المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الذكاء الاصطناعي ـ كيف تُغيّر التكنولوجيا ملامح المشهد الأمني في أوروبا؟
باتت التكنولوجيا والمنصات الرقمية باتت تُشكل عاملًا رئيسيًا في تصاعد التهديدات الإرهابية والأمنية، مع تزايد استغلالها من قبل جماعات متطرفة ودول معادية في أوروبا. أصبح الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات فعّالة للتجنيد والتحريض، ما يفرض تحدياتٍ جديدةً على جهود مكافحة الإرهاب في أوروبا.
“معركةً مستمرةً” ضد التهديدات عبر الإنترنت
تُستخدم التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية على نحوٍ متزايد لتهديد المملكة المتحدة، بما في ذلك من قِبل دولٍ معادية ومتطرفين وجماعات اليمين المتطرف، بحسب ما قاله كبار مسؤولي الشرطة البريطانية في يوليو من العام 2026. أكدت فيكي إيفانز، المنسقة الوطنية العليا لمكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة البريطانية، إن هناك “معركةً مستمرةً” ضد التهديدات عبر الإنترنت، مؤكدةً أن الشرطة تحتاج إلى مساعدة شركات التكنولوجيا لأن “هذا ليس أمرًا يمكننا القيام به بمفردنا”. أكد لورنس تايلور، رئيس شرطة مكافحة الإرهاب، إن التطرف الإسلاموي لا يزال يشكل أكبر تهديد، لكن خلال السنوات الخمس الماضية نمت التهديدات الصادرة عن جماعات اليمين المتطرف والدول المعادية بصورةٍ كبيرة. ووفقًا لإيفانز، فإن التهديد الصادر عن الدول المعادية يُعد “المهمة الأسرع تصاعدًا” بالنسبة لشرطة مكافحة الإرهاب.
تزايد التهديدات الصادرة عن الدول المعادية
في يوليو من العام 2026، سُجن رجلان رومانيان على خلفية طعن صحفي يعمل في محطة تلفزيونية ناطقة باللغة الفارسية، وقال القاضي إن الهجوم نُفذ نيابةً عن الحكومة الإيرانية. وفي يونيو من العام 2026، سُجن رجل أوكراني وآخر روماني لدورهما في إشعال النار في ممتلكات مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وهي مؤامرةٌ تنطبق عليها مواصفات أعمال التخريب المدعومة من الدولة الروسية. وفي مايو من العام 2026، أُدين مسؤولٌ في هيئة الحدود البريطانية وضابطٌ سابق في شرطة هونغ كونغ بتهمة التجسس لصالح الصين. أوضحت إيفانز إنه خلال عام 2025، كان هناك أكثر من 20 مخططًا مدعومًا من إيران، شملت عمليات اغتيال واختطاف وجرائم خطيرة أخرى استهدفت المملكة المتحدة. وأضافت أن الشرطة لا تزال تحقق فيما إذا كانت هجمات الحرق العمد التي استهدفت مواقع يهودية في وقتٍ سابق من العام مرتبطةً بإيران.
روسيا تنظم “سلسلةً مستمرةً من عمليات التجسس”
أضافت أن روسيا تنظم “سلسلةً مستمرةً من عمليات المراقبة” ضد أشخاصٍ ومؤسساتٍ في بريطانيا، بهدف استهداف الأشخاص الذين تعتقد السلطات الروسية أنهم أعداء، و”التسلل” إلى الحياة اليومية، وتحديد الأشخاص الذين يمكن أن “يروجوا” للروايات الروسية أو ينفذوا أعمالًا بالوكالة نيابةً عن الدولة الروسية. وفي أنحاء أوروبا، جنّدت روسيا عشرات الأشخاص عبر تطبيقات مثل تيليغرام لتنفيذ أعمال تخريب أو إشعال حرائق، من بينها مستودعٌ في لندن كان يخزن معدات اتصالات مخصصةً لأوكرانيا. وكان ديلان إيرل، العقل المدبر لذلك المخطط، قد جُنّد عبر تطبيق تيليغرام من قبل مجموعة فاغنر، وهي منظمة مرتزقة تعمل نيابةً عن موسكو وصنفتها الحكومة البريطانية منظمةً إرهابية. كما أوضحت إيفانز إن مراهقين لا تتجاوز أعمارهم 15 عامًا اعتقلتهم الشرطة على خلفية مخططات تُنفذ بالوكالة. وأضافت أن التحدي الذي يواجه أجهزة إنفاذ القانون يتمثل في أن “أي شخص قد يكون هدفًا”، ولا سيما عبر الإنترنت. وقالت إيفانز في مقر شرطة العاصمة “نيو سكوتلانديارد”: “هذا ليس أمرًا يحدث في مكانٍ آخر. إنه يحدث هنا. هذا الخطر موجود في أحيائنا، وفي فضاءاتنا الإلكترونية، وفي أماكن عملنا.”
