الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الدفاع والشراكة الأوروبية ـ الخليجية: آفاق التعاون الأمني ما بعد التصعيد الإيراني. ملف

مايو 12, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير

تصفح الملف نسخة PDF ملف الدفاع والشراكة الأوروبية ـ الخليجية آفاق التعاون الأمني ما بعد التصعيد الإيراني

الدفاع والشراكة الأوروبية ـ الخليجية: آفاق التعاون الأمني ما بعد التصعيد الإيراني. ملف

المقدمة

يتناول هذا الملف مستقبل العلاقات الأوروبية–الخليجية في مجالات الأمن والدفاع في مرحلة ما بعد حرب محتملة بين إيران والولايات المتحدة، من خلال تحليل التحولات الجيوسياسية التي قد تعيد تشكيل توازنات القوة في منطقة الخليج، واستكشاف أدوار كل من أوروبا ودول الخليج كفاعلين أمنيين في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً.

ويركز الملف على تجربة مضيق هرمز كنموذج تطبيقي لفهم طبيعة التهديدات البحرية وسبل إدارتها، واستخلاص الدروس التي يمكن البناء عليها لتطوير آليات تعاون دفاعي أكثر فاعلية واستدامة. كما يسعى إلى استشراف آفاق الشراكة المستقبلية بين الطرفين عبر تحديد مجالات التعاون المحتملة، والتحديات التي قد تعترضها، وصولاً إلى طرح تصورات عملية لبناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على حماية المصالح الاستراتيجية وضمان استقرار المنطقة.

1ـ أمن دول مجلس التعاون الخليجي والتحولات الجيوسياسية مابعد حرب إيران والولايات المتحدة

كشفت حرب إيران عن تحول جذري في موازين القوى الدولية، بالتزامن مع اعتماد طهران على استراتيجيات “الحروب غير المتكافئة” لتعويض نقص قدراتها التقليدية. أدى هذا الواقع إلى تصدع العلاقات الأطلسية، مما دفع الاتحاد الأوروبي نحو البحث عن “استقلالية القرار الأمني” وترسيخ التعاون مع شركاء دوليين آخرين. برزت دول الخليج كفاعل أمني متصاعد، حيث اتجهت نحو تنويع شراكاتها الدولية وتقليل الاعتماد الأحادي على المظلة الأمريكية، ما يمهد لشراكة استراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وذلك عبر بناء توازنات قوى مرنة تضمن حماية سلاسل التوريد والأمن الجماعي بعيدًا عن تقلبات السياسة الأمريكية .

التحولات الجيوسياسية والأمنية في الخليج بعد الحرب الإيرانية الأمريكية

أدى عدم قدرة إيران على مواجهة القدرات العسكرية الفردية والمشتركة لإسرائيل والولايات المتحدة بشكل مباشر إلى التحول في إعادة التقييم الاستراتيجي، بما يتماشى مع التقييمات القديمة التي تشير إلى اعتماد طهران على أساليب غير متكافئة و”مناطق رمادية” لتعويض النقص في القدرات التقليدية. فبدلًا من السعي لتحقيق نتائج حاسمة عبر الوسائل العسكرية التقليدية، اتجهت طهران بشكل متزايد نحو حملة متعددة من خلال “الحروب بالوكالة” والجماعات الموالية لها كحزب الله في لبنان، وهذا التحول يعقد حسابات الردع ويجعل الصراع أكثر استدامة، ويزيد من استنزاف القدرات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

اعتمدت طهران على “القدرات الصاروخية” ردًا على الهجمات الإسرائيلية الأمريكية؛ أفاد تقييم لوكالة الاستخبارات الأمريكية في الثالث من أبريل 2026 أن ما يقرب من (50%) من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة، وأن آلافًا من الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه لا تزال موجودة في ترسانة إيران على الرغم من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ونفي واشنطن. وجدت طهران في “الضغط الجيوسياسي عبر الممرات الحيوية” طريقة للضغط على واشنطن من خلال خنق أحد أهم الممرات المائية في العالم، وتهديد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وزرع الألغام في المضيق. كشفت حرب إيران عن التأثير في ميزان القوى إذ عمّقت الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وزادت من قوة موقف قوى أخرى كروسيا والصين.

تشير التقييمات إلى حدوث تصدع في العلاقات الأمريكية والأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي، حيث ورد في تقرير صادر عن مركز الأبحاث الألماني “SWP” في الرابع من أبريل 2026: “لم تعد تعاملات ترامب مع أوروبا مجرد معاملات تجارية، بل باتت تشبه الابتزاز بشكل متزايد، حيث يستخدم أدوات متنوعة لإثبات أن القوة هي الأساس”. لكن التقرير يوضح أن فك ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة لن يكون بالأمر الهين. يضطلع الأوروبيون بالفعل بالعديد من المسؤوليات الرئيسية داخل حلف الناتو، لكنهم يفتقرون إلى المقومات الاستراتيجية التي تمكنهم من بسط نفوذهم بشكل مستقل، كالاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة النقل، والتزود بالوقود جوًا. ربما حظي قادة أوروبا بإشادة داخلية لموقفهم المتصدي لواشنطن بشأن إيران، لكن النتيجة المرجحة هي علاقة أكثر بعدًا وعدائية مع أمريكا. الأمن الدولي في ظل نظام دولي متغير، استشراف السياق الأمني وخارطة النزاعات العالمية

موقع أوروبا في النظام الأمني الجديد

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز الالتزام ببند الدفاع المشترك لمواجهة التهديدات المحتملة على دوله الأعضاء، وسيتم توسيع نطاق بند الدفاع المشترك الحالي (42.7). سيعمل الاتحاد الأوروبي على زيادة تنسيق الهياكل القيادية والتنظيمية التي تسمح له بالتعامل مع تهديدات عاجلة وطارئة من دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أو الدول الأعضاء الفردية. يسارع الأوروبيون إلى نقل قواتهم إلى مناطق أقرب إلى “نيقوسيا” لتعزيز انتشارهم العسكري وضمان حماية مصالحهم الحيوية في الشرق الأوسط.

أوضح “كريستوف جومارت” الجنرال الفرنسي المتقاعد ونائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي: “أن الأزمات المستمرة في الشرق الأوسط ستدفع بوضوح إلى وجود رئيس أركان دفاعي للاتحاد الأوروبي، يكون مسؤولًا عن تخطيط وتنسيق الاستجابات الأوروبية للأزمات العسكرية بكفاءة وفعالية”.

اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لدعم “استقلالية القرار الأمني الأوروبي” ضمن خطة 2030، وذلك لتعزيز قدرة أوروبا على اتخاذ قراراتها الدفاعية والأمنية وتنفيذها دون الاعتماد الكامل على حلف الناتو أو الولايات المتحدة. يتم ذلك من خلال تطوير السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة “CSDP”، وإنشاء التعاون الهيكلي الدائم “PESCO”. بالإضافة إلى إنشاء قوة انتشار سريع أوروبية قادرة على التدخل في الأزمات وتحسين التنقل العسكري. وخلال العام 2025 و2026 أوضحت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”: “أن أوروبا تعطي الأولوية للشراكات غير الأمريكية، وخصت “فون دير لاين” بشكل صريح ما أسمته “أقرب شركاء أوروبا” النرويج وأيسلندا والمملكة المتحدة وكندا للتعاون الأمني الجديد، مع إغفال ملحوظ للولايات المتحدة الأمريكية.

