المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع والأمن الأوروبي ـ إلى أين تتجه الشراكة بين أوروبا وواشنطن داخل الناتو؟
تسعى أوروبا إلى تسريع بناء قدراتها الدفاعية مع استعداد واشنطن لإعادة توزيع قواتها وأصولها العسكرية خارج أوروبا. ويؤكد الناتو أن نجاح هذا التحول يعتمد على قدرة الحلفاء الأوروبيين على سد الفجوات العسكرية وتعزيز الصناعات الدفاعية دون الإخلال بقوة الردع.
هل نجحت قمة أنقرة؟
يرى العديد من الخبراء أن قمة الناتو في أنقرة ناجحة، إذ جاءت قصيرة، وأكدت التزام الحلف بالمادة الخامسة ودعمه المستمر لأوكرانيا، دون أن تطغى أحداث الشرق الأوسط على جدول أعمالها. لم يحدد البيان الختامي موعدًا أو مكانًا للقمة المقبلة، خلافًا للتقليد المتبع في قمم الناتو. أوضح الأمين العام للناتو مارك روته أن الترتيب المتفق عليه يقضي بعقد القمة المقبلة في أنقرة، تليها قمة في ألبانيا، لكن الحلفاء لم يحسموا بعد موعد انعقادهما. تشير مصادر دبلوماسية إلى أن ألبانيا لا تزال مرشحة لاستضافة القمة المقبلة إذا اتُّخذ القرار خلال العام 2026، مع احتمال تأجيل موعدها لإتاحة الوقت اللازم للتحضيرات.
انسحاب القوات الأمريكية من أوروبا سيكون تدريجيًا
صرح رئيس اللجنة العسكرية للناتو، الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني: ” إن انسحاب القوات الأمريكية من أوروبا سيكون تدريجيًا ومنسقًا، ولن يضعف قدرة حلف شمال الأطلسي (الناتو) على الردع إذا تحرك الحلفاء الأوروبيون بسرعة لسد فجوات القدرات العسكرية الحيوية”. ومع تزايد توجه واشنطن لتحويل اهتمامها وأصولها العسكرية إلى مسارح عملياتٍ أخرى، تصاعدت المخاوف بشأن قدرة أوروبا على تعويض القدرات التي وفرتها الولايات المتحدة الأمريكية لفترةٍ طويلة. إلا أن كافو دراغوني أكد أن هذه العملية تُدار بالفعل بعناية. وتابع: “الخطة موجودة”. واصفًا مستوى “التنسيق الكامل” بين الناتو والولايات المتحدة الأمريكية بشأن إعادة تموضع القدرات العسكرية الأمريكية. ورأى أن الأمر لا يتعلق بانسحاب، بل إن “واشنطن تعيد ببساطة تخصيص الأصول لمناطق مختلفة. وما دام الحلفاء يحصلون على إشعارٍ مسبقٍ كافٍ، فإن أوروبا تمتلك القدرة على التعويض.” وأضاف: “يمتلك الحلف القدرات اللازمة لاستيعاب هذا التحول.”
استبدال القدرات الاستراتيجية الأمريكية
اجاب كافو دراغوني عند سؤاله عن القدرات التي ينبغي لأوروبا إعطاؤها الأولوية، إلى ما يُعرف بـ “القدرات الاستراتيجية المُمكِّنة” التي اعتمدت تاريخيًا بدرجةٍ كبيرة على الدعم الأمريكي. وقال: “نتحدث عن التزود بالوقود جوًا، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، والمراقبة، والاستطلاع (ISR)، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل.” ورأى أنه ينبغي لأوروبا ألا تحاول ببساطة استنساخ القدرات الأمريكية بصورةٍ مطابقة. وبدلًا من ذلك، ينبغي للناتو تحقيق توازنٍ بين تحديث المنصات التقليدية، مثل الدبابات والطائرات والقدرات البحرية، وبين الاستثمار في التقنيات التي غيّرت طبيعة ساحة المعركة في أوكرانيا، ولا سيما الطائرات المسيّرة، والأنظمة الذاتية، والأسلحة الدقيقة منخفضة التكلفة. وأكد إن التقنيات الناشئة يمكن أن تحقق “التأثيرات نفسها” بتكلفةٍ أقل بكثير وبأعدادٍ أكبر. ورأى الأدميرال أنه بدلًا من السعي إلى امتلاك أكثر المنصات تطورًا، ينبغي للجيوش الغربية في بعض الأحيان التفكير في أنظمة “جيدة بما يكفي” يمكن إنتاجها بسرعة وعلى نطاقٍ واسع. وأضاف: “لقد رأينا ذلك في أوكرانيا.” معتبرًا أن الكمية والقدرة على تحمل التكلفة أصبحتا تكتسبان أهميةً استراتيجيةً لا تقل عن التطور التكنولوجي.
