المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم: الباحثة شهلاء الهاشمي ، عضوة منتدى خبراء الأمن منتدى خبراء الأمن ـ ECCI
الضربات الأمريكية السعودية ضد الفصائل المسلحة في العراق، تداعيات أمنية واستراتيجية
تمثل التطورات المرتبطة باستهداف مواقع تابعة لفصائل مسلحة عراقية مرتبطة بالحشد الشعبي تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة داخل العراق، إذ لم تعد المسألة تقتصر على ردود عسكرية محدودة، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل منظومة الأمن العراقية، ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار العسكري والاستراتيجي للدولة.ووفقًا للتقارير الأولية، أسفرت صباح اليوم عن مقتل نحو 20 عنصرًا وإصابة 32 آخرين، ضمن عمليات استهدفت مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية واللوجستية للفصائل المسلحة، بما في ذلك البنى التي توفر لها القدرة على التخزين والتسليح وتنفيذ الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ. الحشد الرقمي “للفصائل المسلحة” في العراق: إنذار مبكر بموجة تصعيد محتمل
وشمل نطاق الاستهداف مقرات ومواقع تابعة لهذه التشكيلات في عدة محافظات عراقية، ما يشير إلى أن العملية لم تكن محدودة بضربة موضعية، بل جاءت ضمن نمط أوسع يهدف إلى إضعاف شبكات القيادة والسيطرة، وتعطيل البنية العملياتية التي تعتمد عليها الفصائل في إدارة قدراتها العسكرية. وتشير طبيعة هذه الضربات إلى انتقال واشنطن وحلفائها من مرحلة توجيه الرسائل التحذيرية إلى مرحلة محاولة فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على استهداف مصادر القوة وليس فقط الرد على الهجمات بعد وقوعها. فالرسالة الأساسية التي تحملها هذه العمليات تتمثل في أن امتلاك الفصائل لقدرات عسكرية مستقلة خارج السيطرة الكاملة للدولة أصبح ينظر إليه كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية والإقليمية.
إن استهداف القدرات العملياتية للفصائل يكشف عن محاولة لإضعاف البنية العسكرية غير النظامية التي تطورت خلال السنوات الماضية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيرة، الصواريخ، شبكات القيادة والسيطرة، وخطوط الإمداد. وفي حال استمرار هذا النهج، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال المواجهة من الضربات الانتقامية إلى حملة ضغط طويلة الأمد تهدف إلى تقليص قدرة الفصائل على العمل بحرية.
و أظهرت صور متداولة من مواقع الاستهداف حجم الأضرار التي لحقت بعدد من المقرات، حيث ظهرت آثار دمار واسعة في بعض المواقع التي كانت تستخدمها الفصائل المسلحة. وتضمنت بعض الصور المتداولة ظهور رايات وشعارات مرتبطة بحزب الله داخل مواقع تابعة للحشد الشعبي، إضافة إلى رايات حمراء تحمل دلالات مرتبطة بخطاب الثأر والانتقام الذي تستخدمه بعض الجماعات المسلحة، وهو ما يسلط الضوء على طبيعة الروابط الفكرية والتنظيمية بين بعض الفصائل العراقية وشبكات النفوذ الإقليمي المرتبطة بإيران.
وفي السياق ذاته، تحدثت مصادر محلية عن وجود مواقف تضامن من جهات مرتبطة بالقنصلية الإيرانية في النجف مع الحشد الشعبي عقب الاستهدافات، الأمر الذي يعكس حساسية الملف بالنسبة لطهران، التي تنظر إلى الحشد والفصائل الحليفة لها باعتبارها جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي في العراق. وقد تؤدي أي مواقف سياسية أو دعم مباشر لهذه الفصائل إلى زيادة تعقيد المشهد، ونقل المواجهة من إطار عسكري محدود إلى أزمة إقليمية أوسع تتداخل فيها المصالح العراقية والإيرانية والأمريكية.
ويشير ظهور هذه الرموز داخل المواقع المستهدفة إلى أن المواجهة لا ترتبط فقط بالبنية العسكرية للفصائل، بل تمتد إلى شبكة العلاقات الإقليمية التي تدعمها، بما في ذلك مسارات التمويل والتسليح والتأثير السياسي. لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تركيزًا أكبر على استهداف البنى التي تمنح هذه الجماعات القدرة على الاستمرار، وليس فقط ضرب مواقعها العسكرية المباشرة. إن هذه التطورات تحمل مخاطر عالية، إذ قد تدفع الفصائل المسلحة إلى إعادة ترتيب صفوفها، وتغيير أساليب عملها، والانتقال إلى نمط أكثر سرية يعتمد على العمليات غير المباشرة، بما قد يحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والقوى المرتبطة بإيران من جهة أخرى.
