داعش والجهاديوندراسات

“دولة الخلافة” تتحول الى منظمة سرية يقودها العسكر. بقلم جاسم محمد

إعداد : جاسم محمد، باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

اصبحت الهزائم المتلاحقة لتنظيم داعش في معاقله في سوريا والعراق مؤشر على انهيار هذا التنظيم، لكن ادبيات التنظيم  تقولبانه، يبقى ايدلوجية متطرفة، لايمكن التخلص منها الا بعد عشرات السنوات او بالاحرى يعتمد على سياسات حكومية غير ناقصة.

المعلومات كشفت ان ابو بكر البغدادي ارتبط ” بدولة العراق الاسلامة” نهاية عام 2007. وكان معروفا كونه رجل دين ويخطب في مساجد الفلوجة ويعطي الفتاوى الى تنظيم “الدولة الاسلامية في العراق والشام “برغم عدم ارتباطه تنظيميا. وقبل ذلك عمل(ابوبكر البغدادي ابراهيم عواد) داخل فصيل (اهل السنة) في الانبار، وكان معروفا بانه “رجل دين “وفتوى وليس قياديا في اي من التنظيمات.

فبعد مقتل ابو  عمر البغدادي، بشهرين، اي خلال شهر يونيو 2010، سعى الحاج بكر، عسكري سابق الى اعادة صفوف التنظيم من جديد بعد تشتته، واتصل بعدد من الشخصيات لغرض الانتماء وهكذا تمكن “الحاج بكر” من انشاء هيكل دولة كاملة.

الحاج بكر ، مؤسس التنظيم

حصلت مجلة “شبيغل” الألمانية على مسودة وثيقة (31 صفحة) مكتوبة بخط يد العقيد سمير عبد محمد الخليفاوي، الضابط السابق في المخابرات العراقية[ معلومات المركز الاوروبي تنفي وجود ضباط مخابرات في المرحلة التاسيسية وبضمنهم الحاج بكر وكانوا غالبيتهم من ضباط الجيش، رغم ماتنشره وسائل الاعلام ] ، الذي كان يعرف باسم الحاج بكر. هذا الضابط هو الذي فكر وخطط لإنشاء هذه المنظمة التي يعرفها العالم الآن باسم “الدولة الإسلامية”.

كان الذين عملوا معه في قاعدة الحبانية الجوية (في العراق) يطلقون عليه لقب “سيد الظل” وانه لم يكن إسلاميا ابدا، بل كان قوميا. بعد الغزو الأمريكي للعراق أصبح الضابط الخليفاوي من دون عمل. لذلك فكر مع البعثيين في ضرورة السيطرة على المجتمع عبر انشاء قوة لمجموعة صغيرة غير خاضعة لأحد، لكي تحكم باسم الدين، وتحقيق اهدافه.

إن ادارة المستشاريين من العسكر من قبل شخص غير عسكري مثل البغدادي ليس بالهين وفي الغالب يكون مرفوضا، لكن البغدادي استطاع وبنجاح توظيف قيادات التنظيم من العسكر ويحركهم وفق إستراتيجية التنظيم التي تقوم على رسم خارطة “الدولة الاسلامية” وتنفيذ الخطط على الارض.

وربما يعود الى عامل اخر، هو حصول البغدادي على الاسناد والدعم والتمويل ومسك مصادر التمويل بنفسه، اي ان البغدادي هو حلقة الوصل، بدونه لايستطيع قادة العسكر ومستشاريه الحصول على تدفق التمويل والدعم ومايدعم هذا ان المعلومات كشفت بأن البغدادي يشرف على مصادر التمويل بنفسه.

الاحتمال الاخر والذي كشفته التحقيقات، بان “الحاج بكر”  الى تاريخ مقتله  خلال شهر يناير 2014 في سوريا هو  زعيم التنظيم الحقيقي، وما ابو بكر البغدادي الا واجهة لكسب اصحاب الفتاوى، وهذا ربما اكثر ترجيحا.

