المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
استراتيجية الأمن الأوروبي المستقبلية، في ظل التحولات الجيوسياسية
أفاد ثلاثة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي أن الجناح الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي يعمم ما يسمى “ورقة استطلاع” على دول الاتحاد، تحدد فيها جهودها في وضع استراتيجية الأمن الأوروبي المستقبلية، وتطلب ملاحظاتها. إلا أن هناك خلافات حول موعد نشر النسخة النهائية من الاستراتيجية الجديدة. أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في يناير 2026، إلى استراتيجية الأمن المستقبلية، قائلة إنها ستمكن الاتحاد الأوروبي من فهم “التغيرات الجيوسياسية” الراهنة وتقديم رد مناسب. وكان من المخطط مبدئيا وضع النسخة النهائية من الاستراتيجية في النصف الأول من عام 2026.
تقديم الملاحظات إلى دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي
من المقرر أن يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ورقة النطاق في 16 مارس 2026، بهدف تقديم ملاحظات إلى دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي (EEAS) وإطلاعها على عملها بشأن الاستراتيجية المستقبلية. لكن التوقيت الدقيق لنشر الاستراتيجية أقل وضوحا، حسبما صرح مصدر في الاتحاد الأوروبي. وأضاف المصدر: “النقاش يدور حول ما إذا كان سيتم نشره قبل أو بعد قمة الناتو في أنقرة في 7-8 يوليو 2026”. ستكون قمة الناتو حاسمة بالنسبة للأوروبيين، الذين تعهدوا بإنفاق 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع. ويتعرض أعضاء الاتحاد الأوروبي في التحالف العسكري الغربي لضغوط من حليفهم في الناتو، الولايات المتحدة، لتعزيز دفاعاتهم والتوقف عن الاعتماد بشكل كبير على الضمانات الأمنية من واشنطن.
الاستراتيجية الجديدة ستتجاوز الدفاع
أكد مصدر ثان مطلع على ورقة تحديد نطاق الاتحاد الأوروبي إنها سألت الدول الأعضاء عن كيفية تقليل الاتحاد الأوروبي للاعتمادات الاستراتيجية التي تؤثر على أمنه. وقالت المفوضية في يناير إن الاستراتيجية الجديدة ستتجاوز مجرد الدفاع وستشمل قطاعات استراتيجية أخرى، مثل الرقائق الإلكترونية والأمن السيبراني والمواد الخام، مما يعكس المحادثات الجارية حول تقليل المخاطر من واشنطن وبكين. وتتمحور الأسئلة الأخرى الواردة في الوثيقة حول كيفية استمرار الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعددية والنظام الدولي القائم على القواعد، مع تبني “البراغماتية المبدئية” للدفاع عن مصالحه. وضع جهاز العمل الخارجي الأوروبي نظرية البراغماتية المبدئية كمبدأ توجيهي للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وقد اكتسب النقاش حول هذه المسألة أهمية متزايدة بالنسبة للاتحاد، وسط مخاوف من أن إدارة ترامب تحاول الالتفاف على القانون الدولي.
التهديدات الأمنية التي تواجه منطقة البحر الأبيض المتوسط
المقرر أن يعترف رؤساء دول الاتحاد الأوروبي بالتهديدات الأمنية الخطيرة التي تواجه منطقة البحر الأبيض المتوسط، وذلك وفقا لمسودة وثيقة مؤرخة في التاسع من مارس 2026. في الوثيقة يسلط المجلس الضوء على “المخاطر التي تواجه الدول الأعضاء الأكثر تأثرا بشكل مباشر بالوضع في إيران والشرق الأوسط”. لم يكن البحر الأبيض المتوسط محورا رئيسيا لمعظم المداولات المتعلقة بسياسة الدفاع الأوروبية. لكن حرب إيران، والتي دفعت طهران للرد بإطلاق طائرات مسيرة في مناطق بعيدة مثل قبرص، غيرت هذا الوضع سريعا. والآن يعتزم قادة الاتحاد الأوروبي مناقشة أمن البحر الأبيض المتوسط، على الرغم من أن عددا قليلا نسبيا من الدول قدم دعما عسكريا للمنطقة. سبق أن طلبت دول البحر الأبيض المتوسط من المفوضية الأوروبية مراعاة تقييمها للتهديدات، في الوقت الذي عزز فيه الاتحاد الأوروبي دفاعاته ردا على حرب أوكرانيا. وأشارت دول البحر الأبيض المتوسط مرارا إلى أن الهجرة غير النظامية تشكل خطرا أمنيا، فضلا عن التوترات الدبلوماسية المستمرة منذ عقود بين تركيا واليونان وقبرص. ومع ذلك ركز الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي على جبهته الشرقية.
