المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أمن أوروبا السيبراني ـ ما مخاطر الأعتماد على البنية التحتية الرقمية الأمريكية؟
يتصاعد الجدل داخل الاتحاد الأوروبي بشأن ضرورة تحقيق السيادة التكنولوجية في ظل الاعتماد الكبير على شركات التكنولوجيا الأمريكية، خاصة مع تنامي المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. ويؤكد مؤيدو هذا التوجه أن امتلاك أوروبا لبنية رقمية مستقلة أصبح ضرورة استراتيجية لحماية بياناتها وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية. كما يرى خبراء أن الاستثمار في التكنولوجيا الأوروبية قد يشكل أحد أهم محركات النمو خلال العقود المقبلة.
الاستقلال التكنلوجي من أولويات الاتحاد الأوروبي
أثارت عضوة البرلمان الأوروبي الفنلندية أورا سالا اهتمامًا واسعًا مؤخرًا بسبب تصريحاتها الجريئة بشأن اعتماد أوروبا على شركات التكنولوجيا الأمريكية. وقالت: “تعتقد هذه الشركات الأمريكية أننا مجرد حمقى، إذ نقدم لها جميع بياناتنا مجانًا ثم نشتري خدماتها”. ومع ذلك، فإن آراء سالا لا ينبغي أن تكون مثيرة للجدل كما تبدو. فإصرارها على أن تطور أوروبا شركاتها الخاصة في مجال التكنولوجيا الرقمية، وأن تقلل اعتمادها المفرط على الشركات الأمريكية، لا يمثل مجرد سياسة عقلانية، بل ينبغي أن يكون من أولويات الاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل. تشكل التقنيات الرقمية العمود الفقري ليس فقط للاقتصاد الحديث، بل كذلك للحضارة الصناعية الحديثة بأكملها. وتشمل هذه التقنيات كل شيء، من الأجهزة المادية مثل الحواسيب والهواتف الذكية، إلى البرمجيات مثل التطبيقات، والحوسبة السحابية، وبالطبع الذكاء الاصطناعي.
إعادة توطين التكنولوجيا الرقمية
كانت الثورة الرقمية التي شهدها العالم مع مطلع القرن الحالي ظاهرة قادتها الولايات المتحدة، حيث نجحت شركاتها التكنولوجية سريعًا في فرض هيمنة واسعة على الأسواق العالمية. وليس من المستغرب أن تجني الولايات المتحدة ثمار هذه الهيمنة من خلال تحقيق نمو اقتصادي أكثر قوة، واكتساب نفوذ تكنولوجي كبير على بقية دول العالم. وقد سلطت الاضطرابات التي أصابت سلاسل التوريد العالمية بسبب جائحة كوفيد، والحربين في أوكرانيا وإيران، الضوء على أهمية تأمين الإمدادات المحلية من الطاقة والغذاء وغيرها من السلع الحيوية. وتنطبق الدروس المستفادة من إعادة توطين إنتاج الطاقة والغذاء بالقدر نفسه على التكنولوجيا، ولا سيما التكنولوجيا الرقمية.
مخاطر الاعتماد التكنولوجي
النفوذ الجيوسياسي: إن السيطرة على البنية التحتية الحيوية التي تخدم يوميًا المرافق الوطنية، وأنشطة الشركات، والأفراد، وحتى مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن تكون في أيدي شركات أجنبية قد تخضع بدورها لتوجهات رؤساء دولها. ويمكن بسهولة استخدام هذه التقنيات كوسيلة ضغط لابتزاز الدول وتحقيق أهداف جيوسياسية مختلفة. ويعد عدم القدرة على التنبؤ الذي ظهر خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثالًا على المخاطر التي قد تنجم عن مثل هذا الاعتماد.
ويبرز هذا الاعتماد بصورة أوضح في مجال الحوسبة السحابية، حيث تستحوذ خدمات “غوغل كلاود”، و”أمازون ويب سيرفيسز” (AWS)، و”مايكروسوفت أزور” على نحو 70% من السوق الأوروبية، بينما لا تتجاوز حصة مزودي الخدمات السحابية الأوروبيين نحو 15%. لكن الخطر لا يقتصر على الابتزاز الاقتصادي المتعمد، إذ إن مركزية البنية التحتية للحوسبة السحابية تخلق أيضًا مخاطر تقنية في حال وقوع أعطال. ففي أكتوبر من العام 2025، تعرضت خدمات “أمازون ويب سيرفيسز” لانقطاع استمر ساعات، ما أدى إلى تعطل تطبيقات مصرفية وأسرّة كهربائية وأجهزة أخرى، وأرجعت الشركة السبب إلى خلل في برمجيات الأتمتة.