كشفت المعلومات والتحقيقات التي حصلت عليها الاستخبارات العراقية تفاصيل جديدة عن تنظيم داعش هذه التفاصيل تضمنت معلومات عن قيادات التنطيم واخرى عن سياسات وتفاصيل حركة ونشاط الجماعة. المعلومات اوصلت الاستخبارات العراقية الى اعتقال بعض القيادات من الخط الاول  قبل وبعد اجتياح الموصل يوم 10 يونيو 2014، حيث اعلنت وزراة الداخلية، مطلع شهر يونيو 2014 ، عن مقتل رئيس المجلس العسكري لـ”داعش” المدعو ابو عبد الرحمن البيلاوي واعتقال قيادات اخرى بالتنظيم خلال عمليات امنية نفذت في الموصل.

تحرير الموصل والرقة

اعلنت الحكومة العراقية يوم 9 يوليو 2017، بيان النصر وتحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش من مقر عمليات جهاز مكافحة الإرهاب في المدينة، لتنتهي حلم “دولة الخلافة” الى جانب ذلك اعلنت قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية من تحرير مدينة الرقة، معقل تنظيم داعش في سوريا خلال شهر اكتوبر 2017، لينحصر التنظيم في دير الزور وعند الحدود العراقية، مدينة القائم.

 

الحلقة المغلقة لتنظيم داعش بعد معتقل “بوكا”

المعلومات كشفت بأن “خليفة الدولة الاسلامية ابراهيم عودة البدري” المكنى بالبغدادي، يرتكز في عمله على مجموعة مستشارين عسكريين واركان من النظام العراقي السابق ماقبل 2003 واغلبهم من المنطقة الغربية ولديهم  امتدادات  عشائرية في سوريا.

لقد نجح البغدادي في ادارة مستشاريه رغم عدم توفر الخبرة في ادارة الجماعات او الاشخاص، كون خبرته تنحصر بتدريس مادة الحديث والفقه، ورغم وجود معلومات بانه قاد احد التنظيمات “الجهادية” قبل التحاقه في “الدولة الاسلامية” في العراق انذاك تحت زعامة ابو عمر البغدادي حتى 2010، لكن تدرجه بشكل سريع والوصول الى قيادة ورأس هرم التنظيم بفترة لا تتجاوز بضعة سنوات بعد اطلاق سراحه من سجن “بوكا “عام 2004  والصعود عام 2010، يثير الكثير من التسائولات.

اظهرت الشهادات وجود اختراق مخابراتي للتنظيم، لذا ركز ابو بكر البغدادي على البنية الأمنية مع تأسيس دولة العراق الإسلامية 2006وصعوده عام 2010.

عمل البغدادي بعد خروجه من المعتقل ساعي بريد في “الدولة الاسلامية” مهمته استلام وتسليم التقارير والرسائل السرية وخلال تلك الفترة خرج من السجن العميد الركن محمد الندى الجبوري المعروف بالراعي والذي استلم قيادة أركان “تنظيم الدولة”، والعميد الركن سمير عبد محمد المعروف بـ حجي بكر نائباً له، الاخير كان له دورا بارزا في ادارة العمليات والتنظيم حتى مقتله شهر يناير 2014 في سوريا، ليحل محله اللواء ابو مسلم  التركماني.

المعتقلات في العراق كانت تحت السيطرة الاميركية ويتم عزل السجناء او المعتقلين على اساس الانتماء الطائفي ـ هوياتي، اي ان مقاتلي القاعدة والتنظيمات “الجهادية” كانوا بعيدا عن المعتقليين من الشيعية او الميليشيات الاخرى.

وهذا يعني بأن نشاط البغدادي ضمن التنظيمات “الجهادية” كان قائما، مع الاخذ بالاعتبار ان القوات الاميركية كانت تحرص على اعادة تجنيد المعتقليين واعادتهم الى الاوساط “الجهادية”.

السؤال الذي يثير التسائولات هو سرعة صعود البغدادي ؟!

