خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل يمكن لألمانيا قيادة التحوّل الدفاعي الأوروبي؟
سافرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إلى برلين في 13 يناير 2026 للقاء وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في وزارة الدفاع الألمانية، لمناقشة استمرار الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، والضمانات الأمنية، وما وصفه بيستوريوس بـ”مسألة القطب الشمالي”. يقول الوزير الألماني: “إن الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف محتمل لإطلاق النار لا تزال جارية، على الرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن مشاركًا فيها”. وبحسب بيستوريوس، فقد أوضح بوتين موقفه “بشكل واضح للغاية”، بما في ذلك من خلال التصريح بأن أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا ستعامل على أنها “أهداف مشروعة”.
ألمانيا ستواصل دعم أوكرانيا
أكد بيستوريوس: “إن ألمانيا ستواصل دعم أوكرانيا ولن تتخلى عن كييف”، مشيرًا إلى مبلغ 11.5 مليار يورو الذي تقدمه برلين لأوكرانيا خلال العام 2026. وفقًا لتقرير تتبع الدعم لأوكرانيا الذي أعده معهد كيل للاقتصاد العالمي، قدمت أوروبا أكثر من 130 مليار يورو كدعم لكييف منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022 وحتى أكتوبر 2025. يشمل هذا الرقم مساهمات من مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء الفردية، مما يجعل المساهمات الأوروبية متقدمة على مساهمات الولايات المتحدة، التي تعهدت بتقديم حوالي 115 مليار يورو منذ فبراير 2022.
توقفت ألمانيا عن تقديم تفاصيل علنية عن مساعداتها العسكرية لأوكرانيا منذ أن تولى المستشار فريدريش ميرز منصبه في مايو 2025. وتهدف سياسة الغموض الاستراتيجي إلى منع روسيا من معرفة الأسلحة التي يتم توريدها مسبقًا. ومع ذلك، أعلنت الحكومة عن العديد من الاستثمارات في قطاع الدفاع الأوكراني في محاولة لتعزيز صناعة الأسلحة في البلاد وتمكينها من إنتاج أسلحتها بعيدة المدى، لكن لم يتم الكشف عن تفاصيل الشركات وأنظمة الأسلحة المعنية. ولضمان تحقيق أقصى استفادة من كل يورو، أكد بيستوريوس على أهمية التكامل الوثيق بين الصناعات الدفاعية الأوروبية والأوكرانية. وأضاف بيستوريوس: “إن ألمانيا قد اكتسبت بالفعل تجربة إيجابية من هذا النهج، وتعتزم تطبيق تلك الدروس على قواتها المسلحة”.
التعاون عبر الأطلسي
اضطر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية ليس فقط بسبب الحاجة إلى ردع هجوم روسي محتمل على أراضي الناتو، ولكن كذلك بسبب الضغط المتزايد على الوضع الأمني في القطب الشمالي، ولا سيما تهديدات إدارة ترامب بضم غرينلاند. أوضح بيستوريوس: “إن غرينلاند، باعتبارها إقليمًا دنماركيًا، تقع ضمن منطقة مسؤولية الناتو”. تابع بيستوريوس: “إن الجزيرة يجب حمايتها وستتم حمايتها”، مؤكدًا من جديد التزام ألمانيا الثابت بالسلامة الإقليمية وسيادة مملكة الدنمارك.
بحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة فورسا بتكليف من مجلة شتيرن الألمانية، فإن أغلبية واضحة من الألمان، حوالي 62%، يؤيدون العمل العسكري في حالة الطوارئ إذا ما فعّلت الدنمارك بند الدفاع المشترك في التحالف. ويعارض نحو ثلث المشاركين في الاستطلاع، 32%، هذه الخطوة، بينما لم يُبدِ 6% منهم أي رأي. وامتنع كل من كالاس وبيستوريوس عن التعليق على إمكانية نشر قوات برية أو على أي احتمال لتفعيل بند الدفاع المشترك في التحالف. ولم يعلّق كل من كالاس وبيستوريوس على إمكانية نشر قوات برية أو المادة 5.
أقرّ بيستوريوس بأن المساحة الشاسعة لغرينلاند وقلة عدد سكانها، البالغ عددهم حوالي 55 ألف نسمة، بما في ذلك ما يُقدّر بنحو 25 ألفًا إلى 30 ألفًا من الإنويت، تعني أنه لا يمكن التعامل معها كإقليم تقليدي. وأوضح بيستوريوس قائلًا: “لا يمكنك ضمان الحماية الشاملة هناك من خلال وجود القوات فقط”، مشيرًا إلى أن الأمن في القطب الشمالي يعتمد على المراقبة والدوريات، ومراقبة النشاط فوق وتحت السطح وفي الجو، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات المنتظمة على الأرض لإظهار وجود مستدام.
