المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الذكاء الاصطناعي ـ كيف يغير أساليب الجماعات المتطرفة في الاستقطاب والتجنيد؟
يحذر خبراء بريطانيون من أن استخدام الجماعة المتطرفة للذكاء الاصطناعي يجب أن يثير قلق المشرعين، حيث يتم تشجيع مجندي تنظيم داعش على استخدام الذكاء الاصطناعي وبرامج الدردشة الآلية للمساعدة في حملاتهم الإرهابية. يحتوي العددان الأخيران من مجلة “صوت خراسان” وهي مجلة باللغة الإنجليزية تابعة لفرع تنظيم داعش في خراسانفي أفغانستان على صفحات مخصصة لشرح كيف يمكن لأنصار التنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي ليكونوا “مجاهدين مسؤولين”. وقد تم ربط تنظيم داعش في خراسان بهجمات في روسيا وإيران وأفغانستان وباكستان والهجوم الذي تم إحباطه على حفلات تايلور سويفت في فيينا عام 2024. وقد أضاف الاتحاد الأوروبي ناشر المجلة، مؤسسة العزيم الإعلامية، إلى قائمة عقوباته في العام 2025.
المحنوى المتطرف والدعايا الإرهابية
يقدم العدد الأخير من المجلة، في قسم يتصدره اقتباس يقول: “الذكاء الاصطناعي كالنار، يمكنك استخدامه لإضاءة منزل، أو لحرقه”، نصائح حول “الطرق المسؤولة لاستخدام روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي”. كما يقدم أمثلة على كيفية استخدام هذه الأدوات للمساعدة في الحملات الدينية والوعظ. وتضيف المجلة: “الذكاء الاصطناعي موجود في كل مكان. تعلموه قبل أن يتعلم الكثير عنكم. ربوا الأطفال والطلاب على الوعي الرقمي والأسس الروحية”. كما يسلط الضوء على كيف أن الذكاء الاصطناعي مفيد للبحوث الخاصة المجهولة التي تتجنب “مشاركة المعلومات الحساسة” و”تعريض أنفسنا لمخاطر غير ضرورية”. ويضيف التقرير أنه لا ينبغي استخدام برامج الدردشة الآلية لمشاركة المعلومات الشخصية “التي يمكن تتبعها إلينا”، أو تحميل الملفات السرية، أو الاستفسارات السياسية أو الأمنية الحساسة، أو للحصول على الأحكام الدينية.
التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي تتسارع
يقارن الإصدار السابق نماذج الذكاء الاصطناعي من OpenAI وAnthropic وMeta وMicrosoft وDeepSeek. ويتضمن تحذيرات بشأن نماذج يشتبه في “تورطها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي”. كما يوصي باستخدام أداة Brave Leo التي تركز على الخصوصية للاستعلامات الحساسة. تأتي معلومات الجماعة الإرهابية بعد أن حذر جوناثان هول، المراجع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب التابع للحكومة البريطانية، من أن الذكاء الاصطناعي يمثل “موجة قادمة” من شأنها أن تعزز الدعاية الإرهابية وتساعد في التحضير للهجمات. أكد هول لموقع بوليتيكو بعد أن اطلع على أحدث النصائح من تنظيم داعش في خراسان: “إن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي تتسارع، ويتوفر المزيد والمزيد من هذه القدرات بشكل جاهز للجماعات الإرهابية”. تابع لن أتفاجأ إذا بدأ التطرف عبر برامج الدردشة الآلية بالانتشار، إذا كان بإمكانك إنشاء موقع إلكتروني إرهابي، فلماذا تمتنع عن إنشاء برنامج دردشة آلي إرهابي؟ إذا لم يكن المسؤولون الحكوميون يتابعون تطورات الذكاء الاصطناعي، فعليهم فعل ذلك حقا.
تحول أيديولوجي ذي آثار طويلة المدى
أعلنت إحدى الأعداد السابقة من مجلة “صوت خراسان” أن معرفة الذكاء الاصطناعي هي “فرض العين” أي واجب ديني فردي يجب على كل مسلم القيام به مثل الصلاة والصيام والحج. أضافت ملاحظة: “لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارا، بل أصبح درعك وبوصلتك في عالم رقمي مليء بالتهديدات الخفية”. يقول آفي ياغر، المدير الأول لقسم استخبارات الأضرار الجسيمة في شركة أليس لأمن الذكاء الاصطناعي، إن الوثائق لا يبدو أنها تقدم “توجيهات تكتيكية” فحسب، بل تشير إلى “تحول أيديولوجي ذي آثار طويلة المدى”. وقال: “لسنوات، كانت جماعات مثل داعش، والحركات المتطرفة بشكل أوسع، حذرة من التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي. وفي الأدبيات السابقة، كانت هناك حتى حجج مفادها أن استخدام مثل هذه الأدوات قد يكون غير إسلامي، أو أن الاعتماد عليها يتعارض مع نقاء الهداية الإلهية”. وأضاف ياغر: “هذا ما يجعل هذه اللحظة جديرة بالملاحظة: لم يعد تنظيم داعش-خراسان يتسامح مع الذكاء الاصطناعي فحسب، بل إنه يؤيد استخدامه صراحة في ظل ظروف معينة”.
النتائج
لم يعد توظيف الجماعات المتطرفة للذكاء الاصطناعي مجرد احتمال نظري، بل أصبح اتجاها متناميا قد يعيد تشكيل طبيعة التهديدات الأمنية خلال السنوات المقبلة. فمع تسارع تطور النماذج اللغوية وأدوات التوليد الآلي، ستنخفض الكلفة التقنية والمهارية لإنتاج محتوى دعائي عالي الجودة، ما يمنح هذه الجماعات قدرة أكبر على الانتشار بلغات متعددة واستهداف شرائح محددة بدقة غير مسبوقة.
مستقبلا، قد نشهد انتقالا من الدعاية التقليدية إلى بيئات تفاعلية تعتمد على روبوتات دردشة متطرفة قادرة على مخاطبة الأفراد بشكل شخصي، والرد على استفساراتهم، وتغذية تصوراتهم الأيديولوجية تدريجيا. هذا النمط قد يعزز عمليات الاستقطاب الفردي ويجعل اكتشاف مسارات التطرف أكثر تعقيدا بالنسبة للأجهزة الأمنية، خاصة إذا جرى استخدام أدوات تركز على الخصوصية والتشفير.
قد يسهم استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث وجمع المعلومات في تحسين قدرات التخفي الرقمي، وتفادي المراقبة، وتطوير أساليب اتصال أكثر أمانا. وفي حال اقترن ذلك بإمكانيات إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة باحترافية، فقد تتضاعف مخاطر التضليل والتحريض وبث الذعر.
من المرجح أن تدفع هذه التطورات الحكومات إلى تسريع تحديث الأطر التشريعية، وتعزيز التعاون بين شركات التكنولوجيا والأجهزة المختصة، والاستثمار في أدوات ذكاء اصطناعي مضادة لرصد المحتوى المتطرف وتحليله.
المشهد المستقبلي سيبقى مرهونا بمدى قدرة المؤسسات على مواكبة الابتكار التقني دون المساس بالحريات الأساسية. غير أن المؤكد هو أن الذكاء الاصطناعي سيصبح ساحة مركزية في معركة السرديات والأمن الرقمي، وأن تجاهل هذا التحول قد يفتح المجال أمام موجة جديدة من التطرف أكثر مرونة وانتشارا.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115508
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