وهذا ما يرجح بان البغدادي كان عميلا مزدوجا الى القوات الاميركية رغم عمله داخل الاوساط “الجهادية”، ورغم ذلك يبقى في اطار التحليلات، كون العميل المزدوج يحصل على معلومات من الجانب الاميركي ويسربها الى التنظيم “الجهادي” البعض منها مفبركة والبعض الاخر تكون معلومات حقيقية لغرض كسب ثقة التنظيم بالبغدادي .

العميل المزدوج: يعني الحصول على تغذية بالمعلومات وتغذية عكسية تمكنه من كسب ثقة التنظيم ومنحه ادوار قيادية وهذا مايحصل في روايات الاستخبارات، فهنالك الكثير من العملاء المزدوجين وصلوا الى صدارة المواقع القيادية، وما يدعم هذا التحليل هو ان سيرة البغدادي تنقصها الادارة والحوكمة والخبرات العسكرية، عكس ماتناقلته بعض وسائل الاعلام.

اعتمد البغدادي المعلومات الاستخبارية داخل التنظيم، لتكون علامة فارقة عند البغدادي وتنظيمه حتى وصف بانه يقوم على الشراسة الاستخبارية اكثر من القدرة والقوة العسكرية، وهذا يعني ان البغدادي حصل على خبرات استخبارية داخل المعتقل ليوظفها تنظيميا بعد خروجه.

إن ادارة البيت الابيض ووكالة الاستخبارات المركزية، لم تعلن اي معطيات او معلومات عن البغدادي رغم اعلان الاستخبارات العسكرية  العراقية عنها وان تحفظ الولايات يرجح بانها كانت متورطة بتجنيد البغدادي ضمن سياستها بتفريخ الجهاديين داخل معتقلاتها.

السؤال هو من اين يحصل البغدادي على التمويل؟

كون التنظيم المركزي للقاعدة لم يمده بالمال منذ نشأته حتى انشقاقه عن الظواهري في ابريل 2013، وهذا يعني ان هنالك مصادر تمويل على مستوى حكومات تكفلت بتمويل البغدادي، ومايزيد بالقضية تعقيدا انه لم يحصل اي تسريب حول تمويل البغدادي لا على مستوى المعلومات المؤكدة ولا التحليل.

يشار بأن تنظيم “الدولة الاسلامية” في العراق انذاك تحول الى شبكة لجمع الاتاوات في العراق خاصة في محافظة الموصل وضعفت عملياته حتى نهاية مطلع عام 2012 بعد انسحاب القوات الاميركية في ديسمبر 2011، اي ان الدعم المالي للبغدادي تدفق اكثر بعد الانسحاب الاميركي؟

يعتبر تنظيم  داعش من اكبر التنظيمات “الجهادية” الذي يتمتع بامكانيات مالية، فقبل سيطرته على منابع النفط في سوريا ـ الرقة او المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، استعرض التنظيم بارتال من مئات السيارات ذات الدفع الرباعي في محافظة الانبار وفي حزام بغداد، هذه القدرة مكنت التنظيم من ابتلاع تنظيمات اسلاموية اخرى والانضمام الى صفوفه مابين الترغيب والترهيب، بعد ان ضمن الى مقاتليه دفع مرتبات جيدة وتسليح عالي. لقد جمع البغدادي الخبرات العسكرية مع الولاء العقائدي.

مستقبل “الدولة الاسلامية” في العراق وسوريا

لقد استطاعت “الدولة الاسلامية” من استعادة ما فككته الحكومة العراقية والقوات الاميركية بقيادة باتريوس بتحالفها مع عشائر المنطقة الغربية عام 2005 ـ 2006 في محاربة الارهاب، الان  هنالك مسار عكسي “للدولة الاسلامية” والمجموعات المسلحة والعشائر، التي توحدت جميعها ضد الحكومة المركزية، لكن هذا التحالف سوف يشهد الكثير من التقاطعات بسبب تقاطع المصالح والايدلوجيات بين مكونات “الدولة الاسلامية” والعشائر.

هذا يعني ان مستقبل داعش “الدولة الاسلامية” في المنطقة الغربية بات مرهونا بموافقة اهالي المنطقة الغربية وزعاماتها العشائرية.

التجربة في افغانستان اي بالعلاقة مابين القاعدة وطالبان التي مثلها الكثير من الخبراء المعنيين بالتنظيمات “الجهادية” والقاعدة بأنها مثل البصلة وقشرتها والتي يصعب الفصل بينهما، لكن الحقائق برهنت ان اصحاب الارض هم اصحاب القرار اي ان طالبان كانت هي صاحبة القرار بابعاد القاعدة التي تمسكت ب”عولمة الجهاد” عكس طالبان التي كانت معنية بارض افغانستان، هذا ممكن ان ينطبق على الوضع مابين عشائر الانبار التي تقابل طالبان في معادلتها مع القاعدة او “الدولة الاسلامية”.

أن استمرار داعش  “الدولة الاسلامية” في المنطقة الغربية والشمالية الغربية ومطالبة زعامات العشائر بالانفصال او اقامة دولة كردية شمال العراق من شأنه ان يخلق دولة سنية تنقصها الكثير من مقومات الدولة ومنخورة من قبل الارهاب وتنظيم “الدولة الاسلامية” من الداخل، هذه الدولة ستكون ضعيفة امام دولة كوردستان العراق في الشمال التي تتمتع بمقومات الدولة كاملة وحكومة بغداد ذات المكون الشيعي في الجنوب.

انهيار التنظيم ليتحول الى دولة افتراضية ومنظمة سرية

بات مرجحا بان التنظيم تحول الى منظمة إرهابية سرية على غرار المنظمات اليمينية الدموية في اوروبا.  لقد كان هدف”الدولة الاسلامية”  داعش الاساسي هو تغيير حكومة بغداد، واستعادة السلطة، اكثر ماتكون جماعة “جهادية”، لذا هي نشأت ضمن حلقة مغلقة، قادتها من العسكر ومن العراقيين، لكن بعد اجتياح مدينة الموصل يونيو 2014، اتسعت رقعة الجغرافية، لتعلن انتهاء الحلقة المغلقة.

شهد تنظيم داعش  انشقاقات وارتداد، وتسربت الكثير من وثائق التنظيم، بعد ان كان صندوقا مغلقا، لا احد يعرف عنه شيء، الان التنظيم خسر “دولة خلافته” وانتهت مرحلة “التمكين” والحوكمة، ليعود التنظيم الى نقطة البداية” الشوكة والنكاية”.

التنظيم تحول الى جماعات صغيرة، بعد ان كان يتحرك على شكل”تشكيلات” عسكرية، وهذا يعني انه سيعود الى عمليات الكر والفر. التقديرات تشير بانه ممكن ان يعود ليهدد المدن والمناطق التي خسرها، وهذا مابات متوقعا. وسيعود التنظيم إلى الاستراتيجية التي انتهجتها عام 2011، بتنفيذ عمليات ارهابية لزعزعة ر الحكومة العراقية وفي ذات الوقت وضع اوروبا نصب اعين التنظيم لتنفيذ عمليات انتحارية، على غرار “الئاب المنفردة”

المشكلة تكمن بقدرة التنظيم على التجديد، وذلك استعادة خلايا جديدة، خاصة في المناطق الغربية من العراق اكثر من المناطق في سوريا، وهذا ما اكده الخبير في الجماعات المتطرفة الدكتور هشام الهاشمي.

السؤال ربما يكمن: مدى قدرة الحكومة العراقية، بسد فراغ السلطة وتبني سياسات جديدة غير قائمة على الطائفية والمناطقية؟

برغم ما حققته القوات العراقية من انجازات واستعادة سمعتها، فأن تحدي الجماعات المتطرفة وتنظيم داعش يبقى قائما، ربما بسبب المعضلة السياسية في العراق.

داعش والتنظيمات “الجهادية” لايمكن ان توجد الا وسط دولة ضعيفة او فاشلة، هي خير من تستغل غياب السلطة، لذا كثيرا ماتوصف الى جانب القاعدة بالانتهازية،لذا بقاء تنظيم داعش سوف يعتمد على سياسات الحكومة العراقية الجديدة، اكثر من قدرة داعش على الظهور من جديد.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق