بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
الأمن الدولي في الرؤية الأوروبية للتهديدات الإيرانية: المحددات والمقاربات السياسية والأمنية
تشهد العلاقات الإيرانية الأوروبية تصاعدًا غير مسبوق على وقع حرب إيران وتزايد المخاوف الأمنية والسيبرانية داخل أوروبا. يسعى الدول الأعضاء داخل الاتحاد إلى احتواء التصعيد من الأدوات الدبلوماسية والدفاعية، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر المتعلقة بأمن الطاقة والهجرة والتهديدات الإيرانية الهجينة العابرة للحدود. كشفت التباينات الأوروبية بشأن التعامل مع إيران وحدود التنسيق مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صعوبة اتخاذ موقف أوروبي موحد. وتعكس التطورات تحول حرب إيران من أزمة إقليمية إلى تحدٍ مباشر للأمن الأوروبي والاستقرار الاستراتيجي.
تداعيات الأزمات الدولية على الرؤية الأوروبية
تتمثل الرؤية الأوروبية في إدارة الأزمات الدولية في تكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمات ومنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع. دعا المجلس الأوروبي بشأن حرب إيران إلى خفض التصعيد إلى أقصى حد، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية كمنشآت الطاقة والمياه، والاحترام الكامل للقانون الدولي من قبل جميع الأطراف، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2817)، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
أدان المجلس الأوروبي الضربات العسكرية الإيرانية ضد دول المنطقة، وأعرب عن تضامنه مع الدول المتضررة، ودعا وكلاء إيران إلى الوقف الفوري للهجمات واحترام سيادة دول المنطقة . أكد المجلس على أهمية العمل المنسق لمساعدة الشركاء على تعزيز قدراتهم في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي. أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه الثابت والواضح للدول الأعضاء القريبة من المنطقة، لا سيما من خلال نشر القوات العسكرية في شرق المتوسط ودعم قبرص.
أبدى الاتحاد الأوروبي استعداده للعمل على تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء حرب غزة وفقًا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (2803). وفيما يتعلق ببعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية لمعبر رفح (EU BAM Rafah)، يدعو المجلس الأوروبي جميع الأطراف إلى إعادة فتح معبر رفح، وتسهيل عمليات التفتيش، وزيادة عدد المعابر. دعا إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية المؤقتة، كما هو موضح في الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة. كما دعا إلى تسريع الاستعدادات لتوسيع نطاق بعثة شرطة الاتحاد الأوروبي للأراضي الفلسطينية (EUPOL COPPS)، يتعاون الاتحاد الأوروبي مع الجهات الدولية والإقليمية المعنية للمساهمة في إعادة إعمار وتطوير غزة.
المحددات الرئيسية للموقف الأوروبي
تسعى الدول الأوروبية إلى الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وتجنب حدوث صدمات جديدة قد تؤثر على الصناعات الحيوية وسلاسل التوريد، حيث يتطلب الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي إمدادات طاقة آمنة، وسلاسل إمداد مرنة للتقنيات الحيوية والمواد الخام، وسياسات صناعية تعطي الأولوية للقطاعات الاستراتيجية. وتُظهر ارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، والآثار المترتبة على الحروب كحرب غزة وإيران وأوكرانيا والإجراءات التجارية الأمريكية العقابية، أن أوروبا تدفع ثمنًا عندما لا تستطيع التأثير على قرارات حلفائها. تقول رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”: “منذ بدء حرب إيران، ارتفعت تكاليف استيرادنا للوقود الأحفوري بأكثر من (22) مليار يورو. وهذا يظهر الأثر الهائل لهذه الأزمة على اقتصادنا”.
