المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع والأمن الأوروبي ـ هل بدأت أوروبا مرحلة الاستقلال الدفاعي عن واشنطن؟
عكست قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة 2026 تحولًا واضحًا في المقاربة الأوروبية للأمن والدفاع، مع تصاعد الجهود لبناء قدراتٍ عسكرية أكثر استقلالًا عن واشنطن وتضمنت القمة قراراتٍ لتعزيز الإنتاج الدفاعي، وتطوير أنظمة التسليح، وتوسيع دعم أوكرانيا، في ظل استمرار تحديات البيئة الأمنية الأوروبية.
قمة أنقرة خطوة نحو إضفاء طابع أوروبي على الناتو
تُعد قمة أنقرة 2026 أول خطوةٍ نحو إضفاء طابعٍ أوروبي على حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتعتمد أوروبا بصورةٍ متزايدة على ضمان أمنها دون الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية. فبعد خمس سنواتٍ من حرب أوكرانيا وسنتين من التصريحات الحادة الصادرة عن البيت الأبيض في ظل الرئيس دونالد ترامب، أتاحت قمة الناتو في أنقرة لأوروبا فرصةً لإظهار أنها تأخذ مسؤولية دفاعها على محمل الجد. وخلال منتدى الصناعات الدفاعية في السابع من يوليو من العام 2026، أعلن الحلفاء الأوروبيون عن عقودٍ بقيمة 50 مليار دولار أمريكي (43 مليار يورو) للإنتاج والتوريد العسكري. وتشمل هذه العقود غواصاتٍ وأنظمة دفاعٍ جوي من طراز باتريوت وصواريخٍ اعتراضية وذخائر. ويُنظر إلى كل ذلك بوصفه دليلًا على أن الحلف يسير بصورةٍ موثوقة نحو تحقيق هدف تخصيص خمسة في المائة من الناتج الاقتصادي للدفاع بحلول عام 2035.
الاعتماد على طائرات استطلاع مصنعة أوروبيًا
من بين القرارات المهمة تكليف الناتو الشركة السويدية ساب بتصنيع طائرات استطلاع جديدة، لتحل محل نظام الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوًا (AWACS) المستخدم حاليًا، والذي يعتمد على طائراتٍ من إنتاج شركة بوينغ الأمريكية. كما أطلق الحلف مبادرة “Drone Hedge”، التي سترصد خلال السنوات الخمس المقبلة 40 مليار دولار أمريكي (35 مليار يورو) لتطوير قدرات التصدي للطائرات المسيّرة، على أن تغطي جميع دول الحلف. وتشمل المبادرة كذلك تجنيد الطيارين وتدريبهم، على أن يكون النظام متوافقًا بالكامل في جميع الدول الأعضاء. يقول الأمين العام للناتو مارك روته خلال منتدى الصناعات الدفاعية: “لقد أصبحت الطائرات المسيّرة عاملًا حاسمًا في ساحة المعركة. ونحن نرى ذلك في أوكرانيا، وفي الشرق الأوسط، وفي جميع أنحاء الحلف.” وتتزايد بصورةٍ ملحوظة محاولات الطائرات المسيّرة اختراق المجال الجوي لدول الناتو، ولا سيما فوق دول البلطيق، ما يضع الحلف تحت ضغطٍ للاستجابة بصورةٍ مرنة وفعالة من حيث التكلفة.
يقول دانييل فيوت، من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية: “من اللافت حجم العمل الذي أنجزه الحلفاء الأوروبيون خلف الكواليس في مجالي الدفاع وصفقات التسلح.” وأضاف: “إنهم يتعاونون بصورةٍ أوثق في مختلف القضايا الأمنية، وهذا بالضبط ما نحتاج إليه. نحتاج إلى المزيد من ذلك، ونحتاج إليه الآن بسرعةٍ فائقة.”
انتاج منظومات باتريوت في أوكرانيا
في خطوةٍ مهمة رحبت بها كييف، أبدى ترامب موافقته على منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية باتريوت. وقد أثبتت هذه المنظومات أنها أفضل وسائل الاعتراض ضد الهجمات الصاروخية الباليستية الروسية. وكانت كييف تضغط منذ فترةٍ طويلة للحصول على حق إنتاج هذه الأنظمة محليًا، إلا أن موافقة ترامب لم تكن مضمونة. يقول ترامب، بينما كان يجلس إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل اجتماعهما في أنقرة: “لقد أخبرني طائرٌ صغير أننا سنمنحهم الحق في تصنيع منظومات باتريوت. سنريهم كيف يتم ذلك. إنه أمرٌ معقد للغاية بالفعل، لكنكم ستفهمون هذا التعقيد بسرعة.” يرى ماكس بيرغمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن انفتاح ترامب في هذه القضية يُعد دليلًا على قوة أوكرانيا. وتابع: “لقد أصبح لدى الرئيس زيلينسكي وأوكرانيا الآن العديد من أوراق القوة، وأدرك ترامب أنه لم يعد قادرًا على ترهيب الأوكرانيين، لأن أوكرانيا شقت طريقها وأصبحت تتفاوض مباشرةً مع بروكسل.”
الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرات الحاسمة
لا تزال الهيمنة الأمريكية داخل الناتو واضحة. يؤكد نيكو لانغه، المحلل في Rasmussen Global، فإن الطابع الأوروبي للحلف لن يصبح واقعًا إلا عندما تتمكن الدول الأعضاء من “استبدال القدرات الاستراتيجية الأساسية للناتو بقدراتٍ أوروبية.” وتشمل هذه القدرات البنية التحتية العسكرية الأساسية التي تربط الجنود والقدرات العسكرية في جميع أنحاء الحلف، ومنها أنظمة التوقيت المعتمدة على الأقمار الصناعية، والملاحة، والحرب الإلكترونية الجوية، والقدرات على تنفيذ ضرباتٍ دقيقة في عمق أراضي الخصم. وأوضح لانغه أن رؤساء الدول والحكومات اعتبروا القمة ناجحةً إلى حدٍ كبير وخاليةً من الاضطرابات. لكنه شدد على أن أوروبا يجب أن تأخذ تهديدات ترامب المتكررة بشأن غرينلاند على محمل الجد، وأن تدرك طبيعته المتقلبة، إذ يمكنه في أي وقت تغيير مساره بصورةٍ كاملة وإلحاق الضرر بالحلف.
يوشح دانييل فيوت، أن أوروبا ستظل لبعض الوقت تعتمد على الولايات المتحدة بوصفها قوةً ضامنة لأمنها، لكنه شدد على أن الاتجاه نحو تقليل الاعتماد على واشنطن أصبح واضحًا. وأضاف: “لكن الاتجاه طويل الأمد واضح للغاية.” وتابع: “لن ننفق أموال دافعي الضرائب في أوروبا دون مقابل. والمقابل هو توفير الوظائف والقدرات التي ستنشأ داخل أوروبا، وأعتقد أن هذا هو المسار طويل الأمد للقارة.” وأضاف: “ومن الإشارات الإيجابية للغاية أن الأوروبيين أدركوا، على الأقل في مجال الإنتاج العسكري، أنهم بحاجة إلى إنفاق المزيد، وبصورةٍ تستهدف تطوير القدرات.”
نقل مارك روته الرسالة نفسها خلال مؤتمرٍ صحفي في السابع من يوليو 2026، حين حاول تصوير القمة على أنها قصة أوروبا تتحمل مسؤوليتها. وصرح روته: “يتم توفير قدراتٍ جديدة، والصناعة ترفع إنتاجها، والحلفاء الأوروبيون وكندا يتحملون مسؤوليةً أكبر عن أمننا المشترك.” وأضاف: “لقد تحرك الأوروبيون. وتحرك الاتحاد الأوروبي أيضًا، وأصبح الآن أكبر ممولٍ عسكري لأوكرانيا.” إلا أنه في بداية القمة بدا وكأن ترامب يتجاهل جهود شركائه الرامية إلى إقناعه.
ترامب يضغط على شركاء الناتو
وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قمة الناتو في أنقرة وهو في حالةٍ من الانزعاج. وأوضح أنه لم يكن راغبًا في الحضور، وقال للحلفاء إنه جاء فقط احترامًا لمضيف القمة، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وبعد وصوله مباشرةً، بدأ بتوبيخ الدول الأوروبية لأنها لم تدعم واشنطن في الحرب مع إيران. غير أن رواية ترامب بدت مبالغًا فيها. وخلال إحاطةٍ إعلامية، تدخل مارك روته بحذر لتصحيح الصورة، موضحًا أن رفض بعض الدول السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية الأوروبية كنقاط انطلاق لعملياتها الجوية ضد إيران كان “حالاتٍ فردية.” وأشار روته إلى أنه في ذروة الصراع أقلعت خمسة آلاف طائرة أمريكية من قواعدٍ أوروبية، مؤكدًا أن أوروبا كانت “مرةً أخرى منصةً رئيسية لإسقاط القوة الأمريكية.” وفي خطوةٍ أخرى كادت تعصف بالقمة، أعاد ترامب بصورةٍ مفاجئة إحياء مطلبه بأن “تسيطر” الولايات المتحدة على غرينلاند.
تتمتع الجزيرة إقليمًا بالحكم الذاتي وتتبع للدنمارك، العضو في الناتو، وقد تعاملت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن مع هذا التهديد بجدية. وقالت: “إن موقف الولايات المتحدة في هذه القضية واضح للأسف. أما موقفنا فهو واضح كما كان دائمًا: غرينلاند ليست للبيع. وآمل أن يحترم جميع الحلفاء حق شعب غرينلاند في تقرير المصير.” كما هاجم ترامب إسبانيا، إذ يوجه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز انتقاداتٍ علنية للحرب في إيران، كما يتردد في تحقيق هدف الناتو الجديد الخاص بزيادة الإنفاق الدفاعي بسرعة. وأعلن ترامب أنه سيطلب من حكومته وقف جميع العلاقات التجارية مع مدريد، قائلًا: “إسبانيا حالةٌ خاسرة. لا نريد إجراء أي معاملاتٍ تجارية معها على الإطلاق.”ومع ذلك، لم تظهر حتى نهاية القمة أي مؤشرات على تنفيذ مثل هذه السياسة. بل تبنى ترامب في ختام الاجتماع لهجةً أكثر تفاؤلًا. أكد ترامب عقب اجتماع مجلس شمال الأطلسي، وهو أعلى هيئة لاتخاذ القرار في الناتو: “هناك كلمةٌ واحدة ستبقى من هذا اليوم، وهي: الوحدة.” بل وصف القمة بأنها “اجتماعٌ رائع.”
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120779
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