وقد جاءت الضربات في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة، بعد اتهامات أمريكية بوقوف جماعات مرتبطة بإيران خلف هجمات باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ ضد مواقع أمريكية ومصالح حليفة في المنطقة.كما أن مشاركة السعودية تعكس توسع الاهتمام الخليجي بمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ، خاصة بعد تزايد أهمية هذه الأدوات في الصراعات الإقليمية الحديثة.
لماذا أصبحت الفصائل المسلحة هدفًا مباشرًا؟
التحول في القدرات العسكرية للفصائل المسلحة
شهدت بعض الفصائل المسلحة خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طبيعة قدراتها العسكرية، إذ لم تعد تعتمد على أنماط القتال التقليدية أو على الانتشار البشري وحده، بل اتجهت إلى تطوير قدرات غير متماثلة تمنحها مرونة عملياتية وقدرة على التأثير في خصوم يمتلكون تفوقًا عسكريًا وتقنيًا. ويستند هذا التحول إلى توظيف الطائرات المسيّرة، والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب تطوير شبكات الاتصال والسيطرة، وتعزيز القدرات الاستخباراتية المحلية، وبناء منظومات دعم لوجستي وتمويل قادرة على دعم استمرارية العمليات.
وتوفر هذه القدرات للفصائل المسلحة إمكانية تنفيذ عمليات ذات تأثير عسكري وإعلامي بتكاليف أقل مقارنة بالعمليات التقليدية، كما تمنحها هامشًا أكبر للمناورة والتكيف مع الضغوط الأمنية والعسكرية. ولهذا، أصبحت هذه القدرات النوعية تمثل أحد الأهداف الرئيسة في الاستراتيجيات الرامية إلى الحد من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة، حيث لم يعد التركيز ينصب على تقليص أعداد المقاتلين فحسب، وإنما على إضعاف البنية التقنية واللوجستية والاستخباراتية التي تمكّن هذه الفصائل من الحفاظ على فعاليتها العملياتية واستمرار قدرتها على تنفيذ الهجمات. . أمن العراق ـ جهود تعزيز سلطة الدولة والحد من نفوذ الجماعات المسلحة
وتتعامل واشنطن مع بعض الفصائل العراقية باعتبارها جزءًا من منظومة نفوذ إيرانية أوسع تستخدم أدوات عسكرية وسياسية للحفاظ على حضورها الإقليمي. وفي المقابل، ترى هذه الفصائل أن وجودها العسكري يمثل جزءًا من منظومة ردع إقليمية، وأن التخلي عن السلاح سيؤدي إلى فقدان أوراق نفوذ مهمة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وبذلك أصبح العراق أحد أهم ساحات التنافس غير المباشر بين واشنطن وطهران، حيث تتحول الأراضي العراقية إلى مساحة اختبار للنفوذ وليس فقط ساحة أمنية داخلية.
يمثل الدور السعودي في هذه المعادلة تطورًا مهمًا، إذ تنظر الرياض إلى انتشار قدرات الصواريخ والطائرات المسيرة المرتبطة بجماعات مدعومة من إيران باعتباره جزءًا من تهديد أمني إقليمي يتجاوز حدود العراق. وترتبط هذه المخاوف بأمن الخليج، حماية منشآت الطاقة، واستقرار الممرات البحرية.لكن في الوقت ذاته، فإن أي انخراط إقليمي مباشر في الملف العراقي يبقى حساسًا، بسبب رفض قطاعات سياسية عراقية لأي تدخل خارجي، سواء كان أمريكيًا أو خليجيًا أو إيرانيًا.
هل تستطيع الحكومة ضبط الفصائل المسلحة؟
يمثل ملف السلاح خارج إطار الدولة أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام ترسيخ مؤسسات الدولة العراقية وتعزيز سيادتها. ولا تقتصر الإشكالية على وجود تشكيلات مسلحة تمتلك قدرات عسكرية مستقلة، بل تمتد إلى تأثير ذلك على وحدة القرار الأمني وإمكانية احتكار الدولة لاستخدام القوة بوصفه أحد المبادئ الأساسية لقيام الدولة الحديثة. فكلما تعددت الجهات القادرة على اتخاذ قرار استخدام القوة خارج التسلسل المؤسسي، ازدادت تعقيدات البيئة الأمنية، وبرزت تحديات تتعلق بفاعلية المؤسسات الرسمية في إدارة الأزمات الداخلية والخارجية.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل تداخل الأبعاد الأمنية والسياسية، إذ إن بعض الفاعلين المسلحين يتمتعون بحضور سياسي واجتماعي إلى جانب امتلاكهم قدرات عسكرية، الأمر الذي يجعل مسألة تنظيم العلاقة بين الدولة وهذه التشكيلات أكثر تعقيدًا من كونها قضية أمنية بحتة. ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الدائر لا يقتصر على مستقبل سلاح الفصائل، بل يتصل أيضًا بالسؤال الأوسع المتعلق بالجهة التي تمتلك القرار النهائي في إدارة السياسة الأمنية والدفاعية للعراق، وبقدرة مؤسسات الدولة على ترسيخ مبدأ احتكار استخدام القوة وفق الأطر الدستورية والقانونية، بما ينعكس على الاستقرار الداخلي وعلاقات العراق الإقليمية والدولية.
المقاربة الأمريكية ـ الضغط على القدرات العسكرية وتعزيز الردع
تشير طبيعة العمليات الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن لا تركز فقط على الرد على الهجمات التي تستهدف قواتها أو مصالحها، وإنما تسعى أيضًا إلى تقليص القدرات العسكرية للفصائل المسلحة والحد من قدرتها على تنفيذ عمليات مستقبلية. ويبدو أن هذه المقاربة تقوم على استهداف البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك مواقع التخزين والإمداد وبعض القدرات التي تستخدم في تطوير أو تشغيل الوسائل الهجومية، بالتوازي مع التركيز على القدرات النوعية التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للتهديد، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي الوقت ذاته، يتزايد الاعتماد على الأدوات الاستخباراتية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في هذه المقاربة، من خلال تكثيف جهود جمع وتحليل المعلومات، ومراقبة أنماط الاتصالات والتحركات اللوجستية، وتتبع شبكات الدعم والإسناد. ويهدف هذا النهج إلى رفع كلفة أي قرار قد تتخذه الفصائل بتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية، عبر تعزيز الردع وتقليص هامش المناورة العملياتية، مع السعي إلى الحد من قدراتها العسكرية دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة واسعة النطاق. ويعكس ذلك تحولًا تدريجيًا من التركيز على الرد العسكري المباشر إلى تبني استراتيجية أشمل تجمع بين الضغط العملياتي، والتفوق الاستخباراتي، وإدارة الردع..تحولات الصراع في العراق: من الحرب التقليدية إلى بيئة الحرب الرمادية
تأثير الضربات على الحشد الشعبي والفصائل المسلحة
لا يمكن قياس تأثير الضربات العسكرية التي تستهدف الحشد الشعبي أو الفصائل المسلحة بعدد الضحايا فقط، إذ إن الأثر العملياتي يعتمد بدرجة أكبر على طبيعة العناصر والمواقع المستهدفة. فبينما تستطيع هذه الفصائل تعويض خسائرها البشرية عبر إعادة التجنيد أو إعادة توزيع المهام بين عناصرها، فإن استهداف القيادات الميدانية أو الكوادر المتخصصة في تشغيل وتطوير الطائرات المسيّرة، أو مسؤولي الإمداد والتسليح، أو العناصر المعنية بالاتصالات وجمع المعلومات، يترك آثارًا أكثر عمقًا على بنيتها التنظيمية وقدرتها العملياتية.
أن استهداف شبكات الدعم اللوجستي والتمويل ينعكس على استمرارية العمليات ويحد من قدرة الفصائل على الحفاظ على وتيرة نشاطها، بما يؤثر في التخطيط والتنفيذ والتنسيق الداخلي.من المرجح أن تتجه الفصائل المسلحة إلى مراجعة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية بهدف الحد من آثار الضربات المستقبلية. وقد يشمل ذلك إعادة توزيع القيادات والمهام، وتقليص الاعتماد على المقار الثابتة، ونقل مواقع تخزين الأسلحة والمعدات بصورة دورية، إلى جانب تشديد إجراءات الأمن الداخلي، وتقليل استخدام وسائل الاتصال التي يمكن تتبعها، واعتماد وسائل تمويه وإخفاء أكثر تطورًا لمواجهة قدرات الرصد والاستخبارات. ويشير هذا التحول إلى أن طبيعة المواجهة قد تنتقل تدريجيًا من التركيز على الضربات العسكرية المباشرة إلى صراع طويل الأمد يعتمد بدرجة متزايدة على التفوق الاستخباراتي وإدارة المعلومات.
