من مؤامرة تخريب وإحراق يُشتبه في ارتباطها بموسكو. ونفت روسيا مسؤوليتها عن أي من هذه الحوادث.
وفي العام 2025، أُدين مواطن صيني بنقل معلومات بشأن جداول الرحلات وحركة الشحن في مطار لايبزيغ/هاله إلى رجل كان يتجسس لصالح بكين. وفي أكتوبر من العام 2025، أفادت وسائل إعلام محلية بأنه جرى نشر منظومة ليزر بالقرب من مطار ميونيخ لحماية المنشأة من مشاهدات الطائرات المسيّرة. وجاء ذلك بعد إغلاق المطار لمدة يومين متتاليين بسبب رصد طائرات مسيّرة مشبوهة. وفي نوفمبر، تعطلت حركة الرحلات في مطار برلين براندنبورغ لنحو ساعتين بسبب رصد طائرة مسيّرة في مجاله الجوي. وتتزايد حوادث الطائرات المسيّرة مجهولة الهوية في المجال الجوي الألماني، إذ أفادت شركة خدمات الملاحة الجوية الألمانية DFS بتسجيل 144 حالة تحليق لطائرات مسيّرة العام الماضي، تركزت 35 منها حول مطار فرانكفورت.
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في 25 أغسطس من العام 2026، إن منفذي الهجمات الهجينة ضد ألمانيا، مثل الطائرة المسيّرة المحملة بالمتفجرات التي عُثر عليها في أحد المطارات، “سيدفعون ثمنها”، من دون أن يحدد جهة بعينها. وتابع ميرتس إن ألمانيا “وجدت نفسها بشكل متزايد في مرمى منفذي الهجمات الهجينة. لكن ألمانيا لم تتهم روسيا بالوقوف وراء حادث لايبزيغ، إذ اكتفى وزير الداخلية ألكسندر دوبريانت بالإشارة إلى الاشتباه في احتمال تورط “قوة أجنبية”. أضاف ميرتس، إن منفذي هذه الهجمات “يتصرفون بشكل متزايد من دون أي وازع”، وهم مستعدون للتسبب في “أضرار جسيمة بالممتلكات، وإصابات، وسقوط قتلى”، أو قبول خطر وقوعها. وموضحًا أن الحكومة تعمل مع الأجهزة الأمنية “لتحديد الجهة المسؤولة عن هجوم لايبزيغ”، وأن برلين تأمل “في عرض التفاصيل والتعليق على الأمر قريبًا”.
يقول ميرتس إن الحكومة اتخذت القرار الصحيح عندما بدأت تنفيذ مجموعة من الإجراءات “لتوفير حماية أفضل لبلادنا وسكانها من الهجمات الهجينة”. وتشمل هذه الإجراءات تعزيز قدرات الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، إلى جانب خطط لمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات للرد على المهاجمين داخل البلاد وخارجها، على سبيل المثال من خلال اختراق خوادم الحاسوب الخاصة بهم. متابعًا: “الحكومة تفرض تكلفة على منفذي الهجمات الهجينة. سيدفعون ثمنها”. تعهد ميرتس بـ”مواصلة المسار” في دعم أوكرانيا في حربها ضد الغزو الروسي. وقال: “تواصل الحكومة دعمها لأوكرانيا بعزم ثابت. و نحن أقوى داعم لها، ليس لإطالة أمد الحرب، وإنما لإجبار الأطراف على الدخول في محادثات سلام”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتعامل فيه برلين والعواصم الأوروبية مع الطائرات المسيّرة باعتبارها جزءًا متزايد الأهمية من أدوات الحرب الهجينة، إلى جانب التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية، خصوصًا عندما تستهدف المطارات والقواعد العسكرية وشبكات الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123868
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

