خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل يعزز انتشار الجيش الألماني في بولندا الردع في مواجهة روسيا؟
تعتزم ألمانيا إرسال مجموعة من الجنود إلى بولندا للمشاركة في مشروع واسع يهدف إلى تحصين الحدود الشرقية للبلاد، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي إزاء التهديدات الأمنية القادمة من روسيا، ولا سيما في ظل استمرار حرب أوكرانيا وما تفرضه من تداعيات مباشرة على دول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
لماذا هذا القرار؟
يأتي هذا القرار في سياق خطط أعلنتها بولندا في مايو من العام 2025 لتعزيز جزء طويل من حدودها الشرقية، وهي حدود تمتد على مسافات شاسعة وتشمل مناطق حساسة جيوسياسيًا، من بينها الحدود مع بيلاروسيا، الحليف الوثيق لموسكو، إضافة إلى حدودها مع جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، والذي يمثل نقطة عسكرية متقدمة لروسيا في قلب أوروبا الشرقية. أوضح متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية في برلين، في تصريحات أدلى بها في 12ديسمبر 2025، أن الدور الأساسي للجنود الألمان الذين سيتم نشرهم في بولندا يقتصر على تنفيذ أنشطة هندسية ضمن المشروع الدفاعي البولندي. أشار المتحدث إلى أن هذه الأنشطة قد تشمل بناء تحصينات ميدانية، وحفر خنادق دفاعية، ومد أسلاك شائكة، إضافة إلى إقامة حواجز مضادة للدبابات، في إطار ما وصفه بإجراءات وقائية تهدف إلى تعزيز القدرة الدفاعية على طول الحدود الشرقية. أكد المتحدث أن الدعم الألماني المقدم لبولندا في هذا الإطار سيكون محدودًا بهذه المهام الهندسية فقط، ولن يشمل أي أنشطة قتالية أو عمليات عسكرية مباشرة. وأضاف أن طبيعة المهمة لا تنطوي على مخاطر فورية، الأمر الذي يجعلها مختلفة عن عمليات الانتشار العسكري التقليدية في مناطق النزاع.
ما هو عدد الجنود؟
لم تكشف وزارة الدفاع الألمانية عن العدد الدقيق للجنود المشاركين في هذه المهمة، غير أن المتحدث أشار إلى أن العدد سيكون متوسطًا من خانتين، ما يعني أن القوة المشاركة ستتراوح على الأرجح بين عشرات الجنود، وليس مئات أو آلاف. من المقرر أن يبدأ انتشار هؤلاء الجنود اعتبارًا من الربع الثاني من العام 2026، على أن يستمر حتى نهاية عام 2027، وهو جدول زمني يعكس الطابع طويل الأمد للمشروع الدفاعي البولندي. شدد المتحدث باسم وزارة الدفاع على أن هذا الانتشار لا يتطلب موافقة البرلمان الألماني، مبررًا ذلك بعدم وجود خطر مباشر على الجنود نتيجة نزاعات عسكرية. بموجب الدستور الألماني، يتعين عادةً الحصول على موافقة البرلمان قبل نشر القوات المسلحة خارج البلاد، باستثناء بعض الحالات الخاصة التي تشمل المهام غير القتالية أو تلك التي لا تنطوي على تهديدات أمنية مباشرة.
توتر غير مسبوق بين بين دول أوروبا الشرقية وروسيا
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه العلاقات الأمنية بين دول أوروبا الشرقية وروسيا توترًا غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. منذ الغزو حرب أوكرانيا في فبراير 2022، عززت بولندا موقعها كأحد أبرز الداعمين لكييف، سواء سياسيًا أو عسكريًا، كما تحولت إلى ممر رئيسي لعبور الأسلحة والمساعدات العسكرية التي يقدمها حلفاء أوكرانيا الغربيون. عملت وارسو على تسريع وتيرة تحديث قواتها المسلحة، ورفعت بشكل ملحوظ من مستوى إنفاقها الدفاعي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع على الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي. تشمل هذه الجهود شراء معدات عسكرية حديثة، وتوسيع حجم القوات، إضافة إلى تحسين البنية التحتية الدفاعية على طول الحدود.