أضاف بيستوريوس قائلًا: “إن حماية غرينلاند والقطب الشمالي ليست في المقام الأول أو حصريًا شأنًا أمريكيًا، بل هي مسؤولية مشتركة لحلف الناتو وأوروبا ككل”. وتطرقت كالاس في تصريحاتها إلى العلاقات عبر الأطلسي، واصفة الولايات المتحدة بأنها “حليف لا غنى عنه”، مع إقرارها بأن العلاقات لم تعد قوية كما كانت في السابق. وأكدت كالاس قائلة: “لن تتخلى أوروبا عن 80 عامًا من العلاقات عبر الأطلسي”، مضيفة أن أوروبا والولايات المتحدة تكونان في أقوى حالاتهما “عندما نعمل معًا”.
أقوى جيش نظامي في أوروبا
أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة اقترحت مؤخرًا أن واشنطن ترغب في أن تضطلع ألمانيا بدور قيادي أكبر داخل حلف الناتو. ووفقًا لهذه التقارير، قد تُقلّص الولايات المتحدة دورها في الحلف وتُركّز جهودها بشكل أكبر على نصف الكرة الغربي، وهو نهج طرحته استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي نُشرت في ديسمبر من العام 2025. أشادت كالاس بألمانيا لإنفاقها الدفاعي المرتفع ودعمها المستمر لأوكرانيا. وأكدت كالاس قائلة: “للحفاظ على سلامة بلداننا وشعوبنا، يجب على أوروبا أن تزيد من تحسين جاهزيتها الدفاعية”. ازداد الإنفاق الدفاعي الألماني منذ بدء حرب أوكرانيا بشكل حاد في ظل كل من الحكومة السابقة بقيادة أولاف شولتز والائتلاف الحالي بقيادة ميرز. والهدف المعلن هو جعل الجيش الألماني جاهزًا للعمل بكامل طاقته وقادرًا على الدفاع عن البلاد. وقد أكد المشرعون من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي المحافظ (CSU) بأن الجيش الألماني يجب أن يصبح في نهاية المطاف “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”.
لكن لا تزال القوات المسلحة الألمانية عاجزة عن تحقيق هذا الطموح، إذ تواجه نقصًا كبيرًا في المعدات والأفراد. ولتسريع عملية الإصلاح، خففت الحكومة السابقة، بدعم من المعارضة المحافظة، من “كبح الدين” الذي فرضه الدستور الألماني. وتم إعفاء الإنفاق الدفاعي الذي يزيد عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى صندوق خاص بقيمة 500 مليار يورو، من حدود الاقتراض. ويهدف الجيش الألماني على صعيد الأفراد إلى تجنيد ما لا يقل عن 20 ألف متطوع خلال العام 2026 في إطار نموذج الخدمة العسكرية الجديد، وهو هدف حدده بيستوريوس. ففي العام 2025، بلغ عدد المتطوعين ما يزيد قليلًا عن 12 ألفًا.
النتائج
تعكس زيارة كايا كالاس إلى برلين حجم التحولات التي يشهدها الأمن الأوروبي مع مطلع عام 2026، حيث لم يعد دعم أوكرانيا ملفًا عابرًا، بل أصبح ركيزة لإعادة تشكيل الدور الاستراتيجي لأوروبا داخل حلف الناتو. ومن المرجح أن تستمر ألمانيا في تصدّر هذا المسار، عبر الجمع بين التمويل العسكري لكييف وبناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالية، تحسبًا لتراجع الانخراط الأمريكي في القارة.
من المحتمل أن يتركز التحدي الأكبر في قدرة برلين على تحويل التعهدات المالية إلى جاهزية عسكرية فعلية، في ظل النقص الحاد في المعدات والأفراد. وإذا نجحت الحكومة في تسريع برامج التجنيد وتوسيع الصناعات الدفاعية المشتركة مع أوكرانيا، فقد تقترب ألمانيا من لعب دور “العمود الفقري العسكري” داخل أوروبا. أما في حال تعثر هذه الخطط، فستبقى الطموحات الألمانية رهينة القيود البيروقراطية والموارد البشرية المحدودة.
من المتوقع أن تزداد أهمية القطب الشمالي في الحسابات الأمنية الأوروبية. فتهديدات إدارة ترامب بشأن غرينلاند، إلى جانب النشاط الروسي المتصاعد في المنطقة، سيدفعان الناتو إلى تعزيز حضوره الاستخباراتي والبحري هناك. ومن المرجح أن تدفع ألمانيا نحو مقاربة أوروبية جماعية لحماية الشمال، بما يقلل الاعتماد على واشنطن ويعزز مفهوم “الأمن الأوروبي المشترك”.
ستظل العلاقة عبر الأطلسي، العامل الأكثر حساسية. فإذا مضت الولايات المتحدة في تقليص دورها داخل الناتو، ستواجه أوروبا اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرتها على سد الفراغ. وفي المقابل، إذا اختارت واشنطن الإبقاء على حضورها التقليدي، فسيُعاد توزيع الأدوار مع منح برلين موقع القيادة العملياتية داخل الحلف. يتجه عام 2026 ليكون نقطة تحوّل في العقيدة الدفاعية الأوروبية، من الاعتماد على المظلة الأمريكية إلى بناء قوة ذاتية تدريجية، حيث ستكون ألمانيا مركز الثقل، وأوكرانيا ساحة الاختبار، والقطب الشمالي ميدان التنافس القادم.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113582