كشفت حرب إيران عن حاجة بروكسل لمجموعة من الأدوات لإدارة أزمات الطاقة، في ظل تزايد المخاوف بشأن إمدادات الوقود وارتفاع التكاليف. أعلن الاتحاد الأوروبي في 22 أبريل من العام 2026 عن مجموعة من أجندات السياسة التي تهدف إلى تخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط. قدمت المفوضية الأوروبية مجموعة من التدابير تحت اسم “AccelerateEU”، مصممة لمساعدة الدول الأعضاء على إدارة الضغوط والاستعداد للاضطرابات المستقبلية. حث مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي “دان يورجنسن” أوروبا على تسريع تحولها بعيدًا عن الوقود الأحفوري. وتابع “يورجنسن” قائلًا: “يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار ونقطة تحول”، وأضاف: “إنه حتى في حال التوصل إلى حل دبلوماسي للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فمن المرجح أن تستمر آثار الأزمة لسنوات”. التكامل الدفاعي الأوروبي ـ من التنسيق إلى الشراكة الهيكلية

دول الخليج كفاعل أمني متصاعد

تطور القدرات العسكرية الخليجية: تواجه الدول الخليجية تحديات في تعزيز أمنها منذ بدء حرب إيران، وقد تدفع حرب إيران دول الخليج إلى تصنيع أنظمة الدفاع الجوي محليًا والذي من شأنه أن يقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، ويعزز القدرات الصناعية المحلية، ويخلق حوافز ذاتية لتعزيز التنسيق الأمني داخل مجلس التعاون الخليجي. وقد يشمل ذلك دمج اتفاقيات الدفاع الثنائية بشأن تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة، بل وقد يشمل عروضًا للمشاركة في إنتاج أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية أو أنظمة دول أخرى. على الصعيد الاستراتيجي، يمكن لمجلس التعاون الخليجي العمل على تحقيق تكامل أوثق بين منصات الدفاع، كذلك الاستفادة المدروسة من تنوع وجهات نظر أعضائه لتعزيز قدرة المنطقة على الصمود والدفاع المشترك.

تشهد دول الخليج تحولًا نشطًا من سياسة الاعتماد الأمني الأحادي على الولايات المتحدة الأمريكية إلى استراتيجية التحوط الاستراتيجي وتنويع الشراكات الدولية والإقليمية. ويهدف هذا التوجه الجديد إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لدول الخليج، وتمكين الفاعلين الإقليميين من التكيف مع عالم متعدد الأقطاب متغير، وذلك بتقليص احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للأمن الخليجي مع الحفاظ على التحالف الأمريكي كركيزة. بالإضافة إلى تنويع مشتريات الأسلحة والتعاون العسكري ليشمل فرنسا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية وتركيا وروسيا والصين.

أعلن الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” خلال أبريل من العام 2026 عن سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية مع دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات وقطر. وقدّمها لا كصفقات أسلحة تقليدية، بل كتصدير لقدرات شاملة بموجب ما يُسمى “صفقة الطائرات المسيّرة” خاصة أنظمة الاعتراض المصممة لإيقاف التهديدات الإيرانية؛ تتجاوز هذه الاتفاقيات مجرد توفير المعدات، فهي تشمل الإشراف على التدريب، ودمج هذه الأنظمة الجديدة في المبادئ التوجيهية القتالية العسكرية للبلاد، والإنتاج المشترك، في العديد من أسواق دول الخليج.

التهديدات الأمنية المستجدة

يحمل الخليج العربي إلى القناة الإنجليزية عدد قليل من الممرات المائية الضيقة، وعندما يتعرض أحدها للخطر تتنامى العواقب الدولية والإقليمية. فعلى سبيل المثال عندما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، ظهرت آثار ذلك بشكل فوري تقريبًا. لم يقتصر الأمر على منطقة دول الخليج، بل امتد إلى أوروبا، ما أدى إلى تعطيل لأحد أهم خطوط الشحن العالمية للنفط والغاز والمواد الكيميائية، مما تسبب في صدمة حادة في أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم وأوروبا. قدمت المفوضية الأوروبية مع تفاقم أزمة مضيق هرمز إطارين جديدين؛ استراتيجية موانئ الاتحاد الأوروبي واستراتيجية الاتحاد الأوروبي للصناعات البحرية. ويؤكد كلا الإطارين على أهمية نقاط الاختناق البحرية والطرق القطبية الشمالية كأولويات استراتيجية لتعزيز مرونة سلاسل التوريد الأوروبية.

كشفت حرب إيران عن تطور كبير في الحروب غير التقليدية، ويؤكد “جو روك” مدير شركة “Recorded Future” المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية قائلًا: “إن إيران دولة ذات نوايا قوية وقدرات كبيرة”. وأضاف “روك”: “أنه إذا وجدت الدول نفسها في مرمى نيرانها، فإنها تصبح عدوانية للغاية”. تتناسب هذه الهجمات السيبرانية مع سيناريو حذر منه المسؤولون والخبراء منذ بداية الحرب. لكن نشاط القرصنة الإيرانية كان بطيئًا في بداية الصراع، عندما تركزت الهجمات الإلكترونية في الغالب على الشرق الأوسط ودول الخليج، حيث أفادت شركة “Flashpoint” المتخصصة في استخبارات التهديدات بوقوع هجمات إلكترونية ضد أهداف في إسرائيل والبحرين وقطر.

أصبحت الطائرات المسيّرة أداة موثوقة في ترسانة الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية الساعية إلى شنّ هجمات غير متكافئة ضدّ خصم أقوى. شهدت الطائرات المسيّرة تحسنًا ملحوظًا من حيث مدة الطيران، وسهولة الاستخدام، وإمكانية إعادة توظيفها لإسقاط حمولة على أهداف. ومن المرجح أن تتسارع هذه التطورات التكنولوجية، مع توقعات مستقبلية تجعل استخدام الطائرات المسيّرة من قِبل الجهات الفاعلة غير الحكومية سمة أساسية في أيّ حملة حرب غير تقليدية. جعلت البنية التحتية العسكرية الأوروبية وخبرة أوكرانيا في مجال الطائرات المسيّرة القارة الأوروبية شريكًا لا غنى عنه في العمليات الأمريكية في إيران، كما أن خبرة أوكرانيا في مجال الطائرات المسيّرة تُثبت أهميتها البالغة للدفاع الجوي في الخليج. الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو

فرص التقارب الأوروبي الخليجي

يحمل الخليج العربي إلى القناة الإنجليزية عدد قليل من الممرات المائية الضيقة، وعندما يتعرض أحدها للخطر تتنامى العواقب الدولية والإقليمية. فعلى سبيل المثال عندما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، ظهرت آثار ذلك بشكل فوري تقريبًا. لم يقتصر الأمر على منطقة دول الخليج، بل امتد إلى أوروبا، ما أدى إلى تعطيل لأحد أهم خطوط الشحن العالمية للنفط والغاز والمواد الكيميائية، مما تسبب في صدمة حادة في أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم وأوروبا. قدمت المفوضية الأوروبية مع تفاقم أزمة مضيق هرمز إطارين جديدين؛ استراتيجية موانئ الاتحاد الأوروبي واستراتيجية الاتحاد الأوروبي للصناعات البحرية. ويؤكد كلا الإطارين على أهمية نقاط الاختناق البحرية والطرق القطبية الشمالية كأولويات استراتيجية لتعزيز مرونة سلاسل التوريد الأوروبية.

كشفت حرب إيران عن تطور كبير في الحروب غير التقليدية، ويؤكد “جو روك” مدير شركة “Recorded Future” المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية قائلًا: “إن إيران دولة ذات نوايا قوية وقدرات كبيرة”. وأضاف “روك”: “أنه إذا وجدت الدول نفسها في مرمى نيرانها، فإنها تصبح عدوانية للغاية”. تتناسب هذه الهجمات السيبرانية مع سيناريو حذر منه المسؤولون والخبراء منذ بداية الحرب. لكن نشاط القرصنة الإيرانية كان بطيئًا في بداية الصراع، عندما تركزت الهجمات الإلكترونية في الغالب على الشرق الأوسط ودول الخليج، حيث أفادت شركة “Flashpoint” المتخصصة في استخبارات التهديدات بوقوع هجمات إلكترونية ضد أهداف في إسرائيل والبحرين وقطر.