من المرجح ألا تقتصر تداعيات الضربات الأخيرة على الجانب العسكري، بل تمتد إلى تصاعد المنافسة في المجال الاستخباراتي، الذي أصبح يشكل أحد أهم ميادين الصراع بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة المدعومة من إيران. فمن المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة وشركاؤها الاستثمار في قدرات جمع وتحليل المعلومات، من خلال مراقبة الاتصالات، وتحليل البيانات المفتوحة، وتتبع الأنشطة الرقمية، ورصد خطوط الإمداد والتحركات اللوجستية، إضافة إلى محاولة كشف شبكات التمويل واختراق قنوات الاتصال بين القيادات والعناصر الميدانية. وفي المقابل، ستسعى الفصائل إلى تعزيز إجراءات الأمن المضاد عبر تقليص بصمتها الرقمية، وتشديد حماية الاتصالات، وإعادة تنظيم شبكاتها الداخلية للحد من فرص الاختراق والتسريب.
وتعكس هذه التطورات تحولًا في طبيعة الصراع، إذ أصبحت المعلومات الدقيقة والقدرة على تحديد الأهداف واكتشاف مواقعها في الوقت المناسب تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح العمليات العسكرية. ونتيجة لذلك، لم يعد التفوق يقاس بحجم القوة النارية وحدها، بل بامتلاك القدرة الاستخباراتية على جمع المعلومات وتحليلها واستثمارها قبل تنفيذ أي عملية، الأمر الذي يجعل الحرب الاستخباراتية أحد أبرز محددات مسار المواجهة خلال المرحلة المقبلة.
الاتجاهات المحتملة
احتواء التصعيد وإعادة تثبيت قواعد الردع : تشير إحدى الاتجاهات المحتملة إلى نجاح الجهود السياسية والأمنية في احتواء التصعيد العسكري من خلال إعادة تثبيت قواعد ردع غير معلنة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة المدعومة من إيران، بما يحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة. ووفق هذا المسار، قد تتراجع الضربات العسكرية واسعة النطاق مقابل استمرار الضغوط السياسية والأمنية، مع سعي جميع الأطراف إلى تجنب تصعيد يصعب احتواؤه. وفي هذا السياق، تبرز الحكومة العراقية بوصفها طرفًا رئيسيًا في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، من خلال تعزيز سيادة الدولة والعمل على منع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الصراعات الإقليمية. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة بغداد على فرض القانون وتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة.
استمرار المواجهة منخفضة الشدة : تُرجح المعطيات الحالية استمرار نمط المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة، بما يعكس طبيعة الصراع الأمريكي ـ الإيراني خلال السنوات الأخيرة، والذي اتسم بحرب استنزاف تعتمد على الضربات المحدودة والردود الانتقامية المحسوبة. وفي هذا الإطار، قد تستمر العمليات الجوية الأمريكية ضد أهداف مرتبطة بالفصائل، مقابل تنفيذ هجمات محدودة باستخدام الطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو الوسائل الإلكترونية، بالتوازي مع تصاعد الحملات الإعلامية وحرب المعلومات. ومن شأن هذا المسار أن يبقي العراق في دائرة التوتر الأمني دون الوصول إلى مواجهة شاملة، مع استمرار الضغوط على مؤسسات الدولة وتزايد التحديات المرتبطة بالاستقرار الداخلي.
يبقى احتمال توسع المواجهة قائمًا، وإن كان أقل ترجيحًا، في حال حدوث تطورات ميدانية استثنائية، مثل استهداف شخصيات قيادية، أو وقوع خسائر بشرية كبيرة، أو استهداف منشآت استراتيجية، أو انتقال إيران إلى مستوى أعلى من الانخراط المباشر في الصراع.
