المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع والأمن الأوروبي ـ قراءة في التقرير السنوي بشأن تنفيذ البوصلة الاستراتيجية 2026
يشهد الاتحاد الأوروبي تسارعًا غير مسبوق في تطوير سياساته الدفاعية والأمنية، مدفوعًا بتدهور البيئة الأمنية وتصاعد التهديدات الجيوسياسية. ويواصل الاتحاد تعزيز قدراته العسكرية والتكنولوجية، وتوسيع شراكاته الدولية، ودعم الصناعات الدفاعية والابتكار، بما يرسخ طموحه في بناء منظومة أمنية أكثر جاهزية واستقلالية لمواجهة تحديات المستقبل.
إطلاق مشاريع جديدة تغطي مجالات استراتيجية واسعة
شهد العام 2025 إطلاق الموجة السادسة من مشروعات التعاون الهيكلي الدائم (PESCO)، والتي أسفرت عن إطلاق (11) مشروعًا جديدًا تغطي مجالات استراتيجية واسعة، من بينها الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي، إلى جانب تطبيقات ميدانية مثل مرافق العلاج الطبي العسكري. ويجري العمل على الانتهاء من المراجعة الاستراتيجية لبرنامج PESCO بهدف جعله أكثر فاعلية في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية، وضمان ارتباطه بأجندة الجاهزية الدفاعية الأوروبية، مع تحديث الالتزامات بين الدول الأعضاء.
أهمية متزايدة للابتكار الدفاعي
أولى الاتحاد الأوروبي أهمية متزايدة للابتكار العسكري والتقنيات المتقدمة، حيث عززت وكالة الدفاع الأوروبية مساهمتها في الابتكار الدفاعي قصير الأجل والبحوث طويلة الأجل، بما يساعد الدول الأعضاء على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي. وشمل ذلك تنفيذ أول حملة أوروبية لتجربة الأنظمة الذاتية، وتنظيم النسخة الثالثة من “أيام الابتكار الدفاعي الأوروبي”، ثم إطلاق منصة HEDI 2.0 التي توسع نطاق التجارب العملية، بما في ذلك مبادرة BraveTech EU.
وفي مجال البحث والتطوير، أصبحت الوكالة تدير أكثر من 280 مشروعًا دفاعيًا تعاونيًا بقيمة إجمالية تجاوزت 1.4 مليار يورو. واصلت المفوضية الأوروبية عبر برنامج EUDIS دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، والشركات الناشئة، والمؤسسات البحثية، بهدف تشجيع الابتكار الدفاعي وتقليل العقبات أمام دخول السوق. وخلال عام 2025 نُظمت فعاليات Hackathon في (16) موقعًا أوروبيًا بمشاركة أكثر من 800 شخص، كما أُطلقت برامج لتسريع الأعمال وربط الشركات بالمستثمرين والشركاء الصناعيين.
قدمت المفوضية في نوفمبر من العام 2025 خارطة طريق لتحول الصناعات الدفاعية الأوروبية، تهدف إلى تسريع إدماج التقنيات المتقدمة في القطاع العسكري. كما طُرح في مارس من العام 2026 برنامج AGILE التجريبي، الذي يهدف إلى تسريع إيصال التقنيات الدفاعية المبتكرة إلى القوات المسلحة الأوروبية بحلول عام 2027، مع توقع الانتهاء من المفاوضات التشريعية الخاصة به قبل نهاية عام 2026. لعب مكتب الابتكار الدفاعي الأوروبي في كييف دورًا مهمًا في ربط الشركات الناشئة الأوروبية بالصناعة الدفاعية والقوات المسلحة الأوكرانية، وساعد في تعريف الجهات الأوكرانية ببرامج التمويل الأوروبية، وتحديد العقبات والفرص أمام دمج الصناعات الدفاعية الأوكرانية ضمن القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الأوروبية.
تعزيز الاستقلال الاستراتيجي في قطاعي الفضاء والدفاع
واصل الاتحاد الأوروبي كذلك العمل على تحديد أوجه الاعتماد الاستراتيجي في قطاعي الفضاء والدفاع، من خلال مرصد التقنيات الحرجة، كما أصدر خلال عام 2025 خارطتي طريق تكنولوجيتين لتقنيات محددة، على أن تُقدم تقارير سرية إضافية حول ثلاث تقنيات جديدة للدول الأعضاء خلال يونيو 2026. بدأت المفوضية تنفيذ نظام جديد لأمن الإمدادات الدفاعية، يهدف إلى تمكين الاتحاد الأوروبي من توقع مخاطر انقطاع سلاسل التوريد والاستعداد لها والتخفيف من آثارها. كما قدمت المفوضية والممثل الأعلى في ديسمبر من العام 2025 وثيقة مشتركة لتعزيز الأمن الاقتصادي الأوروبي، تدعو إلى تحرك أكثر سرعة ووحدة في مواجهة المخاطر الاقتصادية الخارجية، مع الحفاظ على انفتاح الاتحاد على التجارة والاستثمار الدوليين.
خطة RESourceEU لتأمين المواد الخام الحيوية
توصل الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2025 في إطار تعزيز الأمن الاقتصادي، إلى اتفاق سياسي بشأن تعديل لائحة فحص الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحيث تصبح جميع الدول الأعضاء ملزمة بإنشاء آليات وطنية للفحص، مع توسيع نطاق التدقيق ليشمل بعض الاستثمارات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ومن المتوقع اعتماد اللائحة رسميًا خلال النصف الثاني من عام 2026. كما أُطلقت خطة RESourceEU لتأمين المواد الخام الحيوية وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية، خاصة في قطاعات الدفاع والطيران.
تعميق الشراكات على المستوى الدولي والإقليمي
على صعيد الشراكات الدولية، دفعت البيئة الجيوسياسية المتقلبة الاتحاد الأوروبي إلى تعميق شراكته مع حلف شمال الأطلسي، الذي لا يزال يشكل ركيزة الأمن الأوروبي الأطلسي. واستؤنف الحوار السياسي بين المؤسستين، وعُقدت سبعة حوارات هيكلية تناولت موضوعات تشمل المرونة، والتنقل العسكري، والتغير المناخي، والتقنيات الناشئة، والفضاء، والأمن السيبراني، والصناعة الدفاعية، إضافة إلى مكافحة الإرهاب والأمن البحري وبناء القدرات لدى الشركاء. كما استمر التنسيق الوثيق في دعم أوكرانيا، واتفق الجانبان على تمديد برنامج التمارين المشتركة PACE لعامي 2026 و2027.
واصل الاتحاد الأوروبي تعزيز تعاونه مع الأمم المتحدة، حيث اعتمد الطرفان أولويات مشتركة جديدة للسلام والأمن في سبتمبر 2025، كما عُقد الحوار الاستراتيجي السنوي بشأن منع النزاعات والوساطة في يناير 2026. واستمر التنسيق الميداني بين بعثات الاتحاد والأمم المتحدة في مناطق مثل جمهورية إفريقيا الوسطى. كما بقي الاتحاد ملتزمًا بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا رغم التحديات الأمنية المتزايدة في القارة الأوروبية.
شهد التعاون مع الاتحاد الإفريقي تطورًا ملحوظًا، إذ واصل الاتحاد الأوروبي تمويل عمليات دعم السلام الإفريقية عبر مرفق السلام الأوروبي، كما التزم الطرفان خلال الحوار الثاني بشأن الدبلوماسية الوقائية والوساطة بتعزيز التعاون في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى ومنع العنف الانتخابي وتعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن. كما توسع التعاون مع رابطة دول جنوب شرق آسيا ومجلس التعاون الخليجي في مجالات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني وعدم الانتشار والاستجابة للكوارث.
على المستوى الثنائي، أوضح التقرير أن الاتحاد الأوروبي بات يجري حوارات أمنية ودفاعية مع (45) شريكًا حول العالم، تشمل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وعدم الانتشار، والفضاء، والأمن البحري. كما وقع الاتحاد شراكات أمنية ودفاعية جديدة مع المملكة المتحدة وكندا في عام 2025، ومع الهند وآيسلندا وأستراليا وغانا خلال الربع الأول من عام 2026.
استمرت العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وشملت التنسيق بشأن دعم أوكرانيا، والحوار حول الفضاء، وعدم الانتشار، واستمرار مشاركة الولايات المتحدة في مشروع التنقل العسكري الأوروبي ضمن PESCO. كما توسع التعاون مع النرويج في مجالات الأمن الفضائي والوساطة والسلام والتنقل العسكري والأمن السيبراني، وواصلت النرويج مساهماتها المالية في مرفق السلام الأوروبي ومشاركتها في بعثات الاتحاد المختلفة.