أصبحت الطائرات المسيّرة أداة موثوقة في ترسانة الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية الساعية إلى شنّ هجمات غير متكافئة ضدّ خصم أقوى. شهدت الطائرات المسيّرة تحسنًا ملحوظًا من حيث مدة الطيران، وسهولة الاستخدام، وإمكانية إعادة توظيفها لإسقاط حمولة على أهداف. ومن المرجح أن تتسارع هذه التطورات التكنولوجية، مع توقعات مستقبلية تجعل استخدام الطائرات المسيّرة من قِبل الجهات الفاعلة غير الحكومية سمة أساسية في أيّ حملة حرب غير تقليدية. جعلت البنية التحتية العسكرية الأوروبية وخبرة أوكرانيا في مجال الطائرات المسيّرة القارة الأوروبية شريكًا لا غنى عنه في العمليات الأمريكية في إيران، كما أن خبرة أوكرانيا في مجال الطائرات المسيّرة تُثبت أهميتها البالغة للدفاع الجوي في الخليج. الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو

**

2ـ أمن أوروبا ودول الخليج: ماذا تكشف تجربة مضيق هرمز عن مستقبل التعاون الأمني؟

يُعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية الذي لا غنى عنه للعالم، كونه حلقة الوصل الحيوية بين الخليج العربي والمحيط الهندي، ومركزًا محوريًّا في معادلة الأمن والطاقة العالمية. وتبرز قيمته الاقتصادية الفائقة من خلال تدفق نحو (21) مليون برميل نفط يوميًّا، ما يمثل خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى ربع تجارة الغاز المسال، مما يجعله المنفذ الأساسي لصادرات دول الخليج الكبرى. جيوسياسيًّا، يمثل المضيق بؤرة تلاقي المصالح الدولية المتشابكة، حيث تنعكس أي اضطرابات ملاحية فيه فورًا على استقرار الأسواق والاقتصاد العالمي. لذا، تتجاوز أهميته كونه ممرًا مائيًّا ضيقًا ليصبح مفتاحًا رئيسيًّا لأمن الطاقة وحماية التوازن الدولي والنظم البيئية البحرية في منطقة شديدة الحساسية والتوتر.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز “عنق الزجاجة” الأهم عالميًّا لتجارة الطاقة، حيث يمر عبره نحو (20%) من استهلاك النفط العالمي ومعظم صادرات الغاز القطري؛ مما يجعله ركيزةً للاستقرار الاقتصادي وتأمين احتياجات أوروبا وآسيا. يتجسد في هذا الممر الاعتماد المتبادل بين الشرق والغرب، فبينما يضمن لدول الخليج تدفق إيرادات مشاريعها التنموية كفرص نهوض حيوية، يمثل للقوى الصناعية صمام أمان لدوران الإنتاج. لذا، فإن أي تعطل ملاحي يهدد بموجات تضخمية عالمية وأزمات في الأمن الغذائي، مما يجعل استقراره ضرورة دولية تتجاوز التجاذبات السياسية، لكونه شريانًا لا غنى عنه للنظام المالي العالمي.

وتتعدد الأطراف الفاعلة في مضيق هرمز وتتداخل مصالحها بشكل معقد، وتشمل الأطراف الفاعلة الدول المشاطئة مثل إيران وسلطنة عمان، إضافة إلى دول الخليج التي يعتمد أمنها على استقرار المضيق. كما تلعب الولايات المتحدة دورًا رئيسيًّا عبر وجودها العسكري، إلى جانب الدور الأوروبي المتزايد، وتبرز القوى الآسيوية كمستهلك رئيسي للطاقة، ما يمنحها تأثيرًا غير مباشر. هذا التعدد في الفاعلين يفرض ضرورة التنسيق، حيث يتحدد استقرار المضيق من خلال توازن هذه القوى وتفاعلها. مضيق هرمز بين الردع والتصعيد، مستقبل أمن الممرات البحرية في ظل التوترات الإقليمية

تجارب سابقة في تأمين المضيق

تاريخيًّا، شهد مضيق هرمز عدة مبادرات دولية تهدف إلى تأمينه، لعل أبرزها “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية، وبرزت مبادرات جديدة مثل “التحالف الدولي لأمن وحماية حرية الملاحة البحرية” (IMSC) بقيادة الولايات المتحدة، وما زال هذا التحالف يعمل على توفير بيئة آمنة لحركة السفن التجارية وناقلات النفط. ومع ذلك، واجهت هذه المبادرات تحديات سياسية تتعلق بالشرعية والسيادة. فبينما رأت واشنطن ضرورة بناء تحالف عسكري واسع، كانت بعض الدول تخشى من أن يؤدي الانضمام لمبادرة تقودها أمريكا إلى تصعيد التوتر مع إيران.

وتميز الدور الأوروبي في تأمين مضيق هرمز حول صياغة استقلالية استراتيجية توازن بين الحضور العسكري والعمل الدبلوماسي لخفض التصعيد. وقد تجلى ذلك عبر بعثة (EMASoH) وعملية “أجينور” التي ركزت على تقنيات “التوعية بالمجال البحري” وتبادل المعلومات الاستخباراتية لتوفير حماية “غير صدامية” طمأنت الأسواق العالمية ودول الخليج. وفي ظل الأزمة الراهنة، تقود القوى الأوروبية الكبرى جهودًا لإنشاء بعثات دفاعية بحتة تركز على صد الهجمات المسيرة والصاروخية دون استهداف المواقع البرية، مع السعي لتوسيع التحالف دوليًّا ليشمل قوى آسيوية كالهند وكوريا الجنوبية.

أما الدور الخليجي في تأمين مضيق هرمز فقد شهد تحولًا استراتيجيًّا نوعيًّا، حيث انتقلت دول المنطقة من مربع “المستفيد” إلى دور “الشريك الفاعل” في المنظومة الأمنية الدولية. تجلى هذا التحول في الاستثمار الضخم لتحديث الأساطيل البحرية، وتبني تقنيات مراقبة متطورة، وتعزيز التنسيق المشترك عبر مظلة مجلس التعاون. وامتد هذا الانخراط ليشمل توفير دعم لوجستي حيوي واستضافة القواعد الدولية، بالتوازي مع تبني استراتيجيات “تنويع المسارات” عبر أنابيب النفط لتقليل الارتهان للمضيق.

التحديات العملياتية في المضيق

تعتمد التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة” التي ينتهجها الحرس الثوري، حيث تستبدل المواجهة المباشرة بتكتيكات هجينة تشمل أسراب الزوارق السريعة المسلحة والألغام البحرية المتطورة، مما يصعب رصده والتعامل معه في المياه الضيقة. وقد تعزز هذا المشهد بدخول الطائرات المسيرة الانتحارية والاستطلاعية كأداة لفرض واقع أمني معقد، يمنح طهران قدرة عالية على المراقبة وتنفيذ ضربات جراحية دقيقة.

وكما ذكرت دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن عرض مضيق هرمز يبلغ حوالي (30) كيلومترًا، وهو ما يعادل تقريبًا قُطر مناطق القتل التي تستخدمها الطائرات المسيرة في الحروب. والقدرة التي تتمتع بها القوات الأمريكية على شن ضربات جوية من مسافات بعيدة، هي بالضبط ما سيُعيق مهمات الحماية البحرية، ولذلك فإن إدخال القوات البحرية إلى مضيق هرمز سيخلق بيئة مليئة بالأهداف، وسيجعل من الصعب التوازن بين ضرورة التدخل والمخاطر المرتبطة بالتواجد في هذه المنطقة.

أما التنسيق العسكري في مضيق هرمز فيمثل تحديًا لوجستيًّا وسياسيًّا بامتياز، نظرًا لتعدد البعثات والقوات العاملة في مساحة جغرافية محدودة، فهناك قوات “سنتكوم” الأمريكية، وبعثة “أجينور” الأوروبية، والقوات البحرية الوطنية لدول الخليج، بالإضافة إلى وجود قطع بحرية لدول مثل الصين والهند تقوم بمهام حماية ذاتية.  مما يخلق مخاطر “النيران الصديقة” أو حوادث تصادم، كما يُصَعِّب من عملية توحيد “الصورة العملياتية المشتركة”. فكل طرف يمتلك بروتوكولات اتصالات وأنظمة تشفير مختلفة، مما قد يؤدي إلى فجوات في التوقيت والرد الاستجابة عند وقوع حادث أمني مفاجئ يتطلب تدخلًا منسقًا.مضيق هرمز ـ كيف سيبدو الدعم العسكري الأوروبي في تأمين الملاحة البحرية؟

تقييم الأداء الأوروبي – الخليجي

تجلت نقاط القوة في التعاون الأوروبي-الخليجي في القدرة على خلق بيئة “توعية بحرية” متفوقة تقنيًّا، من خلال بعثة (EMASoH)، نجح الأوروبيون في دمج قدراتهم الاستخباراتية مع المعرفة الجغرافية والميدانية العميقة لدول الخليج. هذا التكامل مكن الطرفين من رصد التحركات المشبوهة بدقة عالية وتوفير تحذيرات مبكرة للسفن التجارية. وساهم الاعتماد على “القوة الناعمة العسكرية”– أي التواجد بهدف الطمأنة وليس التهديد– في منع انفجار الأوضاع في لحظات التوتر القصوى، وهو ما يعد نجاحًا استراتيجيًّا في إدارة الأزمات المعقدة.

وفي المقابل، تتباين القدرات العسكرية والأولويات الاستراتيجية والالتزامات الميدانية بين الجانبين، خاصة في ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها أوروبا في عام 2026. ويتجلى هذا التباين في عدة مظاهر، أبرزها اختلاف التركيز الجغرافي؛ إذ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز “استقلاليته الاستراتيجية” مع تركيز أساسي على أمن القارة الأوروبية في مواجهة التحديات الروسية والحرب في أوكرانيا، بينما تتركز أولويات دول الخليج على الأمن الإقليمي المباشر والتعامل مع التهديدات غير التقليدية مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ.

الدروس المستفادة

تتمحور الدروس المستفادة من تأمين مضيق هرمز حول ثلاثة ركائز أساسية؛ أولها حتمية الانتقال من تشتت البعثات المتعددة إلى مفهوم “القيادة المشتركة” الموحدة لضمان سرعة الاستجابة وتعزيز الردع والشرعية السياسية. وثانيها الإدراك بأن الأمن البحري بات “معلوماتيًّا” بامتياز، مما يفرض تجاوز التبادل التقليدي نحو “التكامل الاستخباراتي الرقمي” والربط التقني المباشر المدعوم بالذكاء الاصطناعي لرصد التهديدات الهجينة. أما الركيزة الثالثة فتتجلى في ضرورة صياغة “قواعد اشتباك” واضحة ومشتركة تُنهي حالة التردد الميداني وتمنع الخصوم من استغلال الثغرات التكتيكية. إن دمج التكنولوجيا الأوروبية مع الخبرة الميدانية الخليجية في إطار عملياتي موحد هو الضمانة الوحيدة لتحويل القوة العسكرية من مجرد حضور رمزي إلى أداة إدارة استراتيجية فعالة للمجال البحري.

تحويل التجربة إلى نموذج مستدام

لتحقيق التحول من الاستجابة المؤقتة للأزمات إلى مرحلة “الاستدامة الأمنية”، يبرز مقترح إنشاء “منظمة أمن بحري إقليمية” دائمة تجمع دول الخليج والشركاء الأوروبيين. تهدف هذه المنظمة المؤسسية إلى صياغة سياسات أمنية بعيدة المدى، وإدارة نظام مراقبة تقني موحد يتجاوز حماية ناقلات الطاقة ليشمل تأمين كابلات الإنترنت وحماية البيئة البحرية. إن وجود هذا الهيكل المستقل يضمن استقرار التعاون الأمني ونأيه عن التقلبات السياسية في العواصم المختلفة، مما يوفر ركيزة صلبة لإدارة المجال البحري بفعالية، ويحول التحالف من مجرد رد فعل عسكري عابر إلى منظومة استراتيجية متكاملة تضمن تدفق التجارة العالمية واستقرار المنطقة.

بالموازاة مع ذلك، يمثل تطوير التدريبات العسكرية المشتركة بصفة دورية ركيزة أساسية لتعزيز الجاهزية الميدانية، شريطة شمولها سيناريوهات حديثة كالحروب السيبرانية والتصدي للطائرات المسيرة. هذه المناورات تخلق لغة تفاهم مشتركة وترسخ “الثقة المتبادلة” والشفافية في الأهداف الاستراتيجية بين الجانبين الأوروبي والخليجي. وتتطلب هذه الاستدامة التزامًا أوروبيًّا طويل الأمد وانفتاحًا خليجيًّا على مشاركة المسؤوليات، حيث تُبنى الثقة عبر تراكم الإنجازات الميدانية في مكافحة التهريب والقرصنة.مضيق هرمز وأمن الملاحة: أوروبا بين الوساطة الدبلوماسية ومخاطر الانخراط في التصعيد

**

3ـ الدفاع ـ الشراكة الأوروبية الخليجية.. هل تؤسس لمنظومة أمنية جديدة؟

تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واقعًا جديدًا على الخليج وأوروبا، الأمر الذي يدفع الجانبان إلى إعادة صياغة التعاون المشترك في ملفي الأمن والدفاع، بشكل يتناسب مع المعطيات السياسية والأمنية الراهنة على الساحة الدولية، لاسيما وأن هذه الحرب كشفت عن أهمية الممرات المائية وأمن الطاقة، والدور الاستراتيجي الذي تلعبه دول الخليج، وأكدت أيضًا على ضرورة انتقال العلاقة بين أوروبا والخليج من التعاون في قطاع الاقتصاد، إلى الشراكة الاستراتيجية في قطاعي الدفاع والتسليح، في ظل تراجع الثقة في الدور الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط وقارة أوروبا.

محددات بناء شراكة دفاعية فعالة بين أوروبا والخليج

– الإرادة السياسية: تؤكد تصريحات المسؤولين بالخليج وأوروبا، على رغبة الجانبين في تعميق التعاون الدفاعي. تمثل عملية أسبيدس، التي أطلقتها المفوضية الأوروبية، في 19 فبراير 2024، لحماية الممرات المائية ضد هجمات الحوثيين، دليلًا واضحًا على هذه الرغبة. وتعد هذه العملية استكمالًا لمهام “أتالانتا” لتعزيز أمن الملاحة. أطلق الاتحاد الأوروبي مع قطر، في 6 ديسمبر 2025، مفاوضات لإنشاء اتفاقية شراكة استراتيجية، كونها مرحلة محورية في العلاقات الثنائية.

منح المجلس الأوروبي، في 18 يوليو 2025، تفويضًا لبدء مفاوضات ثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي الست، لإبرام اتفاقيات شراكة استراتيجية شاملة، تهدف لتوفير إطار عمل طموح وفعال، يغطي بنود الأمن السيبراني، والتحول الرقمي، ومكافحة الإرهاب، والسياسة الخارجية والأمن. تمثل هذه الخطوة ترجمة لنتائج القمة الأوروبية الخليجية، التي عقدت في بروكسل، في أكتوبر 2024.

أصدرت ألمانيا يوم 20 مارس 2026، في أعقاب حرب إيران، رخصة تصدير عامة مؤقتة لتسليم معدات دفاع جوي وبحري إلى دول الخليج. أعلنت بريطانيا، في 10 أبريل 2026، إرسال بطاريات صواريخ “سكاي سيبر” وأنظمة دفاع قصيرة المدى، لدعم الحلفاء بالخليج. وقررت إطالة بقاء سرب “تايفون” مشترك مع قطر لتعزيز الدرع الجوي. قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 24 أبريل 2026، إن “أي تهديد لسفينة في مضيق هرمز هو تهديد لمصنع في بلجيكا”. يعد هذا التصريح تضامن أوروبي مع دول الخليج بعد حرب إيران.