تصاعد تهديد التطرف اليميني
أوضح تايلور إن مستوى التهديد في المملكة المتحدة رُفع في أبريل من “كبير” إلى “شديد”، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القضايا المرتبطة بأيديولوجيات اليمين المتطرف “تشهد نموًا كبيرًا”. وأضاف أن الشرطة رصدت زيادةً في المحتوى “البغيض”، ولا سيما عبر الإنترنت، وهو ما يخلق “خليطًا من العنصرية”. وأوضح أن الآراء المتطرفة أصبحت تواجه اعتراضًا أقل فأقل، مما أدى إلى تهيئة ظروف أصبحت فيها الآراء التي كانت تُعد غير مقبولة في السابق أكثر انتشارًا. وضرب مثالًا بقضية ألينا بيرنز، البالغة من العمر 18 عامًا، والتي حُكم عليها في مايو بالسجن لنحو 20 عامًا بعد أن هاجمت شخصًا غريبًا بفأس، وقال تايلور إن الهجوم كان مدفوعًا بعقليتها اليمينية المتطرفة.
تزايد تطرف الأطفال عبر الإنترنت
تابع تايلور إن ألفي كولمان، البالغ من العمر 22 عامًا، والذي حُكم عليه بالسجن لمدة 13 عامًا ونصف بعد محاولته شراء سلاح ناري من ضابطٍ متخفٍ تابع لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، تعرض للتطرف عبر الإنترنت منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره. وقالت إيفانز إن الجهات التي تقف وراء عمليات الاستغلال تصمم المحتوى الإلكتروني عمدًا لجذب الشباب من خلال دمجه بالدعاية ومقاطع الألعاب الإلكترونية والصور التاريخية والموسيقى. وبعد ذلك، يُدفع هؤلاء الشباب إلى تنفيذ أعمال عنف، مثل مطالبتهم بـ”إعادة تمثيل” هجماتٍ مروعة من ألعاب الفيديو على أرض الواقع. وأضافت إيفانز أنه في بعض الحالات، تطلب “مجموعات إلكترونية سادية” من الأشخاص التنافس فيما بينهم لإلحاق الأذى عبر الإنترنت وخارجه، باستخدام الهجمات السيبرانية أو التطرف أو العنف الخطير أو حتى الاعتداء على الأطفال أو الإرهاب.
تابعت إيفانز إن حجم المحتوى “القانوني لكنه مروع” المنتشر عبر الإنترنت، بما في ذلك مشاهد العنف الشديد والدموية، أدى إلى امتلاك بعض الأشخاص تصورًا مشوهًا عمّا هو طبيعي أو مقبول. وأوضحت أن هؤلاء الأشخاص يكونون أكثر عرضةً للتلاعب، بما في ذلك من قبل جهاتٍ تابعة لدول. ورغم أن الحكومة أعلنت أن بريطانيا ستحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة، قالت إيفانز إن ذلك لا يكفي، مضيفةً أنه ينبغي ممارسة ضغوطٍ على شركات التكنولوجيا للمساعدة في الحد من المحتوى الضار عبر الإنترنت. وأوضحت أن القوانين والسياسات التي تنظم المحتوى الضار عبر الإنترنت تصبح قديمةً بسرعة، في حين تمتلك منصات التواصل الاجتماعي آلياتٍ قويةً لدفع المحتوى إلى الشباب. واختتمت بالقول: “نقطة التحول تحدث بسرعةٍ شديدة وبصورةٍ حادة بالنسبة لبعض الأشخاص الذين ينجذبون إلى المحتوى الضار عبر الإنترنت”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120972
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

