الإستخباراتدراسات

الصورة النمطية للاستخبارات ، بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

هناك انطباع يرسخ في ذهن الانسان عن شخصية او منظومة او جهاز او بلد او مؤسسة حكومية وترتسم الصورة او ترسم هذه الصورة في وعي الانسان الى الابد , كصورة الممثل انطوني كوين في دور عمر المختار وعبد الله غيث في دور حمزه سيد الشهداء او دور  مصطفى زماني الايراني في دور النبي يوسف وغيرهم .

ومن هنا كان اهتمام اجهزة الاستخبارات العالمية باجهزة الاعلام  وبالفنون الجماهيرية كالسينما , لان لها  تأثيرات بالغة في ترسيخ الصور النمطية وتشكيل الرأي العام وتلميع وتضخيم دور الاجهزة الاستخبارية , وهو امر لم تنجح فيه اجهزة الاستخبارات العربية .

الصورة النمطية للاستخبارات العربية

لم تنجح اجهزة الاستخبارات العربية , لاسيما في الدول القمعية , من ان تعطي صورة ايجابية لدى مواطنيها عن عملها , فمعظم الشعوب العربية لديها صورة نمطية موحدة عن اجهزة بلادها الاستخبارية باعتبارها اجهزة قمعية شرسة لاتقيم وزناً للاخلاق في تعاملها مع المواطنين , وبانها اجهزة تسمع دبيب النملة عن المواطن لكنها ذيلية تابعة لاجهزة المخابرات العالمية .

ففي العراق مثلاً, وبسبب السياسات القمعية والبوليسية التي انتهجها النظام الصدامي طيلة فترة تسلطه , فقد ترك اثرا وانطباعا بالغاً في نفوس الناس حيث الخوف والرعب والقتل والتعذيب والتجسس على البيت والعائلة والطفل على ابيه والزوجة على زوجها , فكان له بالغ الاثر في تمزيق العائلة العراقية وضعف الانتماء الى الهوية الوطنية , الامر الذي ترك انطباعا غير محمود وكره شديد لها , وهو امر لم يتغير كثيرا بعد سقوط نظام البعث , فلاتزال اجهزتنا الاستخبارية , رغم ضعفها وعدم كفائتها , تعاني عدم ثقة المواطن نتيجة ترسبات الماضي , وهذا هو حال الاستخبارات في اغلب البلدان العربية .

وقد فشلت تلك الاجهزة من ان تلمّع صورتها امام مواطنيها لاسيما مع الانتهاكات اليومية التي يسمع عنها المواطنون في الاشاعات التي تحيط بهم همساً, وبسبب تدني الاعلام العربي والسينما العربية التي لم تستطع كسر تلك الصورة القاتمة عن الاجهزة الاستخبارية الا في حالات نادرة كما في مسلسل رأفت الهجان , لان ابراز النجاحات الاستخبارية العربية سينمائيا كان يصطدم دوما بالواقع العربي الممزق وبانتصارات العدو الصهيوني على ارض الواقع وبالفساد الذي يزكم الانوف في العوائل المالكة والاحزاب الحاكمة.

الاستخبارات العالمية والسينما

في يوم من الايام زارني صديق مثقف وذو منصب رفيع في الدولة , وقد ادهشني بقناعته الراسخة بان اي اعصار او زلزال يحدث في العالم هو من صنع المخابرات العالمية , وان الزلازل والاعاصير والانقلابات والحروب والمجاعات والفايروسات كلها من صنع الاستخبارات العالمية , وهذا هو بالضبط مايراد ان ترسخه في اذهاننا الصورة النمطية لتلك الاجهزة في سينمات هوليود.

ان الصورة الراسخة في ذهن الشعوب عن الاستخبارات العالمية هي صورة مظللة وكاذبة انتجها الاعلام المكتوب والمصور, وهو ما يعرف عندنا في العراق “بشغل ابو ناجي” كناية عن الذكاء البريطاني , لاقناعنا بأن الحياة لا يمكن ان تسير بلا وجود “ابو ناجي”.

وهناك توجيه ومعلومات موجهة وصناعة راي عام وانطباع كبير في الاعلام لصالح الاستخبارات العالمية الامر الذي يجعل البعض يذهب ويشتري معطف طويل ويرتديه مع نظاره سوداء ليتمظهر بزي رجال الامن والاستخبارات.

