خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
هل يُضعِف الخلاف الأوروبي بشأن الضمانات الأمنية موقف أوكرانيا التفاوضي؟
في ظل التوترات المتواصلة على الجبهة الشرقية لأوروبا والحرب الدائرة منذ سنوات بين روسيا وأوكرانيا، تتضافر الجهود الدولية، وخاصة الأوروبية والأميركية، من أجل صياغة ضمانات أمنية مستدامة تضمن عدم تكرار هجوم روسي على الأراضي الأوكرانية في حال التوصل إلى اتفاق سلام محتمل بين الطرفين.
تسعى دول الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع الولايات المتحدة إلى استباق نتائج أي تسوية سياسية من خلال التوافق على خطة شاملة تتضمن نشر “قوة رادعة” متعددة الجنسيات، تكون مهمتها طمأنة الأوكرانيين وردع روسيا عن أي محاولات هجومية مستقبلية.
يأتي هذا التحرك في وقت يُنتظر فيه احتمال انعقاد لقاء بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال العام 2025، وهو لقاء إن تحقق قد يمثل بداية لمسار تفاوضي جديد نحو إنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2022.
تحالف الراغبين: حراك دبلوماسي وعسكري متسارع
منذ فبراير 2022، بدأت نحو 30 دولة في إجراء مشاورات مكثفة تحت مظلة ما يعرف بـ”تحالف الراغبين”، وهو إطار تنسيقي غير رسمي يضم الدول المستعدة لتقديم مساهمات ملموسة في الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا.
وقد تم تداول فكرة إنشاء “قوة طمأنة” تتولى مهام غير قتالية، مع استبعاد نشر أي عناصر في خطوط الجبهة أو داخل الأراضي المتنازع عليها. بل إن تموضع هذه القوات سيكون في المناطق الآمنة نسبياً داخل أوكرانيا، بهدف تعزيز الاستقرار، ودعم القدرات الدفاعية للجيش الأوكراني.
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن رؤساء الأركان في عدة دول يعملون بالفعل على بلورة تفاصيل هذه المهمة ضمن إطار “تحالف الراغبين”. وأوضح أن العديد من الدول أبدت استعدادها للمشاركة، سواء في مجالات التدريب أو الدعم اللوجستي، وحتى في نشر قوات في المناطق غير الساخنة.
الموقف الأميركي: دعم مشروط بعدم نشر قوات
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يبدو أكثر تحفظًا من حلفائه الأوروبيين، أعلن بشكل قاطع أن بلاده لن ترسل قوات برية إلى أوكرانيا. ومع ذلك، أشار إلى أن نحو عشر دول أخرى مستعدة لإرسال وحدات عسكرية، وهو ما يؤكده تقرير نشرته وكالة بلومبرغ.
فرنسا وبريطانيا تقودان الجهود
فرنسا والمملكة المتحدة، بصفتهما الرئيسين المشاركين لـ”تحالف الراغبين”، تؤديان دورًا رئيسيًا في هذا المسعى. وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أعلن في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في أغسطس 2025، أن بلاده مستعدة لإرسال قوات إلى أوكرانيا، وذلك بهدف طمأنة الأوكرانيين وتعزيز ثقتهم بالتحالفات الدولية.
أوضح: “أن القوات البريطانية قد تضطلع بمهام تتعلق بالدفاع الجوي والبحري، إضافة إلى تدريب القوات المسلحة الأوكرانية”. ومن المنتظر أن يُعزّز قائد القوات المسلحة البريطانية، توني رادكين، هذا الموقف خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن ولقائه كبار القادة العسكريين الأميركيين.
مساهمات أوروبية إضافية: البلطيق وبلجيكا في المقدمة
أعلنت بلجيكا ودول البلطيق، ليتوانيا وإستونيا، استعدادها الواضح للمساهمة في القوة الدولية. صرّح داينوس زيكيفيشيوس، مستشار رئيس ليتوانيا: “أن المهمة قد تكون مشابهة لمهام حلف شمال الأطلسي السابقة، مثل تلك التي نُفذت في أفغانستان”. وأشار إلى أن النقاش لا يزال قائمًا حول عدد القوات التي يمكن إرسالها، دون الكشف عن أرقام محددة .