شهد التعاون مع المملكة المتحدة دفعة جديدة بعد توقيع شراكة أمنية ودفاعية في مايو 2025، تبعها أول حوار للسياسة الخارجية والأمنية، ومشاورات حول أوكرانيا والبلقان الغربي والتهديدات الهجينة، ثم أول حوار دفاعي رسمي في مارس 2026. ووقع الاتحاد أيضًا شراكة دفاعية مع كندا، إلى جانب استمرار التعاون مع سويسرا وآيسلندا في الأمن البحري والهجين والسيبراني، وتحديث اتفاقيات التعاون مع وكالة الدفاع الأوروبية.
بات أمن الاتحاد الأوروبي بات مرتبطًا بصورة وثيقة بأمن الدول المرشحة للانضمام، وفي مقدمتها أوكرانيا ومولدوفا وأرمينيا. فقد ظل الاتحاد أكبر مقدم للمساعدات العسكرية والمالية والإنسانية لأوكرانيا، إذ تجاوز إجمالي الدعم العسكري (70) مليار يورو، كما يجري تنفيذ قرض دعم بقيمة (90) مليار يورو، مع استثمار أرباح الأصول الروسية المجمدة في دعم الصناعة الدفاعية الأوكرانية. واستمرت كذلك برامج تعزيز المرونة السيبرانية الأوكرانية عبر آلية تالين.
وفي مولدوفا، قدم الاتحاد مساعدات عسكرية بقيمة 197 مليون يورو منذ عام 2021 لتعزيز قدرات القوات المسلحة، إلى جانب دعم مواجهة الهجمات الهجينة والتهديدات السيبرانية. أما في أرمينيا، فقد اعتمد الاتحاد حزمة مساعدات جديدة بقيمة 20 مليون يورو لتعزيز القدرات اللوجستية للقوات المسلحة، كما وُقعت اتفاقية مشاركة تسمح بانضمام أرمينيا إلى بعثات وسياسات الأمن والدفاع الأوروبية.
وفي منطقة البلقان الغربية، واصل الاتحاد دعمه عبر بعثة EUFOR Althea وبعثة EULEX Kosovo، مع تنظيم حوارات أمنية مع ألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية، وتوقيع خطة عمل جديدة لمنع الإرهاب والتطرف العنيف. كما عزز الاتحاد حضوره في الجوار الجنوبي، حيث قدم 60 مليون يورو لدعم القوات المسلحة اللبنانية، و35 مليون يورو لتعزيز الدفاع الجوي الأردني، وأطلق حوارات أمنية مع الأردن ومصر.
وفي إفريقيا، خصص الاتحاد أكثر من مليار يورو منذ إنشاء مرفق السلام الأوروبي لبناء قدرات القوات المسلحة الإفريقية، مع تقديم دعم لعدد من الدول مثل الرأس الأخضر، وساحل العاج، والسنغال، وتوغو، وجيبوتي، وتشاد، وموريتانيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما استمرت العمليات البحرية الأوروبية في خليج غينيا بالتنسيق مع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، مع توسيع التعاون مع دول مثل البرازيل.
وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، عزز الاتحاد شراكاته مع اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وأستراليا، والفلبين، وفيتنام، وتايلاند، مع التركيز على الأمن البحري، والأمن السيبراني، والفضاء، وعدم الانتشار، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية. كما رفع مستوى علاقاته مع فيتنام إلى شراكة استراتيجية شاملة، وأطلق حوارات أمنية مع تشيلي والبرازيل في أمريكا اللاتينية، ووسع شبكة المستشارين العسكريين في بعثاته الخارجية.
يؤكد الاتحاد الأوروبي أن السنوات الأربع الماضية حققت جزءًا كبيرًا من أهداف البوصلة الاستراتيجية، إلا أن البيئة الأمنية تدهورت بوتيرة أسرع من التوقعات، الأمر الذي يستدعي رفع مستوى الطموح الأوروبي. وأوصي الاتحاد الأوروبي بتعزيز فعالية بعثات وسياسات الأمن والدفاع المشتركة، وتطوير الهياكل القيادية، وزيادة القدرات الاستخباراتية، ومواجهة التهديدات الهجينة، وتسريع تنفيذ أجندة الجاهزية الدفاعية، وتعميق التعاون مع أوكرانيا، وزيادة تمويل الدفاع، وتوسيع الشراكات الثنائية والإقليمية ومتعددة الأطراف، بما يجعل الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المستقبلية.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=120434
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