ففي اغلب كتب الاستخبارات المتداولة نلاحظ  بأنها عبارة عن جمع لقصص غير موثقة لابطال في عالم الاستخبارات وكذلك لجواسيس وصلوا الى المشانق لعمالتهم ولنباهة اجهزة الاستخبارات ومكافحة التجسس , كما يلحظ تضخم افلام القصص الجنائية والغاز الجريمة وذكاء البعض الخارق امثال شارلوك هولمز ومسيو بوارو ومس ماربل وجيمس بوند ولورانس العرب.

فمن خلال الكم الهائل من الاشاعات والاعلام والمؤلفات والقصص والافلام والصور يتم انتاج تصور وانطباع وصورة ذهنية عن رجل الاستخبارات الغربي بانه المنقذ والحل ورجل السلام والخير ومخلص العالم والقادر والمنتصر , والاهم من ذلك انه قدرنا المحتوم.

وتظهر القصص والافلام الاجنبية (لاسيما الامريكية منها ) قوة الاستخبارات التي تنقذ العالم دوماً وتكبح الشر, ويتنقل ضابط الاستخبارات في ثلاث لقطات من الفلم في ثلاث دول , فلا حدود ولا سيادة ولا انظمة امام ضابط استخبارات بمقتبل العمر في ال CIA ليبذل جهده لانقاذ العالم بطريقة سوبرمان وينتصر دوما في اللحظة الاخيرة , او ان تستطيع مجموعة من ثلاث او خمسة افراد من الاستخبارات العسكرية البريطانية ان تدمر فيلقاً من الجيش الالماني دون ان يقتل منهم احد, وتراهم في الافلام  يكشفون كل شيء ويعثرون على كل شخص ويخططون لكل شيء .

وانتشر تأثير هذة الافلام في مجتمعاتنا حيث اصبح الجميع يقتنع بأسطورة هؤلاء , وانهم قادرون واقوياء واذكياء ويخططون الى مئة سنة مقبلة , والعالم كله بيدهم وهم يوجهون ويفعلون , وهذا هو بالضبط ما يراد لنا ان نتصوره عنهم , وان ننسى اخفاقاتهم وفشلهم الذريع الحقيقي ونغرق في نجاحاتهم في عالم الاستخبارات الهوليودية المزيف.

ان انتاج عالم افتراضي للجهد الاستخباري للدول المتقدمة يصورها كصاحبة اليد الطولى في السيطرة على العالم , واقناع الشعوب بانها تعلم كل شيء عنهم ,  وانها استخبارات لا تقهر ولا تكسر, ينتج عنه استسلام ذهني في اوساط تلك الشعوب من انه لافائدة من المقاومة وان كل مايحدث هو امر مخطط له منذ سنوات في دوائر الغرب ولامجال لكسره وتغييره.

بل ان اجهزة الاستخبارات العالمية تحاول احياناً ان تلاحق الاحداث التي لايد لها فيها لتشيع ان تلك الاحداث من ترتيبها وعلمها وتوقيتها كما حدث في ثورات الربيع العربي التي لم يكونوا يتصوروا حدوثها ,  فصاروا يلمّحون في اعلامهم الى ان استخباراتهم  كانت تعلم وتقود الاحداث , وساعدتهم الصور النمطية في هوليود التي جعلت اعلامنا يطبل بالنيابة عنهم , وهو امر يشبه ادعاء الجن بانهم يعلمون الغيب وهو امر يصدقه الناس دونما اثبات.

التاريخ يكتبه المنتصرون

ان عالم الاستخبارات عالم سري يسهل فيه تلفيق الاحداث وتضخيمها وهو امر افاد سيناريوهات هوليود في تصوير الاجهزة الاستخبارية العالمية كبعبع لايخطيء وانه مسيطر على العالم بينما لم يستطع احد ان يخبرنا عن الفشل الذريع للاستخبارات الامريكية في كشف عشرات العمليات الارهابية على اراضيها وابرزها تفجير برجي التجارة العالمي عام 2001.

ان التاريخ لا يتكلم عن جرائم المنتصر بل انه يحولها الى انجازات , لان التاريخ يكتبه المنتصرون , لذا انتجت افلام بالمئات تصور جبن الالمان برغم احتلالهم لاوروبا , وتصور الافلام وحشيتهم دون الحديث عن وحشية الجيش الامريكي مع اليابانيين.

