المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل يشكل الجيش الأوروبي الموحد بديلا حقيقيا عن الناتو؟
أكد شون كلانسي، رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي، إن إنشاء جيش أوروبي ليس أولوية في المرحلة الراهنة، مؤكدا أن التحدي الحقيقي الذي يواجه القارة يتمثل في سد الثغرات القائمة في القدرات العسكرية بصورة سريعة وفعالة. وأوضح أن النقاش حول جيش أوروبي موحد يظل فكرة سياسية مطروحة، لكنه لا يعالج المشكلات العاجلة المرتبطة بالجاهزية القتالية، ومستوى المخزونات، وسرعة الاستجابة للأزمات.
إعادة إحياء فكرة إنشاء جيش أوروبي
منذ يناير 2026، أعاد مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس إحياء فكرة إنشاء جيش أوروبي مشترك، في محاولة لاستطلاع مواقف العواصم الأوروبية وقياس مدى استعدادها للانتقال إلى مرحلة تكامل دفاعي أعمق. واعتبر كوبيليوس أن التحولات الجيوسياسية، ولا سيما انشغال الولايات المتحدة بمناطق أخرى من العالم، تفرض على أوروبا التفكير بجدية في بدائل استراتيجية طويلة الأمد. وذهب إلى حد القول إن قوة أوروبية موحدة يمكن أن “تحل محل القوة العسكرية الأمريكية الدائمة التي يبلغ قوامها 100 ألف جندي” في القارة، إذا ما قررت واشنطن تقليص وجودها العسكري. تأتي هذه الطروحات في سياق بيئة أمنية أوروبية شديدة التعقيد، تتسم باستمرار الحرب في أوكرانيا، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة النزاعات، فضلا عن تصاعد التوترات في مناطق الجوار الجنوبي والشرقي. كما أن الحديث عن تحول الولايات المتحدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ يعكس إدراكا أوروبيا بأن الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية قد لا يكون خيارا مضمونا على المدى الطويل.
الأولوية لمعالجة نقاط الضعف العملية
يرى كلانسي أن الأولوية يجب أن تنصب على معالجة نقاط الضعف العملية بدلا من الانخراط في مشاريع رمزية كبرى. فبحسب تقديره، تحتاج الجيوش الأوروبية إلى إعادة بناء مخزوناتها من الذخائر والأنظمة الدفاعية، وتعزيز قدراتها في مجالات مثل الدفاع الجوي، والحرب السيبرانية، والاستطلاع، والنقل الاستراتيجي. ويرى أن سرعة سد هذه الفجوات تمثل عاملا حاسما في استعادة عنصر الردع.وخلال فعالية أقيمت في بروكسل في 23 فبراير 2026، شدد كلانسي على أن التحدي لا يتعلق بإحداث “انفجار كبير” عبر إعلان مبادرة ضخمة، بل بتحقيق تقدم متدرج ومستدام. وأشار إلى أن ضخ التمويل في صناعة الدفاع الأوروبية خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي ما لم يصاحبه تنسيق فعلي بين الدول الأعضاء، وتبسيط للإجراءات، وتسريع لعمليات الشراء والإنتاج.
أكد كلانسي أن الأوروبيين بحاجة إلى أن يصبحوا “أكثر تنوعا قليلا من حيث قدراتهم وإمكانياتهم”، في إشارة إلى ضرورة توزيع الأدوار وتكاملها، بدلا من تكرار نفس القدرات في عدة دول مع إهمال مجالات أخرى حيوية. واعتبر أن الدفاع الجوي يمثل القضية الأكثر إلحاحا في الوقت الراهن، في ظل التهديدات المتزايدة بالطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى.
أهمية وجود إطار تنظيمي واضح يحدد المسؤوليات الدفاعية
التزمت دول الاتحاد الأوروبي بسد فجوات القدرات من خلال إطلاق مشاريع مشتركة لتعزيز إنتاج الأسلحة والمعدات التي تحتاجها القارة. وتهدف هذه المشاريع إلى تحقيق وفورات في التكلفة، وتوحيد المعايير، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات الدفاعية الأوروبية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يحيط بالتفاصيل العملية لهذه المبادرات، بما في ذلك طبيعة الأنظمة التي سيتم تطويرها، وحجم التمويل، وآليات التوزيع. وفي هذا السياق، شدد كلانسي على أهمية وجود إطار تنظيمي واضح يحدد المسؤوليات ويضمن استمرارية الجهود على المدى الطويل. وقال إن المسألة لا تقتصر على زيادة الإنفاق، بل تتعلق بفهم من سيقود هذه العملية، وكيف سيتم التنسيق بين المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية، وكيف يمكن تفادي الازدواجية مع الهياكل القائمة.
