المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات
بقلم : د. خالد العزي
الصراع في إيران… بين حسابات القوة العسكرية وأزمة النظام العالمي
يبدو المشهد في الخليج العربي أكثر تعقيدًا مما يظهر على السطح، فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا يرتبط فقط بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل يتداخل مع حسابات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية واسعة. فكل طرف يحاول استخدام أوراق القوة التي يمتلكها، بينما تبقى المنطقة على حافة مواجهة قد تكون تداعياتها أكبر من قدرة الجميع على التحكم بها.
وترى موسكو، وفق قراءتها للصراع، أن المواجهة مع إيران لا تنفصل عن صراع أوسع حول موارد المنطقة وموازين النفوذ العالمي. وتعتقد روسيا أن خسارة عدد من حلفائها في السنوات الماضية، من فنزويلا إلى سوريا، أضعفت موقعها الدولي، وجعلتها أكثر قلقًا من اقتراب دائرة الضغوط من حدودها ومصالحها.
كما تبدو عودة حاملات الطائرات الأمريكية إلى المنطقة رسالة قوة واضحة. فمجموعة حاملات الطائرات لا تمثل مجرد سفينة ضخمة، بل هي قاعدة جوية عائمة متكاملة، تحيط بها الطرادات والمدمرات والغواصات، وتعمل ضمن منظومة دفاع متعددة الطبقات قادرة على مواجهة التهديدات الجوية والبحرية وتحت سطح البحر، إضافة إلى اعتمادها على وسائل الاستطلاع الفضائي.
لكن هذه القوة العسكرية، التي شكلت رمز الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم تحديات جديدة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الأساطيل التقليدية، بل دخلت الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والأنظمة غير المأهولة إلى قلب المعادلة العسكرية.
حاملات الطائرات أمام تحديات الحرب الحديثة
في حال اندلاع مواجهة قرب السواحل الإيرانية، فإن حاملات الطائرات قد تجد نفسها أمام بيئة قتالية مختلفة تمامًا عن الحروب السابقة. فالهجوم لا يحتاج بالضرورة إلى ضرب السفن مباشرة، بل يمكن أن يبدأ بإطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة بهدف استنزاف أنظمة الدفاع الجوي وإجبارها على استهلاك قدراتها.
وبعد إضعاف الدفاعات، يمكن استخدام صواريخ باليستية أو صواريخ كروز، وربما أسلحة أكثر تطورًا، لضرب أهداف حساسة مثل مدارج الطائرات أو مراكز الدعم اللوجستي. ولهذا السبب تتجنب الولايات المتحدة، في كثير من الحالات، وضع مجموعات حاملات الطائرات الضاربة في مواقع قريبة جدًا من السواحل التي قد تكون معرضة لهجمات معقدة، وتفضل استخدام وسائل أخرى للحفاظ على الضغط العسكري.
إيران وحرب الاستنزاف في الخليج
في المقابل، تمتلك إيران طبيعة جغرافية تمنحها بعض المزايا الدفاعية. فالساحل الإيراني على الخليج العربي يتميز بتضاريس جبلية، مع مناطق مرتفعة وكهوف ومواقع يمكن استخدامها لإخفاء منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما تعتمد إيران على أسلوب الحرب غير التقليدية، من خلال وحدات صغيرة متحركة تعمل بدرجة عالية من الاستقلالية، وتستخدم الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والوسائل غير المباشرة لمراقبة التحركات البحرية أو استهداف السفن. هذا النوع من الحرب يجعل المواجهة أكثر صعوبة، لأن استهداف شبكة منتشرة ومتحركة يختلف عن مواجهة جيش تقليدي يمتلك مواقع واضحة يمكن ضربها.
مضيق هرمز… نقطة الاختبار الكبرى
يبقى مضيق هرمز أحد أهم عناصر الصراع، فهو يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل الطاقة العالمية. وأي تهديد لحركة الملاحة فيه قد ينعكس على أسعار النفط والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي بأكمله. لكن إغلاق المضيق أو تعطيل حركة السفن لن يكون قرارًا بسيطًا، لأنه قد يؤدي إلى مواجهة واسعة وتدخلات دولية، كما أنه قد يضر بالدول التي تعتمد على صادرات الطاقة بقدر ما يضر خصومها. ففي الوقت الذي تمتلك فيه إيران وسائل لإرباك الملاحة، تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها قدرات كبيرة للرد، لكن تكلفة استمرار المواجهة ستكون مرتفعة على جميع الأطراف.
الاقتصاد… الوجه الآخر للصراع
لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن الحسابات الاقتصادية. فأسواق الطاقة والنظام المالي العالمي يشكلان جزءًا أساسيًا من خلفية الصراع. ويرى بعض المحللين أن سياسة الضغط الأمريكية لا تستهدف إيران فقط، بل ترتبط أيضًا بمحاولة إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية، في ظل أزمات متراكمة مثل ارتفاع الديون الأمريكية، وتراجع الثقة في بعض الأدوات المالية، والمخاوف من استمرار تضخم الأسواق. كما أن اضطراب إمدادات النفط يمكن أن يترك آثارًا كبيرة على الاقتصادات المعتمدة على الطاقة، وعلى حركة الاستثمار والأسواق المالية.