ولاتنسى السينما الهوليودية من ان تظهر الجانب الانساني للاستخبارات !!!, ففي احد المشاهد في  فيلم يتحدث عن عملية استخبارية امريكية لاستهداف وكر لارهابيين في الصومال , يظهر لنا الفيلم كيف يتم  تأخير العملية لأن الاستخبارات تشاهد طفلة في المكان , ويتناسى  المخرج  بأن هؤلاء هم الوحيدون الذين استخدموا قنبلتين نوويتين في تاريخ البشرية ضد مدينتين كاملتين في هيروشيما وناكازاكي.

ان تلميع صورة اجهزة الاستخبارات العالمية من مؤامراتها وخططها الدموية التي تسببت بالكثير من الدمار والقتل والاخطاء ودعمت مجرمين ورؤساء قتلوا شعوبهم , كله يصب في ايصال انطباع في عقول الناس عن الخير وترويج منتج وهمي مزيف.

صناعة العدو

ان انتاج العقل الجمعي وتوجيه عقول الناس الى نقطة محددة مهم جدا في عمل الاجهزة الاستخبارية , فهي تريد ان تنظر شعوبها الى الخطر الذي هي تعتبره خطرا لا الذي يستنبطه الناس , وهكذا هو الحال عندما استطاعت الاستخبارات العالمية بالتأثير على العقل العربي لتزيل منه خطر اسرائيل على البلاد العربية وتنتج بدلاً عنها اعداء وهميين لاسيما ممن تخشاهم  اسرائيل ذاتها.

فصدام مثل واضح للانتهازية الاستخبارية  في الاعلام العالمي , ففي حرب ايران كان صدام صديق الغرب يقوم بضرب بواخر وسفن غربية ولا يحاسب بل يجهز بالغازات الكيمياوية وانواع السلاح , ونفس صدام في حرب الكويت يكون عدو ويهاجَم ويدمَّر , فمالذي تغير في العقل الجمعي المنتج ؟ فالعراق هو العراق والنظام هو نفسه ولكن تغيرت ادواره في ساحتين ,  هنا يتم انتاج البطل والعدو والخير والشر انتاجا استخبارياً لاعلاقة له بالواقع  ولا بالأخلاقيات , وذات الامر يتم مع قطر الصديقة مرة , والداعمة للارهاب في توقيت آخر.

الرقيب الامريكي والسينما

برغم الظواهر الديموقراطية فان مؤسسات أمنية مختلفة , مثل البنتاغون ووكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية ، تتدخل  في صناعة الأفلام بالتوجيه أحيانًا والحذف أحيانًا أخرى.

و دخلت تعديلات ضخمة على سيناريوهات بعض الأفلام الكبيرة نتيجة لتدخل الحكومة الأمريكية, ووفق لبحث اجراه “ألفورد” و”سيكر” عن السينما الامريكية , فان مكتبًا صغيرًا تابعًا للبنتاغون «ساعد» في إنتاج قرابة مئتي فيلم في تاريخ السينما الأمريكية، وحصل الباحثان على أربعة آلاف صفحة من وثائق البنتاغون والمخابرات احتوت على اكتشافات مدهشة، إذ أظهرت أن الحكومة الأمريكية كانت حاضرة في كواليس أكثر من 800 فيلم ضخم الإنتاج، وأكثر من ألف عمل تليفزيوني. وتشمل هذه الأعمال أفلامًا مثل «Charlie Wilson’s War» بطولة «توم هانكس» و«جوليا روبرتس»، و«Meet the Parents» بطولة «بن ستيلر» و«روبرت دي نيرو» .

وعرف الباحثان من الوثائق كذلك أن تعديلات ضخمة قد دخلت على سيناريو بعض الأفلام الكبيرة نتيجةً لتدخل الحكومة الأمريكية، وتشمل هذه الأعمال أجزاءً من سلسلة «جيمس بوند»، وأفلام «Transformers»، بالإضافة إلى مجموعة من أفلام «الكوميكس» التي تُنتجها شركتا «مارفل» و«DC» , فعلى سبيل المثال، اكتشف ألفورد وسيكر أن وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) تدخلت بالدعم والتوجيه في صناعة فيلم «Thunderball» من سلسلة «جيمس بوند»، و«Patriot Games» و«Meet the Parents» و«Salt»

وتمتد القائمة لتشمل مجموعة ضخمة كذلك من المسلسلات والبرامج التليفزيونية، مثل «Hawaii Five-0»، و«America’s Got Talent»، و«Oprah»، و«Cupcake Wars»، بل وحلقة من برنامج الطبخ الشهير «Top Chef»، بالإضافة إلى بعض الأعمال الوثائقية التي أنتجتها قنوات «PBS» و«History Channel» و«BBC» .

