Select Page

ظاهرة الذئاب المنفردة.. الأبعاد النفسية

العرب اللندنية ـ التغيّرات التي يعيشها تنظيم داعش في العراق وسوريا وفي غيرهما من الفضاءات دفعته إلى تبني تكتيكات جديدة في تنفيذ العمليات الإرهابية، تقوم على اعتماد “ذئاب منفردة” تقدم على ممارسة الإرهاب في أوروبا وحتى في الأقطار العربية الإسلامية. تكتيكات جديدة توصل من خلالها تنظيم داعش إلى تقليل كلفة العمليات ماديا وبشريا ولوجستيا، وضمان عنصر المباغتة. لكن بروز الظاهرة لا تقف وراءه فقط دوافع تخص تنظيم داعش الإرهابي، بل تستحثه أيضا عوامل نفسية تخص المنفذ الذي اختصر المسافة بين الحياة والموت في تصورات دينية زيّنت له الفعل وأضفت لديه مشروعيات مقدسة.

إن الاقتراب من الإطار العام السلوكي الذي يحيط عادة بالأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالذئاب المنفردة، أو بغيرهم ممن هم عناصر محتملة تسير على تخوم هذا التوصيف، يكشف مجموعة من السمات المشتركة.

أولها؛ حالة الجهل لدى الذئب المنفرد بحقائق كثيرة، ومنها المفاهيم الحديثة المرتبطة بالعصر الحالي وتكون مقترنة بفسحة من الإفراط في التديّن لديه، تساعد في سرعة تأثره بالأفكار المتطرفة التي تبثها المواقع الجهادية. وثانيها استقبال هؤلاء لما يعتبرونه دليلا إرشاديا يرسم الطريق الذي يودون سلوكه، باعتباره من مقتضيات الدين الإسلامي الصحيح، وهذا ينقلهم بالتبعية إلى المرحلة الثالثة التي تدفعهم لتكوين القناعة الخاطئة بأنهم -أي الذئاب المنفردة- بسلوكهم هذا إنما يقدمون هدية للدين الإسلامي تضعهم على طريق الجنة بحورياتها وجناتها الوارفة.

من المفاهيم التي كان ينظر إليها على أنها حققت قدرا مقبولا من الرسوخ، أن عمليات التطور والتحديث المجتمعي عادة ما تقود إلى تقليل حدة العنف بشكل عام، وهو ما أكده عالم الاجتماع مايكل كومنز، من أن تطور المجتمعات يشبه تطور الأفراد وعادة ما يقود إلى الاستقرار وتقليل حدة العنف، على أن تحدث عملية التطوير والتحديث بشكل تدريجي، وألا يتم تخطي بعض المراحل، كما يجب أن تشمل أفراد المجتمع كافة، مثلما أثبتت التجربة أن ميل الإنسان إلى العنف لا ينبع من دافع واحد بل مجموعة من الدوافع.

الجماعات المتطرفة اليوم لم تعد تنظيما مركزيا كما كانت قبل حربي أفغانستان والعراق، كما أن ما يمكن تسميته بـ”الجهاد العالمي” وفق مفهوم تلك التنظيمات شهد خلال السنوات الأخيرة ثورة داخلية شاملة. فقد تحولت الأيديولوجيا المتطرفة إلى آلية للتكفير والقتل من دون التقيّد بقالب تنظيمي، لا سيما وأن تنظيمي القاعدة وداعش يعدان الآن أيديولوجية فكرية متشظية تصعب السيطرة عليها بحروب وأطر تقليدية، بل يسعى كل من التنظيمين الأكبر في ساحة العمل المتطرف العنيف لأن ينقلا توصيفهما من مجرد تنظيم إرهابي يستقر وينشط في محيط بعينه (أفغانستان والعراق وسوريا) إلى أن يتحول لمفهوم “حركة التمرد” العابرة للحدود الوطنية القابلة والجاهزة لاستقبال واستيعاب المتعاطفين والدائرين في فلك تلك المفاهيم.

ولعل استعراض بعض النماذج الشهيرة من الذئاب المنفردة واستخلاص نقاط تشابهها النفسية والاجتماعية، كفيل بأن يقدم صورة عن الظاهرة، وقد يفيد في رسم تصورات للتقليل من خطورتها لاحقا. ومن أبرز نماذج الظاهرة التي اشتهرت في السنوات الأخيرة:

عبدالحميد أباعود: اتهم المحققون الفرنسيون أباعود (28 عاما) المغربي الأصل، البلجيكي الجنسية بأنه هو العقل المدبّر وراء هجمات باريس التي قتل فيها (132) شخصا وجُرح قرابة (350). نشأ أباعود في بروكسل بحي “مولينبيك” المعروف بساكنيه من المهاجرين العرب الذين يعانون من البطالة وازدحام المساكن. أباعود اسمه الحركي هو “أبوعمر البلجيكي” انضم إلى تنظيم داعش عام 2013، وهناك غموض بشأن المكان الذي كان موجودا فيه قبل مقتله، إذ زعم التنظيم أنه كان في سوريا، وربما يكون التنظيم قد كذب في ما يتعلق بمكان أباعود لصرف الأنظار عنه، فغالبا ما ضلل الإرهابيون وكالات الاستخبارات بشأن أماكن وجود مسلحيهم من منطلق أن “الحرب خدعة”، وليس من الواضح متى أصبح أباعود متطرفا، حيث تفيد المعلومات بأنه درس في أفضل مدارس بلجيكا الثانوية وهي مدرسة سان بيير دوكل، وتعرف بعدها على مهدي نموش، وهو المتطرف الجزائري البلجيكي الذي قتل أربعة أشخاص في متحف يهودي في بروكسل في مايو 2014.

سيف الدين رزقي: منفذ العملية الإرهابية التي قتل فيها 38 شخصا – على الأقل- في مدينة سوسة السياحية بتونس، كان طالبا جامعيا شابا دون أي علامة مميزة تدل على انتمائه المتطرف، حيث ولد رزقي عام 1992 بمدينة قعفور بمحافظة سليانة شمال غرب تونس، وانتقل في سن 19 إلى القيروان أين حصل على شهادة الماجستير في الهندسة الكهربائية. الأمن التونسي ذكر أنه يحمل جوازا للسفر لكنه لم يستخدمه في السفر مطلقا، لذلك كان تساؤل علي رزقي (عم سيف) منطقيا؛ كيف تدرّب على حمل السلاح وأين تدرب؟ وقبل الحادث بفترة قصيرة لاحظ عليه زملاؤه في جامعة القيروان نوعا من التزّمت وميلا إلى العزلة، وكان يقضي فترات طويلة في الإبحار على شبكة الإنترنت ويرفض إطْلاع زملائه على المواقع الإلكترونية التي يرتادها، ويحرص على ممارسة هذا النشاط وحيدا. الحكومة التونسية ذكرت أن منفذ الهجوم لم يكن مدرجا على قائمة المشبوهين بالإرهاب أو الخاضعين للمراقبة، لكنه “ربما أصبح متشددا على أيدي الدعاة قبل 6 أشهر”.

نضال مالك حسن: عمل ضابطا في الفيلق الطبي بالجيش الأميركي، وتمت إدانته في حادث إطلاق نار على زملائه في مركز “فورت هود” بولاية تكساس في 5 نوفمبر 2009، حيث قتل (13) شخصا وأصاب (32) آخرين. ولد نضال في سبتمبر 1970 بولاية فيرجينيا، وهو ابن مهاجرين فلسطينيين، ونشأ في بيت مسلم، ووصف في طفولته بالهدوء وحسن السلوك، بعد التخرج التحق للعمل بالجيش الأميركي على غير إرادة والديه ثم أكمل دراسته للطب وأصبح ضابطا برتبة طبيب. تخصص في دراسة الطب بمجال “الطب النفسي الوقائي” في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001.

بدأ نضال يشعر بأنه غير قادر على تحقيق التوازن بين عمله في الجيش والتزامه الديني، وتبيّن من خلال التحقيقات فيما بعد أنه كان يقوم بتحميل الفيديوهات الجهادية، خصوصا التي يظهر فيها زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أنور العولقي. في 5 نوفمبر 2009 قرر نضال أن يواجه هذه التناقضات التي كان يشعر بها، فحمل سلاحه صائحا: “الله أكبر”، وأطلق النار عشوائيا وبكثافة على زملائه، وقد حكم عليه بالإعدام في أغسطس 2013، ليموت وهو يقدم نموذجا شديد الوضوح على التماهي والاستلهام للعمل المتطرف.

محمد لحويج بوهلال: أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن السائق الفرنسي التونسي الأصل محمد لحويج بوهلال، هو من قام بدهس المحتشدين بشاحنته في مدينة نيس الفرنسية، فقتل منهم 84 شخصا وأصاب ما يتجاوز 100. تم تحديد هوية لحويج عن طريق بصمات الأصابع ومتعلقاته الشخصية بعدما قتلته الشرطة داخل الشاحنة بإطلاق الرصاص عليه. وأكد وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف بعد الحادث أن لحويج لم يكن عضوا ناشطا في أي جماعة جهادية، لكنه “تحول إلى التشدد بشكل شديد السرعة”. ومما توفر من معلومات أمنية عن الحادث أن لحويج بوهلال عاين وراقب مكان الهجوم لمدة يومين، وتعرف على معالمه قبل أن يقدم على فعلته في اليوم التالي، الذي وافق الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا. لم يكن لحويج معروفا للسلطات الأمنية أو أجهزة الاستخبارات في فرنسا.

عمر مير صديقي متين: عمره 29 عاما أميركي مسلم من أصول أفغانية، يعمل حارسا أمنيا وأجمع أقاربه كافة وأسرته على أنه شاب غير ملتزم دينيا بشكل خاص، وقد ظلت الشرطة تحقق خصوصا فيما إذا كانت له ارتباطات بتنظيم الدولة الإسلامية أو إذا كان مغرما بذلك التنظيم. فعملية إطلاق النار التي نفذها عمر متين في ملهى ليلي يرتاده المثليون بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية، أسقطت 49 شخصا قتيلا و53 مصابا، وذكرت الشرطة أن متين اتصل برقم الطوارئ قبل تنفيذ العملية أثناء الهجوم مبلّغا أنه يبايع تنظيم الدولة الإسلامية. وذكر والد متين لوسائل الإعلام الأميركية “أن ابنه صدم أخيرا عندما رأى اثنين من المثليين وهما يتعانقان في مدينة ميامي، وهذا الهجوم ليست له علاقة بالدين، صدمنا كما صدمت البلاد بأسرها”، وتجيء معلومات زوجته الأولى لتكشف النقاب عن جزء آخر من شخصية متين، حيث تذكر “لم يكن إنسانا سويا، كان يضربني، كان يعود إلى الدار ويضربني لأتفه الأسباب، مثل تلكئي في إتمام غسيل ملابسه، وهو شخص منطو بصورة ملحوظة”.

قتل متين برصاص الشرطة في عملية اقتحامه لمبنى الملهى الليلي مشكلا صورة متكاملة للشخص المشوش نفسيا وعصبيا، والذي ربما جنح للفعل المتطرف المفاجئ تحت ضغوط اكتئابية أشار إليها بتأكيد وتفصيل العديد ممّن كانوا قريبين منه.