أوروبا ضمن النطاق الدفاعي لحلف شمال الأطلسي
وعلى الصعيد العسكري، أشار الجنرال الأيرلندي إلى أن 23 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي هي أيضا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ما يعني أنها تخضع بالفعل لالتزامات الدفاع المشترك بموجب المادة 5. وأكد أن الدفاع عن أوروبا لا يزال في جوهره ضمن نطاق حلف شمال الأطلسي، الذي يوفر الإطار العملياتي الرئيسي للردع والدفاع الجماعي. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى جدوى إنشاء جيش أوروبي مستقل في ظل وجود بنية أطلسية راسخة. فبالنسبة لبعض الدول، يمثل الناتو الضامن الأساسي لأمنها، ولا سيما في شرق أوروبا. ومن ثم، فإن أي خطوة نحو تكامل دفاعي أوروبي يجب أن تكون مكملة للحلف، لا بديلا عنه. وفي ما يتعلق بالقدرات الأوروبية المستقلة، أشار كلانسي إلى القدرة الأوروبية على الانتشار السريع (RDC)، التي بدأت عملياتها منذ عام 2025، وتضم ما يصل إلى 5000 جندي جاهزين للنشر في مهام متنوعة، تشمل منع النزاعات، وتحقيق الاستقرار، والإجلاء، وفرض السلام. وتعتمد هذه القوة على مساهمات الدول الأعضاء التي تتناوب على إبقاء وحداتها في حالة تأهب.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه القوة سيشكل اختبارا عمليا لمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك بشكل مستقل وسريع في أوقات الأزمات. غير أن فعاليتها ستظل رهنا بالإرادة السياسية للدول الأعضاء، ومدى استعدادها لتحمل المخاطر وتوفير الموارد اللازمة. يعكس الجدل الدائر بين فكرة الجيش الأوروبي وسد فجوات القدرات توترا أعمق بين الطموح السياسي والواقع العسكري. فبينما يسعى بعض القادة إلى طرح رؤى كبرى تعزز الاستقلال الاستراتيجي، يركز آخرون على خطوات عملية تعالج الاحتياجات الفورية. ويبقى التحدي الأساسي أمام أوروبا هو تحقيق توازن بين هذين المسارين، بما يضمن تعزيز أمنها الجماعي دون إضعاف الشراكات القائمة أو إثقال كاهلها بمشاريع غير مكتملة.
النتائج
سيتحدد مسار الدفاع الأوروبي خلال السنوات القليلة المقبلة بناء على عاملين رئيسيين: مستوى الالتزام الأمريكي بأمن القارة، وقدرة الدول الأوروبية على تحويل التعهدات السياسية إلى قدرات عسكرية ملموسة. فإذا واصلت الولايات المتحدة إعادة تموضعها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن الضغوط على العواصم الأوروبية لتعزيز استقلالها الدفاعي ستتزايد بصورة غير مسبوقة.
من المرجح أن يشهد الاتحاد الأوروبي تسارعا في مشاريع الإنتاج المشترك للذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، باعتبارها الأكثر إلحاحا في ضوء الددروس المستفادة من حرب أوكرانيا. كما قد يتوسع الاستثمار في مجالات التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، بهدف تقليص الفجوة مع القوى الكبرى وضمان تفوق نوعي بدلا من سباق كمي مكلف.
لا يبدو أن فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد ستتحول إلى واقع قريب. فالاختلافات السياسية، وتباين التهديدات المدركة بين شرق القارة وغربها، إضافة إلى الارتباط المؤسسي العميق بحلف شمال الأطلسي، تجعل من هذا المشروع خيارا بعيد المدى أكثر منه أولوية عاجلة.
من المرجح أن يسير الاتحاد في اتجاه تعزيز التكامل التدريجي للقدرات، مع الإبقاء على الناتو كركيزة أساسية للدفاع الجماعي. المستقبل القريب قد يشهد نمو دور قوة الانتشار السريع الأوروبية كأداة لإدارة الأزمات في محيط القارة، خصوصا في البلقان أو المتوسط أو إفريقيا. غير أن نجاح هذا الدور سيعتمد على توافر الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات سريعة في لحظات حرجة.
في النهاية، سيبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا هو الانتقال من خطاب الطموح الاستراتيجي إلى واقع الفاعلية العسكرية، بما يضمن لها موقعا أكثر توازنا داخل المنظومة الأمنية الغربية دون الدخول في قطيعة مع حلفائها التقليديين.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115504
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