واستطاعت وكالة الاستخبارات أن تؤثر في عدد لا يُستهان به من أفلام هوليوود وبرامج ومسلسلات التليفزيون الأمريكي، ويشير سيكر إلى حالة «The Recruit»، وهو فيلم عن عضو جديد ينضم إلى المخابرات المركزية وعملية تدريبه، والمثير للاهتمام بخصوص سيناريو هذا الفيلم بالذات أن مسوَّدته الأولى كتبها أحد مسؤولي المخابرات، رغم أن اسمه يظهر على الفيلم باعتباره فقط «مستشارًا تقنيًّا» .

الاستخبارات والاعلام

لقد كان للاعلام علاقة عضوية باجهزة الاستخبارات العالمية لغرض استهداف الراي العام وتشكيله والتاثير عليه ولتمرير الاكاذيب أو التهويل من خطر عدوّ محتمل، أو تشويه خصم سياسيّ.

ففي مقال بعنوان «لقطة لزواج سعيد»، يفصل جودمان العلاقة الطويلة القائمة على تبادل المنفعة بين الاستخبارات البريطانية وهيئة الإذاعة البريطانية BBC  , وفي مقال روبرت دوفر، بعنوان «من تقاطع فوكسهول مع حبي»، يستعرض فيه كيف أن للبرنامج التليفزيونى الأمريكى 24 والدراما التلفزيونية البريطانية Spooks وغيرها من البرامج «أثر عالمي حقيقي» من حيث مساعدتها فى «تهيئة الرأى العام» للتفكير فى الاستخبارات، والعنف الذى تقره الدولة، ومكافحة الإرهاب.

وبعيدا عن كونها «منحازة للاستخبارات»، فإن هذه البرامج «تساعد على تصوير الواقع الذى تعمل فى إطاره»، كما يقول دوفر,  ويقول أيضا إن هناك مجموعة واحدة واضحة من الرسائل لتلك البرامج وغيرها تتمثل فى الإحساس بالتهديد الشامل بأنه فى أية لحظة يمكن أن “تركع الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة على ركبتيها بسبب أعمال الإرهاب الوحشية”.

وهو لا يستغرب اعتقاد الغالبية العظمى من الغربيين، فى أحد الاستطلاعات، بأن الإرهابيين يسعون إلى «القضاء على أسلوب حياتنا» وأننا نخوض صراع حياة أو موت.

خلاصة

ان تشكيل الصورة النمطية للاستخبارات هو عمل مضنٍ للغاية تقف وراءه مؤسسات اعلامية وفنية متخصصة وميزانيات بالمليارات , الا ان تلك الاموال لاتنفق هباءاً بلا مبرر وبلا اهداف تستحق كل فلس ينفق فيها .

فلطالما ادت الصورة النمطية الايجابية للاستخبارات العالمية  الى استسلام في العقل الجمعي في دول العالم الثالث , وهو استسلام على طبق من ذهب , يتيح للاستخبارات العالمية التلاعب بمقدرات الشعوب من خلال ترسيخ صورتها باعتبارها لاتقهر فلافائدة من مقاومة ماتريده منا لانها منتصرة لامحالة , وهي انتصارات سينمائية بامتياز .

وبالمقابل , فان اجهزتنا الاستخبارية  , سواء في العراق او في دول العالم الثالث , لاسيما في الديموقراطيات الوليدة او في الدكتاتوريات المتأصلة , فانها تنتج صور نمطية سلبية عن اجهزتها تؤدي الى كره شعبي وجماهيري والى رفض التعاون معها بسبب اعتقادات راسخة بانها اجهزة قمعية تستهدف شعوبها وانها مصداق لقول الشاعر ” أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ” وهو امر افادت منه الاستخبارات الغربية التي ستبقى تنفذ من عيوبنا اعتماداً على استسلامنا و ضعفنا لاعلى  قوتها , والله المستعان .

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى