المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الذكاء الاصطناعي ـ ما حجم المخاطر على البنية الرقمية الأوروبية؟
تحذر السلطات الألمانية من تصاعد قدرات شركات التكنولوجيا الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصًا تلك المرتبطة بالهجمات السيبرانية المتقدمة. وتأتي هذه التحذيرات وسط مؤشرات على انتقال بعض عمليات التطوير إلى بيئات مغلقة وأكثر سرية، ما يزيد من المخاوف الأوروبية بشأن الأمن الرقمي. وفي ظل هذا التطور، تتصاعد الدعوات داخل أوروبا لتسريع بناء قدرات دفاعية سيبرانية مستقلة.
تحذيرات ألمانية من شركات التكنولوجيا الصينية
حذرت رئيسة المكتب الاتحادي الألماني لأمن المعلومات “BSI”، كلوديا بلاتنر، من أن شركات التكنولوجيا الصينية تبدو قريبة من تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تمتلك قدرات اختراق إلكتروني متقدمة شبيهة بنموذج “ميثوس” الذي طورته شركة “أنثروبيك” الأمريكية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال عمليات التطوير الصينية إلى نطاق سري ومغلق. تابعت بلاتنر، خلال إحاطة مغلقة أمام أعضاء اللجنة الرقمية في البرلمان الألماني “البوندستاغ”، إن عدداً من مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي في الصين توقفوا مؤخراً عن تحديث النماذج المفتوحة التي كانوا يطرحونها سابقًا، وهو ما قد يشير إلى نقل عمليات التطوير الحساسة خلف الأبواب المغلقة.
موجة محتملة من المخاطر السيبرانية
وبحسب ثلاثة مشرعين حضروا الاجتماع فإن بلاتنر قدمت تقييماً مفصلاً بشأن موجة محتملة من المخاطر السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والصادرة من الصين. وأشارت بلاتنر إلى أن شركات صينية كبرى قد تكون تقترب من تطوير أدوات اختراق إلكتروني فائقة التطور، مشابهة لتلك التي أثارت جدلاً واسعًا بعد إعلان شركة “أنثروبيك” عن نموذج “ميثوس”. وأعربت المسؤولة الألمانية عن قلقها من احتمال امتناع الشركات الصينية عن توفير وصول محدود للنماذج الجديدة أمام الشركاء الموثوق بهم، على عكس ما قامت به “أنثروبيك”، التي أتاحت الوصول إلى نموذج “ميثوس” لـ12 منظمة معلنة و30 جهة أخرى غير معلنة عندما كشفت عن مخاطر النموذج مطلع أبريل 2026.
تأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ عمليات اختراق إلكتروني متطورة تتجاوز ما قدمه “ميثوس”. وفي هذا السياق، كشفت شركة “أوبن إيه آي” خلال مايو 2026 عن نموذج جديد يحمل اسم “GPT-5.5-Cyber”، يتمتع بقدرات مشابهة في مجال الأمن السيبراني والهجمات الإلكترونية، بينما تعمل شركات الأمن الرقمي على تطوير أدوات دفاعية قادرة على مواجهة هذا الجيل الجديد من الهجمات المعززة بالذكاء الاصطناعي. ورغم التسارع الكبير في الولايات المتحدة والصين لتطوير هذه التقنيات، يواجه الاتحاد الأوروبي خطر التخلف عن المنافسة، بحسب مسؤولين وخبراء أوروبيين.