جددت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، التضامن مع الخليج، مؤكدة على أن أمن الخليج وأمن أوروبا مترابطان. وقد ناقش الاتحاد الأوروبي، إمكانية توسيع مهام عمليات أوروبية بحرية، لتشمل تنسيقًا بحريًا مشتركًا مع الخليج. على الجانب الآخر، شدد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، في 5 مارس 2026، على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي. وأكد الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي، التزام دول الخليج بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين، على تثبيت استقرار المنطقة.

يرى يورن فليك، المدير الأول لمركز أوروبا التابع للمجلس الأطلسي، أن تعزيز انخراط أوروبا في الخليج، يتيح لها فرصة مهمة في المجال الدفاعي، لاسيما وأن شركات الدفاع الأوروبية من بين أكثر الشركاء فعالية ومرونة، ويمكنها أن توفر وسائل جديدة من حيث التكلفة لحلفاء الخليج للدفاع عن أنفسهم ضد أي هجمات مستقبلية من إيران.

يشير يورن فليك، إلى أن إدراك أوروبا لأهمية الدفاع عن مصالح الحلفاء بالخليج، سيدفعها إلى اتخاذ إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لمنع إيران من الهجوم على الخليج مجددًا، لاسيما وأن انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأوروبا، بشأن موقفها من حرب إيران، مثلت ضغطًا سياسيًا على القادة الأوروبيين لتقديم المساعدة للحلفاء بالمنطقة.

– التوافق الاستراتيجي: يتقاسم الخليج وأوروبا نفس المخاوف الأمنية. ويرى الجانبان أن تهديد إيران ببرامجها الصاروخية والنووية والأنشطة المزعزعة للاستقرار، يشكل خطرًا مباشرًا على أمنهما. أظهرت حرب الـ 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وحرب إيران الراهنة، توافق خليجي أوروبي على حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. تتوافق أولويات الطرفين على أهمية مكافحة الإرهاب وانتشار الأسلحة غير المشروعة، إذ تضمنت رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي لعام 2023، بندًا للتعاون مع الشركاء، لمنع وصول الأسلحة للمتطرفين. وتؤكد تصريحات المسؤولين الأوروبيين، أن استقرار الخليج ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي ولأمن أوروبا.

تسعى أوروبا إلى ترسيخ دورها، كقوة معتدلة محايدة تحسن من إنفاذ القانون الدولي في المنطقة، وتعزز من ردع دول الخليج الدفاعي، وتنويع شراكاتها الأمنية دون الاعتماد على واشنطن بشكل مطلق. عقد الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج في 2024، عدة لقاءات أمنية أبرزها؛ حوار أمن إقليمي في الرياض في يناير 2024، ومنتدى الأمن العالمي في لوكسمبورغ في أبريل 2024، والاجتماع الوزاري الطارئ، في مارس 2026، لبحث تداعيات حرب إيران على المنطقة.

– الإطار القانوني والمؤسسي: يتشكل التعاون الدفاعي بين أوروبا والخليج وفقًا لعدة اتفاقيات، من بينها اتفاقية التعاون 1988، التي تمثل الإطار القانوني الأول للشراكة، وتم تعزيز العلاقات بينهما بالاتصال الاستراتيجي في 2022. أطلقت المفوضية الأوروبية في يونيو 2022، خطة عمل مشتركة بعنوان “شراكة استراتيجية مع الخليج”. عملت هذه الخطة على بناء حوار سياسي- عسكري سنوي مع مجلس التعاون الخليجي، وإطلاق آليات تعاون لمراقبة الأسلحة والحد من انتشارها، ووسائل لإزالة الألغام والتعاون في الأمن البحري. في 19 يوليو 2022، وقعت فرنسا والإمارات مذكرات تفاهم، في مجالات التسليح والتدريب. ومؤخرًا، وافق مجلس حلف الناتو، في 14 فبراير 2026، على دعوة مجلس التعاون الخليجي للمحادثات الأمنية. مضيق هُرمز ـ ما هي المخاطر التي تواجه أوروبا في تأمين الملاحة البحرية؟

مجالات التعاون الدفاعي بين أوروبا والخليج

– الأمن البحري: تعد الفترة الممتدة من (2024-2026) نقطة تحول في الشراكة الأوروبية الخليجية بمجال الأمن البحري، استجابة للمتغيرات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، لاسيما في ظل إغلاق إيران لمضيق هرمز، والتلويح بإمكانية إغلاق باب المندب في حال عودة الحرب. استخدم الحوثيون في حرب غزة، البحر الأحمر كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها، بالتهديد واستهداف السفن العابرة من وإلى موانئ إسرائيل. منذ 28 فبراير 2026، وبعد شن واشنطن وتل أبيب الحرب ضد طهران، لجأت الأخيرة إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، وفي إطار التصعيد، فرضت واشنطن حصارًا على المضيق والموانئ الإيرانية، ما وضع الممرات المائية الحيوية تحت تهديد غير مسبوق.

يعد الأمن البحري نقطة أساسية في التعاون الدفاعي بين الاتحاد الأوروبي والخليج، نظرًا لاعتماد أوروبا على التجارة المنقولة بحرًا وإمدادات الطاقة العابرة لمضيق هرمز وباب المندب، ويمثل مضيق هرمز ممرًا حيويًا لاقتصاد وأمن دول الخليج، التي تعتمد عليه في تصدير النفط والغاز، واستيراد الغذاء والسلع الأساسية. يؤثر أي تهديد لهذا الممر المائي، على القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية، واستقرار إيرادات الخليج من الطاقة، ويرفع الأسعار في أوروبا والخليج. قرر الاتحاد الأوروبي، في فبراير 2026، تمديد تفويض عملية “أسبيدس” حتى 28 فبراير 2027، وتخصيص ميزانية إضافية قدرها (15) مليون يورو، لتغطية تكاليف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. بالتوازي مع هذه العملية، تستمر مبادرة “إيماسوه” وعملية “أجينور”، في دورهما بمضيق هرمز، لتحسين الوعي الظرفي البحري، وضمان حرية الملاحة بالخليج العربي وبحر عمان.

– الدفاع الجوي والصاروخي: يوضح ألبرت فيدال ريب، باحث مشارك في مجال صناعة الدفاع والمشتريات بالشرق الأوسط، أن شركات الدفاع الأوروبية وسعت من جهودها مع دول الخليج بعد 2018. في الإمارات، أقامت مجموعة “إيدج” مشاريع مشتركة مع شركات دفاعية أوروبية. وتركز “إيدج” على الشركات الأوروبية الصغيرة في قطاع الأنظمة غير المأهولة، تماشيًا مع خطواتها أن تصنف من أفضل (10) شركات دفاعية عالميًا بحلول 2030، ما يرجح توسع استثماراتها بالسوق الأوروبية. في السعودية، أطلقت شركة الصناعات العسكرية السعودية “SAMI”، مشاريع مشتركة مع شركاء أوروبيين. استحوذت مجموعة “نيو سبيس” السعودية، في 10 يوليو 2025، على منصة المراقبة الأرضية الفضائية “UP42″، وتدرس الاستحواذ على الهياكل التابعة لشركة “ليوناردو” الإيطالية، المشاركة في المراحل اللاحقة من برنامج المقاتلة ” GCAP”.