العواصم الأوروبية والتحديات الدفاعية الجديدة
في أكتوبر 2025، أقر الاتحاد الأوروبي بأولوية “التهديدات المباشرة على الجناح الشرقي للاتحاد”، داعيا إلى “تقديم دعم ملموس” للدول الأكثر تضررا. ثم شدد على أهمية الدفاع عن “بقية حدود الاتحاد الأوروبي”، دون تقديم مزيد من التفاصيل حول ما يستلزمه ذلك. والآن فإن التداعيات الناجمة عن أحداث الشرق الأوسط تجلب اهتماما متجددا إلى جنوب شرق أوروبا. تعرضت قبرص بشكل رئيسي للرد الإيراني، الذي استهدف الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة. كما ألغت الرئاسة القبرصية جميع الاجتماعات في نيقوسيا حتى 31 مارس 2026. في حين تستعد العواصم للاعتراف بالتحديات الدفاعية الجديدة، إلا أن الوثيقة لم تدع إلى استجابة موحدة. وقد سارعت بعض دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا، إلى تقديم الدعم للمنطقة. دعا الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يوم الاثنين دول الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف دعمها، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تبني “نهج أكثر تكاملا” لحماية المنطقة الأوسع.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو إعادة صياغة مقاربته الأمنية في ضوء بيئة دولية تتسم بقدر متزايد من عدم اليقين والتنافس الجيوسياسي. من المرجح أن تعكس الاستراتيجية الأمنية الأوروبية الجديدة تحولا تدريجيا من التركيز التقليدي على التهديدات العسكرية المباشرة إلى مقاربة أوسع تشمل عناصر اقتصادية وتكنولوجية وأمنية مترابطة.
إدراج قضايا مثل الرقائق الإلكترونية والأمن السيبراني والمواد الخام ضمن نطاق الاستراتيجية يشير إلى إدراك متزايد لدى صناع القرار الأوروبيين بأن الأمن لم يعد يقتصر على القدرات الدفاعية، بل يشمل أيضا حماية سلاسل التوريد والبنية التحتية الحيوية.
من المتوقع أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده الاستراتيجي على القوى الخارجية، سواء في المجال الأمني أو في القطاعات الصناعية والتكنولوجية الحساسة. وقد يترجم ذلك في السنوات المقبلة إلى زيادة الاستثمارات في الصناعات الدفاعية الأوروبية وتعزيز برامج البحث والتطوير المشتركة، فضلا عن توسيع مبادرات التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء. ومع ذلك، سيظل التنسيق مع حلف شمال الأطلسي عاملا محوريا في المنظومة الأمنية الأوروبية، خاصة في ظل استمرار الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لرفع الإنفاق الدفاعي.
أما على المستوى الجغرافي، فمن المرجح أن يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق توازن أكبر بين اهتمامه بالجبهة الشرقية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا وبين التحديات المتصاعدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. فالتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من تداعيات أمنية طالت مناطق أوروبية قريبة مثل قبرص، قد تدفع العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم أولوياتها الدفاعية وتعزيز حضورها الأمني في الجنوب.
من المتوقع أن تظل مسألة بلورة استجابة أوروبية موحدة للتحديات الجديدة مسألة معقدة، نظرا لتباين أولويات الدول الأعضاء واختلاف تقييماتها للمخاطر. لذلك قد تتجه السياسة الأمنية الأوروبية مستقبلا إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على تحالفات أو مبادرات إقليمية داخل الاتحاد نفسه، بما يسمح للدول الأكثر تأثرا بتهديدات معينة بتنسيق استجابات مشتركة دون انتظار توافق كامل بين جميع الأعضاء.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116041
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