أكدت رئيسة وزراء إستونيا، كيرستن ميشال استعداد بلادها لإرسال قوات، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة الاستمرار في مناقشة التفاصيل الفنية والتنظيمية المتعلقة بهذه المهمة.
التحفظ والتردد: لاتفيا والسويد تنتظران المزيد من الإيضاحات
أما لاتفيا، الدولة الثالثة في منطقة البلطيق، فلم تحسم موقفها بعد. وقال الرئيس إدغارز رينكيفيتش: “إن بلاده ستتخذ قرارها بشأن المشاركة بناءً على نوع الضمانات الأمنية التي سيتم التوصل إليها في الاتفاق النهائي”. وأشار إلى: “أن تحديد الدور اللاتفي سيتبع أي اتفاق سلام”.
أعربت السويد بدورها عن ترددها، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى مزيد من التوضيح بشأن طبيعة المهمة التي يتم الإعداد لها، سواء كانت مهمة حفظ سلام أو مهمة ردع أو طمأنة.
معسكر الرافضين: ألمانيا والمجر وبولندا وإيطاليا
أبدت دول أوروبية مواقف أكثر تحفظًا أو حتى رفضًا صريحًا لفكرة إرسال قوات إلى أوكرانيا. فقد أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول أن بلاده لا تملك القدرة الكافية لنشر قوات، لكنها ستسهم بطرق أخرى في توفير ضمانات أمنية، مثل الدعم الاستخباراتي أو اللوجستي أو الإنساني. أما الحكومة المجرية بقيادة فيكتور أوربان، فقد جددت رفضها القاطع لأي مشاركة عسكرية في أوكرانيا، مؤكدة أنها لن ترسل قوات ولن تقدم أي دعم عسكري مباشر.
شدد نائب رئيس الوزراء البولندي على أن بلاده لن تنشر قواتها في أوكرانيا، معتبرًا أن مهمتها الأساسية هي الدفاع عن الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، والمساهمة في الدعم اللوجستي لجارتها المتضررة. من جانبها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في تصريحات سابقة: أن إرسال قوات إيطالية إلى أوكرانيا غير مطروح على الإطلاق، رغم تأييدها لمواصلة دعم كييف دبلوماسيًا وإنسانيًا”.
مواقف وسطية: دعم بدون قوات
بعض الدول الأوروبية مثل هولندا وإسبانيا أعربت عن رغبتها في المساهمة في تقوية الضمانات الأمنية، سواء من خلال الدعم الفني أو العسكري غير القتالي، لكنها أكدت أن خططها لا تشمل إرسال قوات برية إلى الأراضي الأوكرانية.
النتائج
يعكس الحراك الأوروبي الأميركي لإرسال “قوة رادعة” متعددة الجنسيات إلى أوكرانيا تحوّلًا تدريجيًا في نهج الأمن الجماعي، يتمحور حول ردع روسيا دون الانخراط المباشر في أعمال قتالية.
ورغم تباين المواقف داخل الاتحاد الأوروبي، من الحماسة البريطانية–الفرنسية إلى الرفض الألماني–المجري، فإن الاتجاه العام يسير نحو بناء مظلة أمنية تجمع بين الدعم العسكري غير المباشر والوجود الرمزي لقوات في مناطق آمنة.
يبقى نجاح هذه المبادرة مرهونًا بعدة عوامل: أولها مصير المفاوضات المحتملة بين كييف وموسكو، وثانيها التنسيق داخل “تحالف الراغبين” لضمان عدم تضارب المهام أو الرسائل، وثالثها قدرة القوة على تحقيق توازن بين الطمأنة وعدم استفزاز روسيا.
مستقبليًا، إن تنفيذ هذه الخطة قد يرسي سابقة أوروبية في التدخل الوقائي خارج مظلة الناتو، ويفتح الباب أمام نماذج أمنية جديدة في مناطق النزاع.
أما فشلها، فقد يعمّق الانقسامات الأوروبية ويقوّض ثقة الأوكرانيين بحلفائهم، وهو ما قد تستغله روسيا لتعزيز موقعها التفاوضي أو الميداني. من هنا، ستشكل الأشهر القليلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لجدية الالتزامات الغربية ومتانة الجبهة الموحدة في مواجهة موسكو.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107887