رغم اعتماد دول الخليج على الأنظمة الأمريكية مثل “باتريوت” ونظام “ثاد”، انتبهت في 2024 إلى منظومة “IRIS-T” الألمانية، التي أثبتت كفاءتها في حرب أوكرانيا. وشهد عام 2025 تحولًا في بحث دول الخليج عن بدائل أوروبية، نظرًا لنقص مخزونات الأسلحة الأمريكية وطول مدة تسليمها. منحت الأنظمة الأوروبية فرصة للتكامل مع أنظمة أسلحة أخرى دون الحاجة لاستبدالها. وقعت الدنمارك، في 21 أبريل 2026، أول عقد تصدير لمنظومة “SAMP/T NG” بقيمة (1.7) مليار دولار لـ (4) أنظمة، ما يعد إشارة إلى أن أوروبا أصبحت جاهزة بالنسبة لدول الخليج. تمثل هذه المنظومة، فرصة لتعزيز “حزام التعاون”، المبادرة الخليجية لربط أنظمة الرادار والإنذار المبكر عبر الدول الأعضاء. كشف تمرين “درع الخليج 2026″، حاجة دول الخليج إلى تحويل تنسيقها من مجرد مشتري لصفقات أسلحة، إلى هيكل إقليمي متكامل.

– الأمن السيبراني: مثل عام 2025، نقطة تحول في التعاون بين الخليج وأوروبا، في مجال الأمن السيبراني، في ضوء التحول الرقمي الذي تشهده دول الخليج ضمن رؤيتها 2030، وفي 1 أكتوبر 2025، عُقد “حوار الدبلوماسية السيبرانية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون” بالرياض، لبناء قنوات اتصال للاستجابة للحوادث السيبرانية العابرة للحدود، والتوافق على معايير دولية لمنع استخدام الفضاء السيبراني في تهديدات أمن الدول، وحماية البنية التحتية الحيوية مثل؛ مراكز البيانات، والكابلات البحرية، وأنظمة التحكم الصناعي.

لا يعد مشروع ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا “IMEC”، مجرد مسار تجاري، بل ممر رقمي استراتيجي يربط بين المنطقتين، عبر كابلات ألياف ضوئية تحت البحر وبنية تحتية للبيانات عالية السرعة. ويهدف إلى بناء نظام بيئي رقمي موحد بين أوروبا والخليج، وضمان أمن المكونات التقنية والبرمجيات المستخدمة في الأنظمة الدفاعية والمدنية الحيوية.

– مكافحة الإرهاب: تحول التعاون بين أوروبا والخليج في مكافحة الإرهاب، من مجرد بيانات إدانة إلى إنشاء آليات مؤسسية، وفي فبراير 2025، عقد أول اجتماع لمديري المباحث الجنائية والاستخبارات من دول الاتحاد ودول مجلس التعاون الخليجي، بأبو ظبي، لمناقشة التعاون الأمني في مكافحة الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية وتهريب المهاجرين. في أكتوبر 2025، أعلن مجلس الوزراء المشترك، عن التخطيط لعقد الاجتماع الأول لفريق عمل مكافحة الإرهاب بين الاتحاد ومجلس التعاون في 2026.

عبر وكالة “يوروبول”، يسعى التكتل الأوروبي للتعاون مع شركاء موثوقين بالخليج، لتبادل البيانات حول الأشخاص الذين يشكلون تهديدًا إرهابيًا. يشترك الطرفان في إجراءات محاربة التطرف، بتتبع التدفقات المالية غير المشروعة، بما في ذلك العملات المشفرة وأنظمة الدفع عبر الإنترنت. وتم إطلاق مبادرة “CT TECH+”، الممولة من التكتل الأوروبي، وتهدف لبناء قدرات سلطات إنفاذ القانون في الدول الشريكة لمواجهة التقنيات الحديثة التي يستغلها المتطرفون.

دور التكنولوجيا في تعزيز التعاون بين أوروبا والخليج

الذكاء الاصطناعي في الدفاع: اهتمت أوروبا بإدخال الذكاء الاصطناعي، في صناعات الدفاع، عبر تمويل صندوق الدفاع الأوروبي أنظمة ذكاء اصطناعي للاستخدام العسكري. بالمثل كانت دول الخليج، لاسيما الإمارات والسعودية، في مقدمة الدول التي تطبق الذكاء الاصطناعي في استثمارات ضخمة بشركات تكنولوجية. تصبح الشراكة بينهما فرصة، لاستفادة أوروبا من رأس المال الخليجي، واستفادة الخليج من التقنيات الأوروبية الحديثة. قد شاركت شركات أوروبية، في تطوير نظم تتبع وسيطرة وتشويش، بالطائرات المسيرة لصالح دول الخليج. وتعد شراكة “التحالف العالمي للذكاء الاصطناعي في الدفاع”، نقلة نوعية في التعاون بين أوروبا والخليج في هذا المجال.

 أنظمة المراقبة المتقدمة: تتعاون أوروبا والخليج في مجالات المراقبة، عبر الرادارات والأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة ومراكز القيادة والتحكم الذاتية. اشترت دول الخليج من أوروبا، طائرات مسيرة وأنظمة رادارات طويلة المدى. وأسست الإمارات بنية تحتية فضائية من الأقمار الصناعية، بالتوازي مع توسع أوروبا في بناء أنظمة الجيل الخامس، وستارلينك لمواجهة الطائرات المسيرة.

 الأمن السيبراني المشترك: أعلن قادة أوروبا والخليج، في أكتوبر 2024، على التزامهم بإنشاء منصة رفيعة المستوى للمناقشات السيبرانية، مما أسفر عن المسار “1.5” حول الدبلوماسية السيبرانية. يتبادل الجانبان الأوروبي والخليجي المعلومات في مجال الأمن السيبراني، لبناء الثقة وشراكات قوية لتقوية القدرات الدفاعية الرقمية. وظف الاتحاد الأوروبي موارده، لدعم جهود الخليج في التصدي للهجمات الإلكترونية. في فبراير 2025، انبثقت خطة عمل لإنشاء مكتب تعاوني أمني مشترك، لمراقبة التهديدات الإلكترونية. وساهمت دول الخليج في تأسيس فرق استجابة طارئة وطنية، عقب تلقي تدريبات مع خبراء أوروبيين. الحرب على إيران ودور الشراكة الأوروبية الخليجية ـ العربية في حماية الاستقرار الإقليمي. ملف

السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الأوروبية الخليجية

سيناريو الشراكة الاستراتيجية: في حال نجاح المفاوضات الجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، حول اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية، وتحولها لإطار عمل إلزامي، سيتجه الجانبان إلى إنشاء مكتب تنسيق دفاعي دائم، يربط وكالة الدفاع الأوروبية بالصناعات الدفاعية الخليجية، مع تطوير مشاريع بحثية مشتركة. من المحتمل، تعميق الاستثمارات الخليجية في قطاع الفضاء الأوروبي، ودمج أنظمة الرادارات الأوروبية مع شبكة “حزام التعاون” الخليجية، لإنشاء ورش جوية موحدة تمتد من جنوب أوروبا إلى بحر العرب، لتتحول العلاقة من المورد إلى الشريك.

سيناريو التعاون المحدود: يظل التعاون محصورًا في قضايا محددة، دون الوصول إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي. ومن المتوقع استمرار صفقات الأسلحة الأوروبية، لتنويع مصادر التسليح، بدلًا من الاعتماد على واشنطن، دون دمج الأنظمة الأوروبية بشكل هيكلي في عقيدة القتال الخليجية. قد يتأثر هذا التعاون الدفاعي، بالمتغيرات السياسية بالداخل الأوروبي.

سيناريو التنافس أو التباعد: في حال تعثر المفاوضات حول اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية، أو انشغال أوروبا بحرب أوكرانيا وتوسع الصراع مع روسيا، ما قد يجبرها على سحب الأصول البحرية والجوية من منطقة الخليج لتأمين حدود الناتو. وقد تتجه دول الخليج إلى شركاء أو منافسين للشركات الدفاعية الأوروبية، في أسواق أفريقيا وآسيا، مما قد يؤدي إلى فرض قيود أوروبية على التكنولوجيا الدفاعية لحماية تفوقها.

