المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الذكاء الاصطناعي ـ كيف يعيد تشكيل مشهد الأمن السيبراني في ألمانيا؟
تشهد ألمانيا تحولا متسارعًا في استراتيجيتها لمواجهة التهديدات السيبرانية، في ظل تصاعد غير مسبوق للهجمات الإلكترونية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ومع تزايد استهداف البنية التحتية الحيوية والشركات والمؤسسات الحكومية، تتجه برلين إلى تبني مفهوم “الدفاع الإلكتروني النشط”. هذا التوجه يعكس إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن الفضاء الرقمي أصبح ساحة صراع مرتبطة بالأمن القومي والتوازنات الجيوسياسية، خاصة مع تصاعد الاتهامات بضلوع جهات خارجية في تنفيذ هجمات سيبرانية واسعة النطاق.
مشروع قانون لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية
أعلنت ألمانيا في 12 مايو 2025 خططًا لتطوير “دفاع إلكتروني نشط” لمواجهة التصاعد الحاد في الهجمات السيبرانية، في ظل تزايد خطورة هذه الهجمات بفعل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد تسجيل مئات الآلاف من جرائم الإنترنت خلال عام 2025. أكد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت إنه سيطرح مشروع قانون جديد على مجلس الوزراء خلال مايو 2026 ، يهدف إلى منح الأجهزة الأمنية صلاحيات الرد على الخوادم المستخدمة في تنفيذ الهجمات الإلكترونية. وأوضح دوبريندت: “أن الهدف من التشريع الجديد يتمثل في “تعطيل وتدمير البنية التحتية للمهاجمين”، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الهجمات انطلق من روسيا.
الجرائم الإلكترونية تشهد ارتفاعًا متواصلًا
وأضاف وزير الداخلية الألماني: “هذا يعني ضمان أن أي شخص يهاجمنا من نظام خادم، على سبيل المثال، لمهاجمة شركة طاقة في ألمانيا من الخارج، لن يتمكن من القيام بذلك مستقبلًا باستخدام تلك البنية التحتية أو ذلك الخادم أو ذلك البرنامج أو تلك المرافق”. وأكدت وزارة الداخلية الألمانية أن الجرائم الإلكترونية الخطيرة والهجمات التي تستهدف الشركات الألمانية والوكالات الحكومية والبنية التحتية الحيوية تشهد ارتفاعًا متواصلًا، متسببةً في خسائر اقتصادية تجاوزت 200 مليار يورو خلال العام 2025.
أشار تقرير الوزارة إلى أن “الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي أصبحت ذات أهمية متزايدة في مجال الجرائم الإلكترونية”، موضحًا أن هذه الأدوات أتاحت للمهاجمين تنفيذ الهجمات “بشكل أسرع وأكثر دقة واحترافية”. ووفقًا للبيانات الرسمية، تم تسجيل نحو 334000 حالة من الجرائم الإلكترونية في ألمانيا خلال عام 2025، جاء ثلثاها من خارج البلاد أو من مواقع مجهولة، في حين يُعتقد أن هناك عددًا كبيرًا من الحالات الأخرى لم يتم الإبلاغ عنها.
ما مصادر التهديدات؟
يقول دوبريندت: “لهذا السبب نريد توسيع قدراتنا في مجال الدفاع السيبراني النشط”. وأضاف أن من أبرز مصادر التهديد عبر الإنترنت “الزيادة الكبيرة في النشاط القادم من روسيا” منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022. كما أوضحت الوزارة أنه تم الإبلاغ عن أكثر من 1000 هجوم ببرامج الفدية في ألمانيا خلال العام 2025، بزيادة بلغت 10% مقارنة بالعام 2024، حيث تمكن المهاجمون من ابتزاز أكثر من 15 مليون دولار، بما يعادل نحو 12 مليون يورو. وفي السياق ذاته، ارتفع عدد هجمات حجب الخدمة بنسبة 25% ليصل إلى 36706 هجمات.
تنامي الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي
حذر رئيس هيئة الرقابة المالية الألمانية مارك برانسون من تنامي الهجمات الإلكترونية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الهيئة تعمل على تعزيز الرقابة على المخاطر السيبرانية التي تواجه الشركات المالية. وقال برانسون: “يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة تحديد واستغلال العديد من نقاط الضعف في أنظمة تكنولوجيا المعلومات بسرعة ملحوظة”، داعيًا الشركات إلى “معالجة نقاط الضعف هذه بسرعة أكبر بكثير”. وشدد على أن “الأمن السيبراني استثمار عاجل وضروري”.
النتائج
– تشير التحركات الألمانية الأخيرة نحو تبني “الدفاع الإلكتروني النشط” إلى تحول نوعي في مفهوم الأمن السيبراني داخل أوروبا، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على احتواء الهجمات أو تقليل آثارها، بل امتد إلى امتلاك القدرة على الرد المباشر وتعطيل البنية التحتية للمهاجمين.
– يعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التهديدات الرقمية أصبحت جزءًا من الصراعات الجيوسياسية والأمن القومي. وخلال السنوات المقبلة، من المتوقع أن تتجه ألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى توسيع صلاحيات أجهزتها الأمنية والاستخباراتية في المجال الرقمي، مع تعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والقطاع المالي وشركات الطاقة، باعتبار هذه القطاعات الأكثر عرضة للهجمات.
– من المرجح أن تشهد أوروبا استثمارات ضخمة في تقنيات الأمن السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، خاصة أن المهاجمين أنفسهم باتوا يستخدمون أدوات ذكية قادرة على تنفيذ عمليات اختراق أكثر تعقيدًا وسرعة.
– قد يؤدي هذا التصعيد إلى سباق إلكتروني عالمي بين الدول الكبرى، خصوصًا في ظل الاتهامات المتكررة لروسيا ودول أخرى بدعم أو رعاية أنشطة قرصنة تستهدف البنية التحتية الغربية. ومن المحتمل أن تصبح الهجمات السيبرانية مستقبلًا وسيلة ضغط سياسية واقتصادية موازية للعقوبات التقليدية أو المواجهات العسكرية المباشرة.
ـ ستتزايد الضغوط التنظيمية على الشركات والمؤسسات المالية والصناعية لرفع معايير الحماية الرقمية، مع فرض عقوبات وغرامات أكبر على الجهات التي تفشل في حماية بياناتها أو أنظمتها. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقد المقبل.
– في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، تبدو المعركة المستقبلية في الفضاء الرقمي قائمة على مبدأ “الذكاء مقابل الذكاء”، حيث ستعتمد قدرة الدول والمؤسسات على الصمود على سرعة تطوير أنظمة دفاعية أكثر تكيفًا واستباقية.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118389
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