تعتبر قضية الهجرة أحد المحددات الرئيسية عند اتخاذ القرار الأوروبي بشأن الصراعات والأزمات الدولية، وتداعياتها المحتملة على الأمن الداخلي، وذلك استنادًا إلى الدروس المستفادة من أزمة الهجرة في العام 2015، وتجنبًا لتكرار وضع مماثل قد يزيد من نفوذ الأحزاب الشعبوية. يعمل الاتحاد الأوروبي على تعبئة أدواته الدبلوماسية والقانونية والتشغيلية والمالية بالكامل لمنع تحركات الهجرة غير المنضبطة إلى الاتحاد الأوروبي والحفاظ على الأمن في أوروبا، بالإضافة إلى وتعزيز أمن ومراقبة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
تزيد الحروب والصراعات من مخاطر الإرهاب في جميع أنحاء أوروبا، حيث كشفت عدة حوادث في أنحاء أوروبا عن طبيعة التهديدات الإرهابية ذات الدوافع المتطرفة المتعلقة بحرب إيران، وقد أصبحت البنية التحتية هدفًا رئيسيًا للخلايا النائمة الإيرانية في أوروبا. حذرت المفوضية الأوروبية من أن الحكومات الوطنية يجب أن تبذل المزيد من الجهد لمنع دخول المقاتلين الأجانب إلى الاتحاد الأوروبي من الشرق الأوسط بسبب تداعيات حرب إيران. يقول “ماغنوس برونر” مفوض الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي: “بينما نأمل جميعًا في حل سريع للصراع في الشرق الأوسط، يجب أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات المحتملة”. وحث “برونر” الدول على الامتثال لتوجيه الاتحاد الأوروبي لعام 2022 بشأن حماية أجزاء من البنية التحتية الوطنية، سواء كانت شبكات الطاقة أو المؤسسات المالية، التي يمكن أن تصبح “أهدافًا سهلة” للهجمات.
يحرص الاتحاد الأوروبي على تعزيز العلاقات في كافة المجالات مع واشنطن من الدفاع إلى التكنولوجيا والطاقة والتجارة والتمويل، لكن مع عودة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض تنامت الخلافات حول أوكرانيا والتجارة وغرينلاند وإيران، وهي حرب أمريكية اختيارية تعتبرها الغالبية العظمى من الأوروبيين غير قانونية ولم يتم استشارتهم بشأنها. يخشى القادة الأوروبيون بالتزامن مع هذه الخلافات من انسحاب ترامب من دعم أوكرانيا كذلك الانسحاب من حلف الناتو. وورد في تقرير عن مركز الأبحاث الألماني “SWP”: “لم تعد تعاملات ترامب مع أوروبا مجرد معاملات تجارية، بل باتت تشبه الابتزاز بشكل متزايد، حيث يستخدم أدوات متنوعة لإثبات أن ‘القوة هي الحق”. أمن دول مجلس التعاون الخليجي والتحولات الجيوسياسية مابعد حرب إيران والولايات المتحدة
التهديدات الإيرانية للآمن القومي الأوروبي
وضع تزويد إيران لروسيا بالأسلحة لاستخدامها في حرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير من العام 2022 طهران في مواجهة مباشرة مع المصالح الاستراتيجية الأساسية لأوروبا. حيث لم يقتصر الدور الإيراني على مواقف سياسية أو دعم غير مباشر، بل إلى مساهمة عسكرية واضحة في نزاع يقع على حدود أوروبا، من خلال طائرات مسيرة وصواريخ. أدت هذه الضربات إلى ارتفاع التهديدات الأمنية في العواصم الأوروبية، التي رأت في هذا التعاون العسكري تصعيدًا خطيرًا يتجاوز حدود النزاع الإقليمي.
حذر “أندريه وستنر” رئيس رابطة القوات المسلحة الألمانية قائلًا: “إن حرب إيران توفر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة مواتية بفضل الإيرادات الجديدة من مبيعات النفط، وبفضل انخفاض إمدادات أنظمة الدفاع الجوي لأوكرانيا، يمكنه تكثيف هجماته على البنية التحتية والسكان المدنيين”. يرى “وستنر” أن “فجوة الردع” في أوروبا قد تشجع روسيا على تكثيف هجماتها الهجينة، كما يحذر من احتمال تجاوز حدودها على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
أظهر الهجوم الصاروخي الإيراني بعيد المدى على القاعدة العسكرية البريطانية الأمريكية في “دييغو غارسيا” في 21 مارس 2026 أن ألمانيا وأوروبا في خطر حقيقي. حذر الخبير العسكري “رالف ثيل” قائلًا: “كان من الممكن أن يستهدف هذا الهجوم الصاروخي برلين أو باريس بنفس السهولة”. وأضاف: “كان من الممكن أن تكون القاعدة العسكرية الأمريكية القريبة من رامشتاين هي الهدف بنفس السهولة”. كما أفادت تقارير استخباراتية في مارس من العام 2026 أن العديد من الصواريخ الإيرانية قادرة على حمل رؤوس نووية، ويعد ترسانة الصواريخ الإيرانية من بين الأكبر في الشرق الأوسط، وتشير التقديرات بأن إيران تمتلك أكثر من (3000) صاروخًا باليستيًا.
أعلنت السلطات البولندية في 12 مارس 2025 أنها تحقق في احتمال تورط طهران في هجوم إلكتروني تم إحباطه على مركز أبحاث نووية. وفي 11 مارس 2025 أعلنت مجموعة قرصنة إلكترونية مدعومة من إيران أنها هاجمت شركة “سترايكر الأمريكية” لتصنيع المعدات الطبية، ما أدى إلى تعطيل خوادمها وسرقة بياناتها. وفي 10 مارس 2025، أعلنت السلطات الألبانية أن مجموعة تابعة للحرس الثوري الإيراني تمكنت من اختراق حسابات البريد الإلكتروني لأعضاء في البرلمان. يوضح “جو روك” مدير شركة “ريكوردد فيوتشر” المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية: “إن إيران دولة تتمتع بمجموعة واسعة من القدرات، وإذا رأت إيران في أحد ما خصمًا لها، فقد تصبح عدوانية للغاية”.
أوضح “يواكيم فاغنر” المتحدث باسم وكالة الأمن السيبراني الألمانية “BSI”: “أن الوكالة تعتبر من المرجح أن تكون مجموعات القرصنة الإيرانية موزعة عبر مناطق مختلفة وأن توجيه ضربة لمركز قيادة لا يزيل التهديدات السيبرانية الإيرانية”. كما أشار الخبراء إلى أن قراصنة طهران ليسوا متطورين تقنيًا مثل نظرائهم في روسيا والصين وكوريا الشمالية، بل إنهم معروفون بعزيمتهم وعدوانيتهم وامتلاكهم موارد جيدة، وهم بارعون بشكل خاص في الهجمات التلاعبية المعروفة بالهندسة الاجتماعية، كما ترى “كلوتيلد بومونت” كبيرة محللي السياسات في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية. الأمن الدولي في ظل نظام دولي متغير، استشراف السياق الأمني وخارطة النزاعات العالمية
التباينات بين الدول الأوروبية
ترأست أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية اجتماعًا طارئًا للمفوضين الأوروبيين في مارس 2026 مع التصعيد في حرب إيران ومع اختلاف وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الـ 27 حول بيان مشترك، انتقل الاتحاد الأوروبي إلى حالة الطوارئ، فعقد جلسات طارئة وخطط لسلسلة من الاجتماعات الاستثنائية. واجه الاتحاد مهمة صعبة تتمثل في صياغة استجابة متماسكة لسياسته الخارجية تجاه حرب إيران التي لا يملك فيها نفوذًا كبيرًا. تؤكد هذه الأحداث نمطًا أوسع، فمع تزايد الأزمات العالمية، من حرب أوكرانيا إلى التوترات عبر الأطلسي المتجددة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يسعى التكتل للتحدث بصوت واحد.
كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية ما إذا كان يمكن اعتبار جزء “القانون الدولي” من بيان الاتحاد الأوروبي بشأن حرب إيران بمثابة انتقاد لترامب. وفي هذه النقطة، انقسم القادة الأوروبيون علنًا، حيث أدان رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” الضربات الأمريكية الإسرائيلية، محذرًا من أنها قد تُؤدي إلى “نظام دولي أكثر اضطرابًا وعداءًا”. أكد المستشار الألماني “فريدريش ميرز”: “إنه ليس الوقت المناسب لتوجيه اللوم لشركائنا وحلفائنا”، مضيفًا: “إننا نتشارك معهم العديد من الأهداف دون أن نكون قادرين على تحقيقها بأنفسنا”.
أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني”: “عندما نختلف، يجب أن نقول ذلك، وهذه المرة، نحن لا نتفق”. ثم رفضت روما السماح للقاذفات الأمريكية بالتزود بالوقود في قاعدة بجنوب إيطاليا. تقول “إيليني لومتاتيدزه” من برنامج العلاقات الدولية بجامعة بنسلفانيا وفي معهد العلوم السياسية بباريس: “أن الأمر يتجاوز بكثير مجرد خلاف تكتيكي. قد لا تكون الخسائر الأكبر في حرب إيران، بل قد تكون مصداقية الولايات المتحدة كحليف، وبالتالي، التحالف عبر الأطلسي نفسه”. الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو
تقييم وقراءة مستقبلية
– لا تزال حكومات الاتحاد الأوروبي منقسمة حول مدى تصعيد الضغط الدبلوماسي على طهران. فبينما تؤيد بعض العواصم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، تخشى عواصم أخرى من أن يؤدي المزيد من المواجهة إلى إغلاق القنوات الدبلوماسية الهشة أصلًا في ظل تصاعد التوتر الإقليمي.
– يمكن القول أن الأدوات الأوروبية للضغط على إيران لا تزال ترتكز على الدبلوماسية وفرض العقوبات والتنسيق الأمني مع الدول الخليجية، مع محاولة الحفاظ على التوازن بين الردع ومنع الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع، قد تؤدي إلى تؤدي إلى تهديدات مباشرة لأمن الطاقة والبنية التحتية الأوروبية وتنامي التهديدات السيبرانية والإرهابية المرتبطة بطهران
– تسعى أوروبا إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي والسياسي، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على ارتباط وثيق ومعقّد بموقف الولايات المتحدة سياسيًا، أو أمنيًا، أو عسكريًا. وتُبرز المواقف المتباينة لمختلف العواصم الأوروبية عدم القدرة على اعتماد سياسة موحدة ومتماسكة تجاه إيران لا سيما في ظل الانقسامات.
– من المتوقع أن يستمر الاتحاد الأوروبي في الموازنة بين احتواء التصعيد والحفاظ على قنوات دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة مع الجانب الإيراني، وقد تتجه بعض العواصم الأوروبية إلى تشديد العقوبات إذا استمرت التهديدات الإيرانية للمصالح الأوروبية.
– ترتبط فرص التقارب أو التصعيد الأوروبي على طبيعة السلوك الإيراني ومستوى الانخراط الأمريكي في المنطقة، فمع تحقيق إي اختراق إيجابي في الملف النووي، أو أمن الملاحة البحرية عبر إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، قد يفتح الباب أمام تهدئة نسبية وتحسن محدود للعلاقات.
– من المحتمل أن تؤثر المتغيرات الدولية بشكل مباشر على مسار السياسة الأوروبية تجاه إيران، لا سيما مستقبل حرب أوكرانيا، والعلاقات الأوروبية مع الرئيس الأمريكي ترامب، ما سيجعل السياسة الأوروبية تجاه إيران مرهونة بدرجة كبيرة بالتطورات الدولية والإقليمية المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=118778
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Stunned, sidelined and disunited: the EU response to Iran war
https://tinyurl.com/n38due35
EU position on the situation in the Middle East
https://tinyurl.com/4tprhhpd
Iran crisis poses fresh test for divided EU
https://tinyurl.com/3dyket8z
EXCLUSIVE: Suspected IRGC operatives retain diplomatic cover in EU
https://tinyurl.com/4a9juz55