التحديات التي قد تعيق الشراكة الأوروبية الخليجية

– التباينات السياسية: يرى الاتحاد الأوروبي في روسيا أنها التهديد الأول لأمن أوروبا، بينما ترى دول الخليج في إيران ووكلائها بالمنطقة، التهديد المباشر لأمنها. كما تتقاطع ساحات الحروب، فالمسيرات الإيرانية التي تهاجم المنشآت الخليجية، هي نفسها التي تستخدم في حرب أوكرانيا، ما قد يخلق أرضية مشتركة للتعاون في مكافحة المسيرات. يفتقد الاتحاد الأوروبي قيادة موحدة قادرة، على اتخاذ قرارات عسكرية سريعة في الأزمات، في حين تسارع دول الخليج لتنويع شراكاتها وبناء تحالفات جديدة، ما قد يؤدي إلى تضارب في المصالح واختلاف في الرؤى.

 اختلاف أولويات الأمن: يركز التكتل الأوروبي على رفع الإنفاق الدفاعي لمستويات لم يشهدها منذ الحرب الباردة. وتسعى دول الخليج لتحويل إنفاقها الدفاعي إلى محرك للنمو الاقتصادي، ومن هنا تختلف الاستراتيجية الأمنية في التعامل مع التهديدات المحتملة، وربما أزمة مضيق هرمز وحرب إيران تشير إلى تباين الاستراتيجية، إذ تفضل دول أوروبا في مقدمتها ألمانيا وفرنسا، على خفض التصعيد بالدبلوماسية، بينما تبحث دول الخليج على ردود فعل سريعة وحماية عسكرية مباشرة.

– تأثير القوى الدولية الأخرى: يمثل النفوذ الصيني المتصاعد بالشرق الأوسط، تحديًا للاتحاد الأوروبي. تسعى الصين أن تقدم نفسها كحليف موثوق فيه، في مجالات الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا. ويجد الخليج أن الشراكة مع الصين، تحقق استقلالية لها في بعض المجالات عن الغرب، وتنوع مصادر التعاون مع الشركاء. تسهم العلاقة القوية بين روسيا والصين، في إيجاد الأولى موقعًا لنفسها بالمنطقة، لإبرام اتفاقيات تعاون وشراكة استراتيجية مع الخليج.

 توصيات استراتيجية

– إنشاء مجلس أمني أوروبي – خليجي: تتطلب الشراكة الاستراتيجية بين أوروبا والخليج، الانتقال من مرحلة الاجتماعات الوزارية الدورية، إلى تأسيس مجلس أمني أوروبي خليجي دائم، لتوفير قناة اتصال فورية وقت الأزمات، ولتنسيق المواقف الجيوسياسية في المحافل الدولية، وضمان استدامة التعاون العسكري دون الارتباط بأي متغيرات سياسية.

 تعزيز التكامل في الصناعات الدفاعية: ينبغي العمل على رفع مكانة دول الخليج لدى أوروبا، إلى دول شريكة في برامج الصناعات العسكرية والابتكار الأوروبية، والانتقال إلى التطوير المشترك للتقنيات الدفاعية الناشئة؛ مثل تقنيات الفضاء والأنظمة المأهولة، عبر استثمارات الصناديق السيادية الخليجية.

– بناء نظام إنذار مبكر مشترك: يتطلب التعاون الدفاعي بين أوروبا والخليج، بناء نظام إنذار مشترك، لمراقبة تهديدات المسيرات والصواريخ، ولبناء قدرات الجانبين في حماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية، لاسيما وأن مخزونات الأسلحة التقليدية معرضة للاستنزاف.

– توسيع التدريبات والمناورات العسكرية: إن مشاركة الاتحاد الأوروبي في المناورات العسكرية الكبرى بالخليج مثل؛ “درع الخليج”، و”إيجل ريزولف”، تحول لدوره من مجرد مراقب إلى مشارك وحليف رئيسي، ما يمنح الجانبان وضع رؤية مشتركة حول التعامل مع أي أزمات محتملة، ويسهل توقيع بروتوكولات عسكرية لتسهيل العمل الدفاعي المشترك بالمنطقة. الأمن الدولي ـ مسارات التقارب بين ألمانيا ودول الخليج، الدفاع والطاقة

**

تقييم وقراءة مستقبلية

– شكلت حرب إيران نقطة تحول في هيكلية الأمن الدولي، حيث أفضت إلى تقويض ركائز الهيمنة الأحادية، دافعة القوى الإقليمية نحو “الاعتماد الذاتي” وتوسيع شبكة التحالفات.

– من المرجح أن يتجاوز مفهوم الأمن التقليدي حدود الدفاع العسكري المباشر ليشمل “سيادة سلاسل التوريد” و”المرونة السيبرانية”، مع تحول دول الخليج عن المظلة الأمنية الأمريكية إلى فاعل استراتيجي يمتلك أدوات الردع الخاصة به، لاسيما في مجالي الدفاع الجوي والتقنيات المسيرة.

– من المحتمل أن تتعمق الفجوة “الأطلسية” نتيجة تزايد الضغوط الأمريكية، مما يدفع بروكسل نحو “استقلال قرارها الأمني”، عبر “هيئة أركان دفاعية أوروبية” موحدة، وزيادة وتيرة التسلح النوعي لتقليل الفجوة التقنية مع القوى العظمى.

– من المتوقع أن يجعل هذا التحول من أوروبا شريكًا لدول الخليج، حيث سيلتقي الطرفان عند نقطة المصالح المشتركة لتأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وتطوير بدائل طاقة مستدامة بعيدًا عن تقلبات السياسة الأمريكية الداخلية.

– ستصبح الحروب غير المتكافئة هي المعيار السائد في النزاعات المستقبلية. إن قدرة إيران على الحفاظ على ترسانتها الصاروخية والمسيرة رغم الاستهدافات المتكررة تفرض واقعًا جديدًا يتطلب استراتيجيات “ردع مرنة” لا تعتمد على الحروب التقليدية.

**

– لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه ممرًا للنفط التقليدي، بل سيتحول إلى مركز لوجستي عالمي للغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الأخضر لتلبية احتياجات أوروبا من الطاقة المتطورة. هذا التحول سيجعل من استقرار الملاحة فيه “شرطًا وجوديًّا” للنظام العالمي، مما سيؤدي إلى تضاؤل فاعلية التهديدات السياسية بإغلاقه، حيث سيعني ذلك انتحارًا اقتصاديًّا لكافة الأطراف الفاعلة والمشاطئة على حد سواء، مما يعزز حماية المصالح الاقتصادية المتبادلة.

– تنتقل الحساسية الجيوسياسية من صراع على المياه الإقليمية إلى صراع على “السيادة المعلوماتية”، ومن المتوقع أن تشهد المنطقة ولادة نظام مراقبة مشترك يعتمد كليًّا على الذكاء الاصطناعي والشبكات السحابية لرصد التهديدات قبل وقوعها. هذا التكامل التقني سيسهم في تذويب الحدود الجغرافية الضيقة للمضيق ملاحيًّا، حيث ستتم إدارة المرور العابر عبر بروتوكولات رقمية موحدة، مما يقلل من فرص الاحتكاك العسكري المباشر ويحول المضيق إلى منطقة “شفافة أمنيًّا” تحت رعاية دولية تقنية.

– سيتجاوز مستقبل التأمين في مضيق هرمز القيادة الأمريكية التقليدية نحو “تعددية أمنية” تضم القوى الآسيوية كالهند والصين كشركاء ميدانيين. سيلعب الدور الأوروبي المستقل دور الميزان الذي يمنع التصادم، حيث ستتحول بعثات مثل “أجينور” إلى نواة لقوة بحرية دولية دائمة. هذا التنوع سيخلق “توازنًا في الردع” يمنع أي قوة إقليمية من الانفراد بفرض واقع أمني معين، ويحول المضيق إلى ساحة للتعاون الدولي الجماعي بدلًا من كونه منطقة نفوذ لقوة عظمى وحيدة.