تطور في تنفيذ الهجمات السيبرانية داخل أوروبا
تثير الصين قلقًا متزايدًا لدى المؤسسات الأوروبية، في ظل تحذيرات متكررة خلال السنوات الماضية من أن مجموعات القرصنة المدعومة من الدولة الصينية تُعد من بين أكثر الجهات نشاطًا وتطورًا في تنفيذ الهجمات السيبرانية داخل أوروبا. تقول بلاتنر للمشرعين إن سلطات الاتحاد الأوروبي والهيئات الوطنية لم تتمكن حتى الآن من اختبار نموذج “ميثوس” الخاص بشركة “أنثروبيك”، ما أجبر وكالتها على الاعتماد على تقييمات نظرائها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذين حصلوا على إمكانية الوصول إلى النموذج. وأثار غياب الوصول المباشر إلى هذه التقنيات حالة من الإحباط لدى المسؤولين الأوروبيين خلال العام 2026، وسط مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة أوروبا على مواجهة موجة مرتقبة من الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
دعوات إلى اعتماد خطة أوروبية للتخفيف من مخاطر الذكاء الاصطناعي
يؤكد النائب الهولندي الليبرالي في البرلمان الأوروبي بارت غروثويس: “أوروبا ليست على طاولة المفاوضات”. وكان غروثويس و29 نائبًا أوروبيًا آخرين قد وجهوا في مطلع مايو 2025رسالة إلى المفوضية الأوروبية، دعت إلى وضع “خطة أوروبية للتخفيف من المخاطر” المرتبطة بقدرات القرصنة التي توفرها نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة. وأكد مسؤولون حكوميون وصناعيون في قطاع الأمن السيبراني، في تصريحات أن أوروبا بحاجة عاجلة إلى تطوير تقنياتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي السيبراني لمنافسة نماذج مثل “ميثوس”.
صرحت وزيرة الذكاء الاصطناعي والشؤون الرقمية الفرنسية آن لو هينانف، في أبريل 2026: “نحن بحاجة إلى التحرك بشكل أسرع قليلًا والتأكد من أن هذا الاعتماد لا يتم إنشاؤه بواسطة جهات فاعلة مثل أنثروبيك، بل أن نبني نظام حماية الأمن السيبراني الخاص بنا القائم على الذكاء الاصطناعي”. كما صعّد مسؤولون أوروبيون الضغوط على شركة “أنثروبيك”، حيث دعا مشرعون أوروبيون والمفوضية الأوروبية الشركة الأمريكية إلى التعاون مع المؤسسات الأوروبية للمساعدة في مواجهة التهديدات السيبرانية الناشئة.
النتائج
– تمثل التحذيرات الألمانية من تطور قدرات شركات التكنولوجيا الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي مؤشرًا مبكرًا على مرحلة جديدة من التنافس السيبراني العالمي، حيث لم يعد الصراع محصورًا في امتلاك النماذج المتقدمة، بل في السيطرة على تطبيقاتها الهجومية والدفاعية في الفضاء الرقمي.
– من المرجح أن يشهد العقد 2027 انتقال هذا التنافس من مستوى التطوير العلني إلى بيئات أكثر انغلاقًا، مع ازدياد توجه الشركات الكبرى إلى إخفاء نماذجها الحساسة وتقليص الوصول المفتوح إليها.
– قد تجد أوروبا نفسها أمام معضلة استراتيجية مزدوجة. فمن جهة، تتسع الفجوة التقنية بينها وبين الولايات المتحدة والصين في مجالات الذكاء الاصطناعي السيبراني، ومن جهة أخرى تتزايد حاجتها إلى أنظمة دفاع رقمية متقدمة قادرة على مواجهة هجمات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
– هذا التباين قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع سياسات الاستقلال الرقمي، عبر الاستثمار في بنية تحتية سيبرانية موحدة، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي دفاعية أوروبية خالصة.
– من المتوقع أن تتجه الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون الأمني مع الشركات الأمريكية الموثوقة، مع فرض قيود تنظيمية أكثر صرامة على دخول النماذج غير الخاضعة للشفافية الكاملة. لكن هذا المسار لن يكون كافيًا وحده، ما سيجعل خيار بناء قدرات ذاتية أكثر إلحاحًا، رغم كلفته العالية وطول مدته الزمنية.
– فقد يؤدي تصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي الهجومي إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن السيبراني نفسه، بحيث يصبح جزءًا من منظومات الردع الاستراتيجي بين الدول.
– في حال استمرار غياب إطار دولي منظم، قد تتجه البيئة الرقمية نحو مزيد من الهجمات غير المتماثلة، حيث تتداخل قدرات الذكاء الاصطناعي مع أنشطة الاختراق والتجسس والتأثير السياسي، بما يفرض واقعًا أمنيًا أكثر تعقيدًا على أوروبا والعالم خلال السنوات المقبلة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118373
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