مسار التصعيد
سيعتمد تقييم مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من المؤشرات الميدانية والسياسية التي يمكن من خلالها استشراف اتجاهات التصعيد أو الاحتواء. وفي مقدمة هذه المؤشرات، مستوى النشاط العملياتي للفصائل المسلحة، ولا سيما أي زيادة في استخدام الطائرات المسيّرة أو الصواريخ لاستهداف المصالح الأمريكية أو المنشآت الدبلوماسية والقواعد العسكرية، باعتبار أن مثل هذه العمليات قد تؤشر إلى تغير في قواعد الاشتباك واتساع نطاق المواجهة.
تمثل طبيعة الخطاب الصادر عن قيادات الفصائل المسلحة أحد المؤشرات المهمة، إذ إن تصاعد نبرة التهديد أو الدعوة إلى الرد العسكري قد يعكس استعدادًا لمرحلة جديدة من التصعيد، خاصة إذا تزامن ذلك مع تحركات إيرانية ذات طابع عسكري أو سياسي مرتبطة بالساحة العراقية، بما في ذلك تكثيف الاتصالات مع الفصائل أو تعزيز مستويات التنسيق الإقليمي. وفي المقابل، فإن أي خطوات تهدف إلى احتواء التوتر أو دعم جهود الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة قد تشكل مؤشرًا على تراجع احتمالات التصعيد.
ومن المؤشرات التي تستوجب المتابعة أيضًا احتمال استهداف شخصيات قيادية داخل الفصائل أو تنفيذ عمليات اغتيال قد تؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك، إلى جانب تصاعد النشاط في الفضاء السيبراني من خلال الهجمات الإلكترونية التي تستهدف مؤسسات الدولة أو المصالح الغربية، فضلًا عن أي تحركات لإعادة انتشار وحدات الفصائل أو نقل مخازن الأسلحة والذخائر أو تعديل أنماط الانتشار والاتصالات. وتمثل هذه التحركات، في حال تزامنها، مؤشرات على استعدادات عملياتية قد تسبق مرحلة جديدة من التصعيد أو إعادة تموضع ميداني، الأمر الذي يجعل رصدها وتحليلها عنصرًا أساسيًا في تقدير اتجاهات الأزمة خلال الفترة المقبلة.
تمثل الضربات الأخيرة نقطة تحول في طبيعة التعامل مع الفصائل المسلحة العراقية، لأنها تشير إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على الرد على الهجمات، بل بدأت تتجه نحو محاولة تقويض القدرات التي تسمح لهذه الجماعات بالعمل كقوة عسكرية مستقلة. لكن التجربة الإقليمية تظهر أن الضربات العسكرية، رغم قدرتها على إحداث أضرار كبيرة، لا تكفي وحدها لإنهاء نفوذ الفصائل. فالقوة العسكرية تمثل جزءًا واحدًا من منظومة أوسع تشمل النفوذ السياسي، الموارد الاقتصادية، العلاقات الاجتماعية، والارتباطات الإقليمية. ولهذا فإن أي استراتيجية تهدف إلى تغيير المعادلة الأمنية في العراق تحتاج إلى مسارين متوازيين:
الأول: تقليل قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات تهدد أمن العراق والمنطقة.
والثاني: تعزيز مؤسسات الدولة العراقية بحيث يصبح القرار الأمني والعسكري خاضعًا حصريًا للحكومة والمؤسسات الرسمية.
يدخل العراق مرحلة أمنية دقيقة قد تحدد شكل الدولة خلال السنوات المقبلة. فالضربات الأخيرة تحمل رسالة واضحة بأن استمرار امتلاك الفصائل المسلحة لقدرات عسكرية مستقلة سيبقى مصدر توتر داخلي وإقليمي. وفي المقابل، فإن استمرار المواجهة دون معالجة سياسية شاملة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة وأكثر تعقيدًا. وسيكون مستقبل العراق مرتبطًا بقدرة الحكومة على استعادة احتكار القوة، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية. التحدي في العراق ليس غياب المؤسسات، بل تعدد مراكز القوة. الحكومة تمتلك الشرعية القانونية، لكنها تعمل في بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية. لذلك فإن نجاحها في ضبط الفصائل المسلحة يعتمد على مزيج من فرض القانون، والتوافق السياسي، وتحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية.
ومن المرجح ان يكون شهر سبتمبر 2026 سيكون اختبارًا لهيبة الدولة العراقية أكثر منه موعدًا نهائيًا لنزع السلاح. نجاح الحكومة لن يقاس بإعلان المهلة، وإنما بقدرتها على تحويل احتكار السلاح إلى واقع عملي، عبر مزيج من الحوار، وتطبيق القانون، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=121779
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