وأوضح روتيم فاركاش، وهو خبير في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، قائلًا: “يُنظر إلى الحوسبة السحابية على أنها نظام دائم الحضور، لكنها في الواقع تعتمد على بنية تحتية مادية محددة جدًا وصيانة مستمرة من الشركات، ويمكن أن تتعرض للاضطراب في أي وقت. وفي النهاية، تعني المركزية مزيدًا من الهشاشة، لذلك كلما ازداد عدد مزودي الخدمات أصبحت البنية التحتية للحوسبة السحابية أقل عرضة للمخاطر”.
احتكار المعلومات: أما الخطر الثاني فيتمثل فيما يمكن وصفه بالتبعية المعلوماتية. فالخوارزميات التي تحدد المعلومات التي تُعرض لمستخدمي محركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، وروبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يتم تطويرها والتحكم بها داخل مقار الشركات الأمريكية. وتمثل هذه الهيمنة المعلوماتية قوة غير مسبوقة في التاريخ، في حين تبقى آلياتها غير شفافة إلى حد كبير. ويمكن بسهولة استغلال هذا النفوذ لخدمة مصالح سياسية أو تجارية، والتأثير تدريجيًا في ملايين المستخدمين الأوروبيين. وإذا أرادت أوروبا التحرر من خطر التبعية المعلوماتية والحفاظ على فضاء رقمي محايد وشفاف وصادق، فإن عليها في نهاية المطاف بناء قاعدة تكنولوجية رقمية خاصة بها.
النمو الاقتصادي: أما الخطر الثالث فهو اقتصادي. ويعزى جانب كبير من الفجوة في أداء الاقتصادين الأمريكي والأوروبي خلال العقدين الماضيين إلى شركات التكنولوجيا الأمريكية. ويعمل هذا النمو عبر مسارين، إذ تمثل هذه الشركات مصدرًا رئيسيًا لخلق القيمة، وتوفير الوظائف، وتحفيز الطلب، حيث تتجاوز إيراداتها السنوية في كثير من الأحيان 150 مليار دولار. كما تمتلك الولايات المتحدة ست شركات تكنولوجية تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، في حين لا تمتلك أوروبا أي شركة بهذا الحجم.
وإذا لم تستثمر أوروبا في بناء قاعدتها التكنولوجية الرقمية، فإنها ستفقد أحد أهم مصادر النمو خلال العقود المقبلة، وستترك صناعات جديدة دون استغلال، بينما تعاني القطاعات التقليدية من ركود في الإنتاجية. ويزداد هذا الأمر أهمية مع الموجة الجديدة من التحول التكنولوجي التي يقودها الذكاء الاصطناعي. أشار سيب جونسون، من مؤسسة “Scaling Europe”، إلى أن: “عندما تنظر إلى النمو الاقتصادي للولايات المتحدة خلال العشرين عامًا الماضية، تجد أنه جاء في معظمه من شركات التكنولوجيا. وأعتقد أن 80% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال العام 2025 جاء من مراكز البيانات وحدها. وإذا كنت تريد تحقيق النمو، فعليك الاستثمار في شركات التكنولوجيا، لأنها المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في العالم اليوم”. وأضاف أن أوروبا، من دون السعي إلى تحقيق السيادة التكنولوجية، تتخلى فعليًا عن قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي لصالح منافسيها الأمريكيين.
إن السعي إلى تحقيق السيادة التكنولوجية يجمع في جوهره بين التحديات الأمنية المتزايدة التي يفرضها النظام العالمي متعدد الأقطاب، وبين رغبة أوروبا في تحقيق نمو اقتصادي في ظل المنافسة العالمية. ومن شأن هذا التوجه أن يجعل بنيتها التحتية الرقمية أقل عرضة للمخاطر، واقتصاداتها أكثر ديناميكية، ومكانتها الجيوسياسية أقوى، وفضاءها المعلوماتي أكثر ديمقراطية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120210
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