ألمانيا تلعب دورًا محوريًا في دعم أوكرانيا
تلعب ألمانيا دورًا محوريًا في دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا، إذ تعد ثاني أكبر مورد للمساعدات العسكرية لكييف بعد الولايات المتحدة. أرسلت برلين إلى أوكرانيا كميات كبيرة من المعدات العسكرية، شملت أنظمة دفاع جوي متطورة، ومركبات مدرعة، وذخائر، إضافة إلى دعم لوجستي وتدريبي. يعكس القرار الألماني بالمشاركة في تحصين الحدود البولندية إدراكًا متزايدًا في برلين لأهمية أمن دول الجناح الشرقي للحلف، وارتباطه المباشر بأمن ألمانيا وأوروبا ككل. يرى مراقبون أن نشر جنود ألمان في بولندا، حتى وإن كان في إطار مهام هندسية غير قتالية، يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، إذ يعكس التزامًا ألمانيًا متزايدًا بالدفاع الجماعي داخل حلف شمال الأطلسي، ويبعث برسالة تضامن واضحة مع بولندا في مواجهة المخاوف الأمنية المتصاعدة.
يشير ذلك إلى تحول تدريجي في السياسة الدفاعية الألمانية، التي باتت أكثر انخراطًا في قضايا الأمن الأوروبي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. يندرج هذا التحرك ضمن سلسلة من الإجراءات الأوروبية الهادفة إلى تعزيز الجاهزية الدفاعية والحد من أي تهديدات محتملة على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، في وقت لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا تلقي بظلالها الثقيلة على أمن واستقرار القارة.
النتائج
يعكس القرار الألماني بإرسال جنود إلى بولندا للمشاركة في تحصين الحدود الشرقية تطورًا نوعيًا في مقاربة برلين للأمن الأوروبي، وانتقالها من سياسة الحذر العسكري التقليدي إلى دور أكثر فاعلية داخل منظومة الردع الجماعي لحلف شمال الأطلسي. فعلى الرغم من الطابع غير القتالي للمهمة، فإن دلالاتها السياسية والأمنية تتجاوز بكثير حجم القوة المشاركة أو طبيعة الأنشطة الهندسية المعلنة.
على المستوى السياسي، يبعث هذا الانتشار برسالة واضحة عن التزام ألمانيا بأمن دول الجناح الشرقي للناتو، ولا سيما بولندا التي باتت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي تمدد روسي محتمل غربًا. كما يعكس إدراكًا ألمانيًا متزايدًا بأن أمنها القومي لم يعد منفصلًا عن أمن أوروبا الشرقية، وأن أي خلل في هذه الجبهة ستكون له تداعيات مباشرة على الاستقرار الأوروبي ككل. ومن المتوقع أن يسهم هذا الدور في تعزيز الثقة بين برلين ووارسو، بعد سنوات من التباينات في الرؤى حول كيفية التعامل مع روسيا.
أمنيًا، ورغم أن المهمة تقتصر على أعمال هندسية، فإنها تشكل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الردع من خلال رفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل. فالتحصينات الميدانية، والخنادق، والحواجز المضادة للدبابات لا تهدف فقط إلى إعاقة التحركات العسكرية، بل أيضًا إلى إرسال إشارات ردع نفسية وسياسية بأن الحدود الشرقية باتت أكثر استعدادًا لأي سيناريو تصعيدي. وفي هذا السياق، قد تشجع الخطوة الألمانية دولًا أوروبية أخرى على تقديم مساهمات مماثلة، ما يؤدي إلى مزيد من عسكرة الحدود الشرقية للناتو.
أما على صعيد العلاقات مع روسيا، فمن المرجح أن تنظر موسكو إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من سياسة تطويق واستنزاف طويلة الأمد، حتى وإن جرى تسويقها كإجراء دفاعي بحت. وقد ترد روسيا بتكثيف وجودها العسكري في كالينينغراد أو عبر مناورات إضافية بالقرب من الحدود، ما يرفع مستوى التوتر دون الوصول بالضرورة إلى مواجهة مباشرة. وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن في التصعيد العسكري الفوري، بل في تراكم إجراءات الردع المتبادلة التي قد تؤدي إلى بيئة أمنية أكثر هشاشة.
مستقبليًا، يُتوقع أن يتعزز الدور الألماني في مشاريع الدفاع الأوروبية المشتركة، سواء عبر الناتو أو من خلال مبادرات الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا استمرت الحرب في أوكرانيا دون تسوية سياسية. وقد يشكل هذا الانتشار مقدمة لمشاركات ألمانية أوسع في حماية البنية التحتية الحدودية أو دعم دول البلطيق. وفي المحصلة، يشير القرار إلى أن أوروبا تتجه نحو مرحلة أمنية طويلة الأمد قائمة على الردع والتحصين، ما يقلل فرص الانفراج السريع مع روسيا، ويجعل الاستقرار مرهونًا بإدارة دقيقة للتوازن بين الردع وتجنب التصعيد.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=112768