– تشير الاتجاهات إلى أن دول الخليج في المرحلة المقبلة ستقود مبادرات الأمن البحري ذاتيًّا، معتمدة على توطين التكنولوجيا الدفاعية وتطوير أساطيل مسيرة بالكامل، ولن يعود الارتهان للمضيق عائقًا استراتيجيًّا بفضل اكتمال شبكات أنابيب النفط العابرة للقارة، مما يمنح دول الخليج مرونة سياسية أكبر في التعامل مع التهديدات الإيرانية. هذا التحول سيعيد تعريف العلاقة مع الشركاء الغربيين لتصبح شراكة “ندية تقنية” بدلًا من علاقة “حماية لوجستية”، مما يمنح المنطقة استقلالًا أمنيًّا غير مسبوق.

– من المتوقع أن تشهد المنطقة طفرة في تكتيكات “الحرب غير المتماثلة” لتشمل الهجمات السيبرانية على الناقلات العملاقة والغواصات المسيرة الصغيرة التي يصعب رصدها. ستتحول مناطق القتل التقليدية إلى “مناطق نزاع تكنولوجي” تتطلب دفاعات ليزرية وأنظمة تشويش متطورة. هذا الكابوس العملياتي سيفرض على القوات الدولية تبني “قواعد اشتباك رقمية” تسمح بالرد الفوري على التهديدات غير الملموسة، مما يجعل التفوق العسكري في المضيق مرتبطًا بمدى التطور في برمجيات الدفاع الجوي والبحري أكثر من عدد القطع البحرية الضخمة.

ـ في ظل تصاعد التهديدات الإيرانية، يبرز احتمال تشكيل تحالف أوروبي–خليجي لحماية الملاحة في مضيق هرمز باعتباره خيارًا واقعيًا لتعزيز أمن الطاقة العالمي. مثل هذا التعاون قد يتم بدعم أو تنسيق غير مباشر مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، لكنه سيبقى مرتبطًا بحسابات سياسية معقدة وتوازن العلاقات مع إيران. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحالف سيعتمد على مدى توافق المصالح الأمنية وقدرة الأطراف على تجنب التصعيد العسكري في المنطقة.

**

– بات التعاون في مجالي الدفاع والتسليح بين أوروبا والخليج، يأخذ منحى جديدًا، أقرب إلى نموذج الشراكة الوظيفية العميقة، خاصة وأن المخاوف الأمنية بينهما تتشابه بعد حربي أوكرانيا وإيران، لاسيما وأن موقف الولايات المتحدة تجاه الحربين أثبت أنها تبحث عن أمنها أولًا، دون النظر إلى اعتبارات سياسية وأمنية أخرى تخص الشركاء بالمنطقة والحلفاء بأوروبا، الأمر الذي قد يجبر دول الخليج وأوروبا على إعادة النظر في التعاون بينهما، وتحويل الاجتماعات إلى منصات عملياتية مشتركة، لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوسيع التعاون بين الشركات الأوروبية والخليجية في مجال الدفاع.

– تمثل الشراكة في مجال الأمن البحري، الاختبار الأول للإرادة السياسية لدول أوروبا والخليج، بشأن تأمين الملاحة وسلاسل التوريد، في ظل مواجهة الجانبين تهديدًا لمستقبل أمن الطاقة. ومن المحتمل أن تعول دول الخليج على عمليات أوروبا البحرية في مضيق هرمز وباب المندب والخليج العربي، تحسبًا لأي تحولات في المشهد بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، وعلى الجانب الآخر، ستركز أوروبا جهودها، للحصول على موافقة دول الخليج للمشاركة في أي عمليات عسكرية مرتقبة، بشأن تأمين الممرات البحرية بالمنطقة، وإزالة الألغام من مضيق هرمز، في حال انتهاء الحرب ورفع إيران والولايات المتحدة حصارهما عنه.

– من المتوقع أن يشهد التعاون بين أوروبا والخليج، في مجال الدفاع الجوي والصاروخي تطورًا ملحوظًا، نظرًا لانشغال الولايات المتحدة بصراعات أخرى خارج المنطقة، ومواجهتها خطر نفاذ مخزون الصواريخ بعد حرب إيران، وتخوف دول الخليج من شن إيران أي هجمات مستقبلية. لتجد أوروبا فرصة هائلة، لإعادة تموضعها بشكل أفضل في المنطقة، وأن تقدم نفسها كمنافس للولايات المتحدة، في مسألة تأمين دول الخليج جويًا وبحريًا.

– إن تفوق أوروبا في الأمن السيبراني، قد يدفع دول الخليج إلى تعزيز التعاون معها في هذا المجال، لاسيما وأن الهجمات الإلكترونية، أصبحت جزءًا من الصراعات الدولية الحالية، وأداة في يد مجموعات الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة. ومن المرجح أن توجه دول الخليج استثماراتها لشركات أوروبية تكنولوجية، في المقابل ستقدم أوروبا خبراتها في التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، والتهديدات السيبرانية للبنية التحتية المدنية والعسكرية، للشركاء في الخليج، ما قد يؤدي لبناء درع أمني متعدد الأبعاد بين الطرفين.

– من المحتمل أن يعيق تباين المواقف السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، أي شراكات دفاعية واسعة مع الخليج، في مجال الدفاع والصناعات العسكرية، الأمر الذي قد يمنح الصين وروسيا فرصة لإبرام شراكات محتملة مع الخليج، لذا ستسعى أوروبا لإيجاد صيغ تفاهم بين دول الاتحاد، لتفعيل اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية المرتقبة مع الخليج، والاعتماد على الاتفاقيات الثنائية بين الدول، لتجنب أي تحديات لوجستية وسياسية في هذا المجال.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=118225

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

الهوامش

Exclusive: US intelligence assesses Iran maintains significant missile launching capability, sources say
https://tinyurl.com/3dvz56u4

Weakened by War, Iran Hits Back by Strangling a Vital Waterway
https://tinyurl.com/3dnru35n

Why Gulf countries want Ukrainian war know-how
https://tinyurl.com/mcr3rbpt

Europe and the Gulf at a strategic turning point
https://tinyurl.com/23mt3rep

**

Strategic GCC-EU Partnership: Opportunities and Challenges in a Complex Geopolitical Landscape

https://bit.ly/48CnsMW

What the European maritime initiative in the Strait of Hormuz tells us about Brussel’s security ambitions

https://bit.ly/4tRWKbM

What is Europe’s plan to secure the Strait of Hormuz?

https://bit.ly/4ul4h2v

The Strait of Hormuz Problem: What ‘Securing’ the Waterway Actually Requires

https://bit.ly/3RguqkK

Securing the Strait of Hormuz in Wartime: Military Options and Strategic Challenges

https://bit.ly/4n7C117

Economic Impact of the Strait of Hormuz Maritime Blockade

https://bit.ly/4epG2vE

Encouraging European Military Efforts to Reopen the Strait of Hormuz

https://bit.ly/4d025GH

Europe should fill the diplomatic vacuum on Iran

https://bit.ly/4dmfNFb

Europe should help in the Gulf to serve its own interests, regardless of Trump’s demands
https://bit.ly/4uL0V9x

**

Commission welcomes the adoption of the EU mandate by the Council to launch negotiations with the six GCC countries

https://shorturl.at/Fb5iD

Europe and the Gulf at a strategic turning point

https://shorturl.at/QFRWQ

Europe should help in the Gulf to serve its own interests, regardless of Trump’s demands

https://shorturl.at/7jZ1E

EU-GCC: Opening speech by High Representative Josep Borrell at the High-Level Forum on Regional Security and Cooperation

https://shorturl.at/z0jCU

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...