ترامب وإعادة تشكيل قواعد اللعبة
يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتمد على استخدام أدوات متعددة للضغط، من الرسوم الجمركية إلى العقوبات الاقتصادية ومحاولة إعادة ترتيب العلاقات التجارية مع القوى الكبرى. ويرى مؤيدو هذا النهج أنه يهدف إلى إعادة التفاوض حول موقع الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي، بينما يرى منتقدوه أن هذه السياسات قد تزيد من حالة عدم الاستقرار وتفتح أزمات جديدة. وفي ملف إيران، فإن استمرار الضغط لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية معها، بل يرتبط أيضًا بصراع أوسع حول الطاقة والنفوذ والنظام الاقتصادي العالمي.
أزمة العولمة وتغيير قواعد الاقتصاد
يرى بعض الاقتصاديين أن النظام العالمي الحالي يواجه مرحلة انتقالية صعبة، بعدما وصلت العولمة بشكلها السابق إلى حدودها القصوى. فخلال العقود الماضية، تدخلت الحكومات والبنوك المركزية مرارًا لإنقاذ الأسواق عند حدوث الأزمات، ما أدى إلى تراكم اختلالات مالية كبيرة. ويعتقد منتقدو هذا النهج أن استمرار دعم الأسواق بشكل دائم قد يؤجل الأزمات بدل حلها، وأن النظام المالي يحتاج إلى مرحلة إعادة توازن حتى لو كانت مؤلمة. ومن هذا المنظور، فإن الصراعات التجارية والعسكرية الحالية قد تكون جزءًا من مرحلة إعادة تشكيل أكبر للنظام الدولي.
نار الخليج… عندما تتحول سياسة المواجهة إلى خطر على الجميع
في النهاية، يبقى الصراع حول إيران والخليج أكبر من مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين؛ فهو تقاطع معقد بين الجغرافيا والطاقة والاقتصاد والنفوذ الدولي. فالمنطقة الخليجية تمثل شريانًا حيويًا للعالم، وأي اضطراب فيها لا ينعكس على الدول المتواجهة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
تملك إيران قدرات عسكرية وأوراق نفوذ إقليمية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة تجعل أي مواجهة مفتوحة تحمل مخاطر ضخمة عليها قبل غيرها. فالقوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لحسم المعارك الحديثة، كما أن الضغط الاقتصادي، رغم فعاليته، لا يضمن دائمًا تحقيق النتائج المرجوة، خصوصًا في عالم مترابط تتشابك فيه المصالح بين الدول.
الخطر الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن مستوى التصعيد يمكن التحكم به دائمًا. فالدول التي تستخدم التهديدات العسكرية أو توظيف الحلفاء الإقليميين قد تجد نفسها أمام نتائج تتجاوز حساباتها الأصلية. فالنار التي تُشعل لتحقيق أهداف سياسية قد تمتد إلى أماكن لم تكن في الحسبان، وتتحول من أداة ضغط إلى أزمة تهدد الاستقرار الداخلي والإقليمي.
إن أي مواجهة واسعة في الخليج قد تتجاوز حدود الصراع بين إيران وخصومها، لتصبح أزمة دولية تتداخل فيها مصالح قوى كبرى وتحالفات متعددة. ولذلك فإن مستقبل المنطقة لن يُحدد فقط بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، بل بقدرة الدول على إدارة الخلافات، وحماية مصالح شعوبها، وتجنب تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين مشاريع متنافسة.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تبني قوتها على الاقتصاد والتنمية والاستقرار تكون أكثر قدرة على الصمود من تلك التي تعتمد على سياسة التوتر الدائم. فالمنطقة الخليجية لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت مركزًا اقتصاديًا عالميًا يجذب الاستثمارات ويؤثر في حركة الاقتصاد الدولي. أما استمرار سياسة التصعيد والمغامرة، فإنه قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، حيث يمكن أن يدفع الخصوم إلى توحيد مواقفهم، وتعزيز تعاونهم الأمني، وفرض ضغوط أكبر على الأطراف التي تهدد الاستقرار.
وفي المقابل، تبقى الشعوب هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر عندما تتحول الحسابات السياسية إلى مواجهات عسكرية. فالحروب لا تترك وراءها سوى الدمار والخسائر والأزمات الاقتصادية، بينما يبقى البناء والتنمية والاستقرار الطريق الحقيقي لحماية الدول وتعزيز مكانتها. إن نار الخليج لا تميز بين من أشعلها ومن حاول استخدامها، وقد يظن البعض أنه قادر على التحكم بلهيبها، لكنها قد تتحول في لحظة إلى حريق واسع يصعب إيقافه. لذلك فإن أمن المنطقة لا يُبنى بالتهديدات والصواريخ، بل بالسياسة الحكيمة، واحترام سيادة الدول، ووضع مصالح الشعوب فوق حسابات الصراع.
فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الأزمات، بل في القدرة على تجنبها، وبناء دول مستقرة قادرة على حماية مستقبلها. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، فإن من يراهن على الفوضى قد يكتشف في النهاية أن النار التي أطلقها في الخارج قد وصلت إليه قبل غيره.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121507
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI

