اختر صفحة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد جاسم محمد ـ باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات ـ بون

تعيش فرنسا، الى جانب دول أوربا، جدلا حول عودة المقاتلين الأجانب، وللاسف لحد الان لم تقوم فرنسا ودول اوروبا ايضا، بتنفيذ سياسات ترتقي الى ماتتمتع بها فرنسا من امكانيا امنية واقتصادية، لأحتواء المقاتلين الاجانب.

مقاتلون سابقون في صفوف تنظيم داعش وعائلاتهم يقبعون في السجون في سوريا والعراق، والبلدان الأوروبية ترفض استقبالهم كمواطنين لها، وعوض ذلك تزداد الدعوات لإقامة محكمة خاصة. المنادون  لإقامة محكمة خاصة بمجرمي تنظيم داعش يأتون من السياسة السويدية. فوزير الداخلية السويدية ميكاييل دامبيرغ مثلا اقترح يوم 07 يونيو 2019 بإلحاح هذا النوع من المحكمة. “لا يحق أن يفلت مجرم تابع لداعش من العقاب. وتحت ظروف معينة يرى رجل القانون روبرت شولتس أنه من الممكن إقامة محكمة دولية مستقلة تعمل “حسب نموذج المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي”. لكن السؤال الاهم هل يوافق العراق ؟

أحتضنت السويد  يوم 04 يونيو 2019 مشاورات بين ممثلي وزارات الداخلية والعدل في أحدى عشر دولة أوروبية حول إمكانية إنشاء محكمة خاصة تقاضي المقاتلين الأجانب الدواعش الذين انخرطوا في القتال في كل من سوريا والعراق. وتقترح السويد أن يكون مقر المحكمة في دولة من دول المنطقة من أجل جمع الأدلة الكافية والضحايا والشهود. حيث حكمت محاكم في العراق على احدى عشر فرنسيا بالإعدام، وهو ما اثار جدلا في الأوساط الحقوقية حول مسؤولية الدول الأوروبية المعنية في استعادة رعاياها، ومحاكمتهم.

الموقف القانوني من محاكمة “الدواعش” الفرنسيين

قضت محكمة عراقية  يوم 03 يونيو 2019 باعدام اثنين من الفرنسيين بتهمة الانتماء لداعش وهم آخر المحكومين بنفس القضية وسبق ان قضت محكمة عراقية  يوم 26 مايو 2019 بإعدام ثلاثة مواطنين فرنسيين، بعد إدانتهم بالإرهاب والانضمام إلى تنظيم داعش. وأجريت محاكمة الفرنسيين بموجب المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب العراقي، التي تنص على الحكم بإعدام كل من ارتكب جرماً بصفته فاعلاً أصلياً، أو شريكاً في الأعمال الإرهابية. وتشير المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي والمادتان 6 و9 من قانون العقوبات العراقي، والمادتان 14 و15 من القانون المدني إلى أن “كل الجرائم التي ترتكب على الأرض العراقية يكون للقضاء العراقي ولاية عليها”.

ويقول الخبير القانوني علي التميمي إنه وفقا لتلك المواد “فإن كل من يرتكب جريمة أو أجزاء من الجريمة داخل العراق، يحاكمون في العراق وفق للقانون العراقي”. يوضح التميمي إذا أظهرت التحقيقات أن “جرائم هؤلاء العناصر أثرت على الوضع العام، وثبت انتماؤهم إلى تنظيم داعش، سيطبق عليهم قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 عام 2005”. وأن قانون مكافحة الإرهاب العراقي يخص الذين ارتكبوا جرائم تصنف أنها إرهابية على الأراضي العراقية. مصادر إستخبارية عراقية، كشفت أن العراق يمتلك وثائق وأدلة على تنفيذ هؤلاء المقاتلين الفرنسيين لجرائم داخل أراضيه.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية، قوات كردية وعربية مدعومة من الولايات المتحدة، قد اعتقلت 12 فرنسيا من أعضاء تنظيم داعش في سوريا، ونقلت الثلاثة المدانين إلى العراق لمحاكمتهم في فبراير2019. وتلك هي المرة الأولى التي يُدان فيها مقاتلو تنظيم الدولة من الفرنسيين ويُحكم عليهم بالإعدام. وقالت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبي، في وقت سابق ، إن باريس “ستتدخل” إذا صدرت أحكام بالإعدام بحق فرنسيين قاتلوا في صفوف “داعش” يحاكمون في العراق وسوريا .

اسباب رفض فرنسا إستقبال عناصر داعش

أعلنت الحكومة الفرنسية يوم 28 فبراير 2019: إن باريس ليست في عجلة من أمرها لاستعادة 13 إرهابيا يحملون الجنسية الفرنسية قاتلوا في صفوف تنظيم داعش وسلمتهم القوات الكردية في سوريا إلى الجيش العراقي، ملوحة بأنها ترغب في عدم عودتهم إلى البلاد.  وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، صرح منذ يومين بأنه يجب محاكمة مقاتلي تنظيم “داعش” الفرنسيين الذين تم أسرهم في العراق وسوريا في الدول التي يواجهون فيها اتهامات.

وترى الحكومة الفرنسية أن محاكمة هؤلاء الدواعش الفرنسيين في العراق بعد أن قُبض عليهم في سوريا، يُقلل من عدد الإرهابيين الفرنسيين الذين تشكل عودتهم إلى البلاد أزمة سياسية تهدد أمن المجتمع الفرنسي. ولهذه الأسباب فإن فرنسا ليست في عجلة من أمرها لاستعادتهم، معتبرة هذه التصريحات مناورة بين أجهزة الاستخبارات الغربية.

كشفت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية  في عددها الصادر يوم السادس من مايو 2019 عن اتفاق بين العراق وفرنسا، لمحاكمة مواطنين فرنسيين منتمين لـ”داعش” في العراق، معتقلين لدى “قوات سوريا الديمقراطية” في سوريا، مقابل مساعدات عسكرية ومالية تقدمها فرنسا للعراق. تأتي هذه الأخبار أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الى برلين وباريس.

وترى المحامية والدكتورة في القانون الدولي سلوى بو شلاغم من فرنسا بأن هذا الأمر جزء من الثقافة وعقيدة فرنسية قديمة، أن من يرتكب عمل غير قانوني أو إرهابي في بلد آخر، يفضل أن يعاقب في البلد الذي تم فيه الجرم، وتتابع : هذا بسبب أن المجرم لو نقل إلى الأراضي الفرنسية فإن جميع جمعيات حقوق الإنسان في فرنسا ستتحرك من أجله، وهذا ما لا يحبذه قصر الإليزيه، والسبب الثاني هو حماية فرنسا والمواطنين الفرنسيين، حيث لا يرغب المجتمع الفرنسي بعودة عناصر متهمة بقضايا إرهابية، والحكومة تحاول الحفاظ على مظهرها، لذلك هذا الامر كان متوقعا.  و لا يحق لفرنسا طلب أي معاملة خاصة لمواطنيها، وهم سيكونون تحت القانون العراقي، ولن يخرجوا عن قانون الإجراءات الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب العراقي، حتى لو كانوا من أي جنسية كانت.  

النتائج

“الجهاديون” العائدون من مناطق الصراعات هاجسا أمنيا  يؤرق المسؤولين الفرنسيين الذين يرون في “العائدين” تهديدا أمنيا جديا نظرا لما عرفوه في سوريا والعراق ولآيديولوجيتهم “الجهادية” وللخبرات التي اكتسبوها فى القتال،وتباينت مواقف الحكومة الفرنسية حول كيفية التعامل مع عودة المقاتلين  الأجانب وذويهم . وسبق ان اعلنت الحكومة الفرنسية ان الدواعش الفرنسيين سيحاكمون من قبل السلطات القضائية المحلية، ولن يرحلوا إلى فرنسا ، ولكن  من الممكن إعادة أولادهم وحدهم إلى فرنسا عبر الصليب الأحمر.

إن سياسات دول أوروبا في محاربة الإرهاب مازالت تركز على قضية المقاتلين الاجانب من أوروبا، اكثر من محاربة التطرف والإرهاب في دول المنطقة او حتى دوليا. جهود دول أوروبا خاصة وزراء العدل والداخلية، تأتي وسط الانتقادات الحادة التي وجهت اليها من قبل المنظمات الدولية، بضرورة ان تتحمل عبيء المقاتلين الاجانب وتنهض بمسؤولياتها القانونية والاخلاقية.

بدون شك فرنسا لا تريد إستعادة الدواعش من حملة الجنسية الفرنسية، وتكمن المشكلة، بان فرنسا الى جانب دول أوروبا، تنظر لهم، بانهم تهديد الى امنها القومي، ولا تتحدد هذه التهديدات بالوقت الحاضر، بل بتحول محتمل الى عائلات الدواعش الى التطرف من جديد مستقبلا.

أجد من الصعب ان تكون هناك محكمة دولية ربما على اراضي عراقية او اوروبية، كون أوروبا تريد محاكم بمقاسات أوروبية خارج اراضيها، وكانها استنساخ الى معسكرات “غوانتنامو”، من جانب اخر اجدها تتعارض مع القوانين العراقية، خاصة مايتعلق رفض عقوبة الاعدام. هذا المقترح يؤكد تهرب دول اوروبا من النهوض بمسؤوليتها القانونية والاخلاقية في محاربة الارهاب والتطرف.

التوصيات

ماينبغي ان تقوم به فرنسا الى جانب دول أوروبا، ان تجد تعاون حقيقي وليس جزئي مع دول المنطقة، وخاصة الدول التي تشهد صراعات ونزاعات، مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا على سبيل المثال. التعاون الامني لايعني فقط مايتعلق في بيانات وقاعدة المعلومات وبنك المعلومات حول المقاتلين الاجانب بقدر، دعم دول المنطقة، الى تعزيز سياسات مكافحة الارهاب والتطرف، بما تملكه من تكنلوجيا الى جانب الدعم اللوجستي. دول أوروبا هي الاخرى يجب ان تعاج التطرف محليا، وان لاتعتمد فقط في سياسات مكافحة الارهاب، من خلال ايجاد تطبيقات فاعلة لمعالجة التطرف والارهاب مجتمعيا.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

نشر في شبكة رؤية الإخبارية

رابط مخنصر..https://www.europarabct.com/?p=51881