المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الذكاء الاصطناعي ـ إلى أي مدى يعيد تشكيل أولويات الأمن القومي الأوروبي؟
يتجه الاتحاد الأوروبي إلى منح الذكاء الاصطناعي أولويةً غير مسبوقة على أعلى المستويات السياسية، مع استعداد قادة الدول الأعضاء لعقد أول قمة مخصصة لمناقشة تداعياته. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي أصبح قضيةً ترتبط بالأمن القومي والتنافسية الاقتصادية والسيادة الرقمية.
الذكاء الاصطناعي تحدي استراتيجي وأمني رئيسي
يستعد قادة الاتحاد الأوروبي للتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تحديًا استراتيجيًا وأمنيًا رئيسيًا، مع خطط لعقد أول نقاش مخصص لهذا الملف قبل نهاية العام 2026. وأكد مكتب رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، أن كوستا يعتزم جمع قادة الدول الأعضاء الـ27 لمناقشة الذكاء الاصطناعي خلال إحدى القمم الثلاث المتبقية للاتحاد الأوروبي من العام 2026، والمقرر عقدها في 15 أكتوبر أو 13 نوفمبر أو 17 ديسمبر من العام 2026. وقد بدأت الاستعدادات بالفعل، رغم أن جدول الأعمال لم يُحسم بصورة نهائية. وتعكس هذه الخطوة إدراكًا متزايدًا في بروكسل بأن الذكاء الاصطناعي تجاوز نطاق السياسات التنظيمية الرقمية، ليصبح قضية ترتبط بالتنافسية الاقتصادية، والأمن القومي، والنفوذ الجيوسياسي، وهو ما يستدعي تدخلًا مباشرًا من رؤساء الدول والحكومات. يمثل الالتزام بعقد أول اجتماع مخصص لقادة الاتحاد الأوروبي حول الذكاء الاصطناعي مؤشرًا على أن التكتل بدأ يحشد جهوده للتعامل مع أحد أهم الملفات الاستراتيجية، رغم تساؤلات حول أسباب تأخر هذه الخطوة.
الذكاء الاصطناعي والأمن القومي
أدى ظهور نماذج متقدمة قادرة على اختراق الأنظمة الإلكترونية واستغلال الثغرات البرمجية إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قضية تمس الأمن القومي، ما جذب اهتمام القادة السياسيين وخبراء التكنولوجيا والرأي العام. ورغم ذلك، لا تزال الأسئلة المتعلقة بكيفية تنظيم هذه التكنولوجيا والجهة التي ينبغي أن تقود هذا التنظيم دون إجابات واضحة، في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على ريادة الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ، في خطاب ألقاه خلال يوليو من العام 2026، إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد اجتماع تحالف يضم أكثر من (20) دولة، بينها دول بارزة من الجنوب العالمي، في شنغهاي، حيث اتُفق على أن تقود الصين جهود تطوير هذه التكنولوجيا. في المقابل، دعا مؤسس جوجل ديب مايند، ديميس هاسابيس، خلال يوليو من العام 2026 إلى إنشاء هيئة تنظيمية تقودها الولايات المتحدة لوضع معايير لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي على طاولة القادة
سيحظى المجلس الأوروبي، الذي يضم قادة الدول الأعضاء الـ27، بفرصة مناقشة الملف بصورة مباشرة. وحتى يوليو من العام 2026، نادرًا ما كانت القضايا الرقمية تُطرح على جدول أعمال القمم الأوروبية، وعندما يحدث ذلك، تكون ضمن نقاشات أوسع تتعلق بالقدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي. ويعكس تخصيص جلسة مستقلة للذكاء الاصطناعي تزايد أهمية الملف، إلا أن الجدول الزمني لا يزال خاضعًا لإجراءات الاتحاد الأوروبي، في وقت يحذر فيه الخبراء من أن بضعة أشهر فقط قد تُحدث فارقًا كبيرًا في هذا القطاع سريع التطور. وأشارت دراسة عالمية حول سلامة الذكاء الاصطناعي، نُشرت مطلع العام 2026، إلى أن تعقيد المهام التي تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تنفيذها يتضاعف كل (7) أشهر. كما طغت التطورات الجيوسياسية، مثل الحرب في إيران، على جدول أعمال اجتماعات قادة الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من العام 2026، مما أرجأ النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ضغوط متزايدة على المجلس الأوروبي
شهدت العام 2026 تصاعد الضغوط على أعلى هيئة سياسية في الاتحاد الأوروبي لمنح ملف الذكاء الاصطناعي أولوية أكبر. ففي أواخر يونيو من العام 2026، دعا عشرات أعضاء البرلمان الأوروبي، بقيادة النائب الهولندي عن حزب الخضر رينير فان لانشوت، رئيس المجلس الأوروبي إلى عقد قمة خاصة حول الذكاء الاصطناعي في أقرب وقت ممكن. ووصفت الرسالة الذكاء الاصطناعي بأنه “أهم تحول هيكلي في عصرنا”، مؤكدة أنه لا يحظى حتى يوليو من العام 2026 بالاهتمام السياسي الذي يستحقه. كما دعت الرسالة إلى مناقشة شاملة للملف تشمل الابتكار، والأمن، والأخلاقيات، والأبعاد المجتمعية، والبيئية، والجيوسياسية.
حظي هذا التوجه بدعم أكثر من 100 خبير، الذين أوصوا، في تقرير أُعد بطلب من المفوضية الأوروبية، بجعل الذكاء الاصطناعي المتقدم أولوية على أعلى المستويات السياسية. وأكد التقرير أن الاهتمام المستمر من القيادات السياسية يمثل شرطًا أساسيًا لتنفيذ بقية التوصيات، وفي مقدمتها تسريع تطوير القدرات الحاسوبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.
الذكاء الاصطناعي والنموذج الأخلاقي والاجتماعي للاتحاد
يبدو أن رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، استجاب لهذه الدعوات، إذ كتب عقب اجتماعه مع الخبير الاقتصادي الفرنسي فيليب أغيون في الثاني من يوليو من العام 2026 “سأقترح مناقشة هذا الموضوع في أحد اجتماعات المجلس الأوروبي المقبلة.” وشدد كوستا على أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع احترام الأخلاق، والسيادة الرقمية الأوروبية، والنموذج الاجتماعي للاتحاد. كما خلال يوليو من العام 2026 مجموعة من الخبراء الأوروبيين رفيعي المستوى، من بينهم أودري هيربلين ستوب، مسؤولة العلاقات الحكومية في شركة ميسترال الفرنسية للذكاء الاصطناعي. وعقب الاجتماع، أكد أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تعزيز سيادته الرقمية، وتسهيل الاستثمار، وتشجيع التعلم مدى الحياة، مع ضمان حماية القاصرين والحفاظ على القيم الأوروبية.
مراجعة قواعد الذكاء الاصطناعي
سبق لقادة الاتحاد الأوروبي أن تدخلوا في سياسات الذكاء الاصطناعي، لكن من زاوية تبسيط التشريعات أكثر من رسم استراتيجية شاملة. وفي يونيو من العام 2025، كان رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون من أوائل القادة الذين دعوا إلى تعليق جزء رئيسي من قواعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، بينما انتقد رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر ما وصفه بـ”الإفراط في التنظيم” داخل الاتحاد. كما بذل المستشار الألماني فريدريش ميرز جهودًا مكثفة خلال مفاوضات أبريل بشأن حزمة تبسيط تشريعات الذكاء الاصطناعي، بهدف تأمين استثناء خاص بالتطبيقات الصناعية.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=121393
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