مشكلة في المشتريات العسكرية
يأتي هذا النقاش في وقتٍ يدفع فيه الناتو قطاع الصناعات الدفاعية إلى تحويل الزيادات في الميزانيات العسكرية إلى قدراتٍ فعلية. وبينما يرى كافو دراغوني أن الصناعة تستجيب بصورةٍ إيجابية، فإنه حذر من أن الطاقة الإنتاجية ليست سوى جزءٍ من المشكلة. وأكد: “هناك زخم.” واصفًا نتائج منتدى الصناعة الذي عُقد على هامش قمة الناتو يوم الثلاثاء، لكنه أضاف: “إلا أن الإنتاج بالأعداد التي نحتاجها لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا.” وعلى نحوٍ أكثر جوهرية، اعتبر أن إجراءات المشتريات العسكرية تُعد إحدى أكبر العقبات أمام الناتو. وأوضح أن عمليات الاعتماد والتأهيل وإجراءات الشراء تستغرق في كثيرٍ من الأحيان سنوات، وهو ما يخلق اختناقاتٍ تتعارض بصورةٍ متزايدة مع وتيرة الابتكار التكنولوجي وطبيعة الحروب الحديثة.
قال دراغوني إن أوكرانيا تؤكد “للأسف” فعالية التقنيات الجديدة مباشرةً في ساحة المعركة. ومن أجل مساعدة كييف وتسريع تطوير القدرات العسكرية، يجب على الناتو إيجاد “حلٍ وسط” يسرع بصورةٍ كبيرة إجراءات الاعتماد دون الإخلال بالمعايير. وأضاف: “لا ينبغي أن يضطر أيُّ معدّاتٍ جرى اعتمادها في إحدى دول الناتو إلى تكرار إجراءات الموافقة الطويلة في دولةٍ أخرى.”
أشار دراغوني إلى أن المنطق نفسه ينبغي أن ينطبق على التعاون مع قطاع الصناعات الدفاعية الأوكراني الذي يشهد توسعًا سريعًا. ومع تطوير الشركات الأوكرانية أسلحةً أكثر تطورًا في ظل ظروف الحرب، أعربت بعض الشركات الأوروبية المصنعة، بصورةٍ غير علنية، عن مخاوفها من المنافسة المستقبلية. إلا أن كافو دراغوني رفض هذه المخاوف. وقال: “إذا استُخدمت هذه المعرفة وهذه القدرات من أجل المصلحة المشتركة، فإنها تمثل قيمةً مضافةً لا يمكننا تجاهلها.” وأضاف أن حماية الصناعات المحلية عبر إبطاء دمج أوكرانيا “سيكون خطأً” في وقتٍ تحتاج فيه أوروبا بصورةٍ ملحة إلى توسيع قدراتها الإنتاجية.
الاتحاد الأوروبي والناتو يؤديان مهام مختلفة
وفي ما يتعلق بالنقاش الأوسع حول تنامي الدور الدفاعي الأوروبي، رفض كافو دراغوني فكرة أن يؤدي تعزيز القدرات الأوروبية إلى إضعاف الناتو. وأضاف إن الحلف “ينبغي أن يظل مسؤولًا عن التخطيط العسكري، والقيادة، والعمليات، في حين أن الاتحاد الأوروبي في وضعٍ أفضل لتعزيز السياسة الصناعية، وتنظيم قطاع الدفاع، والتنقل العسكري، والمشتريات.” وتابع أن المؤسستين “مكملتان لبعضهما البعض”، محذرًا من تكرار الهياكل المؤسسية. كما رفض الاقتراحات التي تشير إلى أن أوروبا قد تطور مستقبلًا قواتٍ مسلحة فوق وطنية خاصة بها، واصفًا هذه الفكرة بأنها “خارج نطاق النقاش.” وأضاف: “حتى الناتو نفسه لا يمتلك جيشًا.” مشيرًا إلى أن الجيوش الوطنية تظل صاحبة السيادة، ولا تقدم قواتها إلى الحلف إلا عند الحاجة. وعندما سُئل عما إذا كان الناتو قد يعتمد مستقبلًا هياكل حوكمةٍ جديدة تمنح الحلفاء الأوروبيين قدرًا أكبر من الاستقلالية داخل الحلف، أجاب كافو دراغوني إن مثل هذه المناقشات لا تزال سابقةً لأوانها.وأضاف: “لم نفكر في ذلك بعد. دعونا أولًا نرى كيف سيتطور المسار الحالي”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120783
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

