المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

الحديث عن “الضربة العسكرية” في سياق الاحتجاجات الإيرانية والأزمات المرتبطة بها يثير العديد من التساؤلات حول سبب تأجيل أو تجميد العمليات العسكرية التي كان من المتوقع أن تقودها بعض القوى الإقليمية والدولية. في حين أن العديد من الأطراف المعنية – من بينها الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل – قد هددت باتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران في الماضي، إلا أن هذا النوع من التحركات لم يحدث بشكل رسمي حتى الآن. ولذلك، يتعين النظر في عدة عوامل معقدة لفهم أسباب تجميد هذه الضربة العسكرية.
الضغوط الدبلوماسية والردود الدولية:
بينما كانت هناك تهديدات باتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران بسبب سلوكها في المنطقة، بما في ذلك دعم الجماعات المسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فضلاً عن برنامجها النووي المثير للجدل، فإن الضغوط الدبلوماسية، خاصة من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، جعلت من الصعب اتخاذ خطوات عسكرية فعالة ضد طهران.
الولايات المتحدة، رغم تبنيها مواقف حازمة ضد إيران، إلا أن هناك ترددًا داخليًا بشأن تبني خيار الضربة العسكرية. في حالة إيران، هناك العديد من المخاوف من تصاعد الوضع بشكل غير قابل للتحكم، وتحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة النطاق ستكون لها تداعيات غير متوقعة على المصالح الأمريكية والإقليمية.
التداعيات الإقليمية والدولية:
إذا كان هناك نوع من التجميد للضربة العسكرية ضد إيران، فإنه يرتبط بشكل كبير بحسابات استراتيجية معقدة في المنطقة. إيران، باعتبارها دولة ذات قدرات عسكرية متقدمة، تملك صواريخ بعيدة المدى، وشبكة من الجماعات المسلحة المدعومة في دول أخرى مثل العراق وسوريا ولبنان، مما يجعل أي ضربات عسكرية ضدها محفوفة بالمخاطر.
على سبيل المثال، أي هجوم على إيران قد يؤدي إلى ردود فعل مباشرة من حلفائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان أو الفصائل المسلحة في العراق وسوريا، مما قد يخلق جبهة قتال متعددة الجوانب. كما أن إيران تمتلك مواقع عسكرية استراتيجية في الخليج العربي، وهو ما قد يعرض الملاحة البحرية والاقتصاد العالمي لمخاطر جسيمة.
المخاوف من التصعيد النووي:
الضغوط العسكرية على إيران قد تُفضي إلى تصعيد سريع في الأزمة النووية، حيث تتقدم إيران في برنامجها النووي، مما يزيد من القلق الدولي من قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية. أي هجوم عسكري قد يعزز من موقف المتشددين داخل النظام الإيراني الذين يرون في تعزيز القدرة النووية أداة للردع ووسيلة للتفاوض على الساحة الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك اتفاقات دولية قد تكون لها تأثيرات في تجميد هذه الضربة العسكرية. على سبيل المثال، إذا كانت هناك محاولات لإحياء المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، فإن الضربة العسكرية قد تدمر أي فرصة لإعادة التفاوض، مما يؤدي إلى ردود فعل دولية سلبية ضد أي طرف ينخرط في عمل عسكري ضد إيران.
الموازنة بين الخيار العسكري والسياسة:
في العديد من الحالات، فضل العديد من الفاعلين الدوليين اختيار الخيارات السياسية والدبلوماسية على الخيار العسكري، لأن الوضع في المنطقة لا يتيح تحقيق انتصار سريع أو سهل ضد إيران. على سبيل المثال، العديد من الحكومات في الخليج والعالم الغربي اختارت فرض عقوبات اقتصادية أو فرض ضغط دبلوماسي على إيران بدلاً من اللجوء إلى العنف العسكري.
واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الضربة العسكرية هي القدرة على تحديد أهداف دقيقة في إيران، حيث تمتلك بنية تحتية عسكرية معقدة ومتشعبة. الهجوم على مواقع نووية أو منشآت عسكرية قد يتطلب تخطيطًا معقدًا، ويواجه تحديات كبيرة في التنفيذ بسبب التضاريس الجغرافية والحماية العسكرية الإيرانية.
التوازن الداخلي في إيران:
من العوامل التي قد تكون ساهمت في تجميد الضربة العسكرية ضد إيران هو التوازن الداخلي في البلاد. فإيران تمر بأزمة اقتصادية وسياسية داخليًا، حيث تشهد احتجاجات شعبية عارمة تطالب بتغيير النظام في العديد من المدن الإيرانية. أي تدخل عسكري خارجي قد يُسهم في تعزيز الوحدة الداخلية للنظام الإيراني بدلاً من إضعافه، حيث قد يتوحد الشعب الإيراني خلف القيادة السياسية ضد “العدو الخارجي”. إذ تُظهر تجارب سابقة أن إيران تستطيع استغلال التهديدات العسكرية لتوحيد الداخل حول النظام القائم.
الانشغال العسكري في ساحات أخرى:
تدخلات عسكرية مثل الهجمات الجوية على أهداف في سوريا أو العراق، أو الضغط المتزايد من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، قد تكون قد دفعت الدول الغربية إلى اتخاذ موقف أكثر تحفظًا بشأن تصعيد النزاع مع إيران. فالتورط في جبهات متعددة قد يعيق قدرة القوى الكبرى على اتخاذ قرار بشأن الضربة العسكرية ضد إيران.
هل جمد الرئيس الأمريكي ترامب الضربة العسكرية لإعطاء فرصة لإيران للجلوس على الطاولة بشروطه وحل الإشكالية الإيرانية المزمنة؟ أم أن ترامب كان يخطط للتحضير الكامل للضربة العسكرية بموافقة فريقه الذي كان مترددًا في اتخاذ القرار في السابق؟ جمود الضربة العسكرية يعني التخلي عن وعوده للمتظاهرين الإيرانيين، وهو أمر يثير تساؤلات بشأن نوايا الإدارة الأمريكية.
إذًا، الضربة العسكرية ضد إيران لم تُنفذ حتى الآن، وذلك بسبب مجموعة من العوامل المعقدة تشمل الضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية، المخاوف من التصعيد النووي، وحسابات الأمن الإقليمي. في حين أن إيران قد تكون في قلب الصراع الإقليمي والتهديدات الأمنية، إلا أن الخيار العسكري لا يزال مرفوضًا من قبل العديد من الفاعلين الدوليين الذين يفضلون الحلول السياسية والدبلوماسية التي قد تحقق أهدافهم مع أقل قدر من المخاطر.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=114602
