المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل يسهم التحول الرقمي والبنية التحتية في تعزيز الجاهزية العسكرية؟
أفاد التقرير السنوي المقدم للبرلمان حول حالة الجيش الألماني في الثالث من مارس 2026 بأعلى معدلات التجنيد المسجلة منذ 15 عاما. إلا أنه يحذر من أن هناك الكثير مما يجب فعله لتحقيق أهداف الحكومة التوسعية. دعا هينينغ أوت، المفوض الخاص للبرلمان لشؤون الجيش الألماني البوندسفير، إلى حملة تجنيد سريعة في الجيش خلال السنوات المقبلة، وذلك في تقريره السنوي. وجاء في التقرير: “لا تزال قضايا الأفراد وتوسيعها تشكل التحديات الرئيسية للجيش الألماني، إذا أراد تعزيز قدراته بشكل أكبر”. تحاول ألمانيا تعزيز إنفاقها الدفاعي وتجنيدها العسكري في ضوء عوامل مختلفة، ولكن أبرزها حرب أوكرانيا ومناشدات الولايات المتحدة لأوروبا للقيام بالمزيد كجزء من حلف الناتو.
وزارة الدفاع في حاجة إلى الإصلاح
كتب أوت أنه بالنظر إلى مستويات التهديد المرتفعة، ومن أجل تحقيق هدف الحكومة المعلن المتمثل في وجود 260 ألف جندي نشط و200 ألف جندي احتياطي آخر بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، فإن خطط إعادة إدخال نوع من الخدمة العسكرية يجب أن تنجح. أوصى أوت بأنه إذا ثبت أن الخدمة التطوعية غير كافية، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون العودة إلى شكل من أشكال الخدمة الإلزامية. ومع ذلك، في أحد المجالات، دعا السياسي المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU إلى تبسيط الإجراءات، قائلا إن الهيئات الإدارية للجيش ووزارة الدفاع في حاجة ماسة إلى الإصلاح. وحذر التقرير من “إن الهياكل الحالية للجيش الألماني ووزارة الدفاع تعاني من تضخم في الإدارة العليا، وتعقيد مفرط، وعدم فعالية إلى حد كبير”. يتمثل دور أوت في قيادة الرقابة البرلمانية على الجيش وتقديم المساعدة له، وهي وظيفة يشار إليها غالبا في السياسة الألمانية بشكل ملطف بأنها “مدافعة عن الجيش الألماني”.
كم عدد القوات المتاحة؟
لا يزال عدد القوات حتى مارس 2026 أقل بكثير من نصف مليون جندي تقريبا، وهو العدد المطلوب خلال العقد القادم أو نحوه. بحسب بيانات الجيش الألماني، يضم الجيش حاليا حوالي 186 ألف جندي في الخدمة الفعلية، إما بعقود محددة المدة أو دائمة أو في الخدمة التطوعية. كما كان هناك نحو 60 ألف جندي احتياطي في حالة تأهب العام 2025، مع العلم أن ألمانيا تصنف رسميا جميع قدامى المحاربين البالغ عددهم نحو 860 ألفا كجنود احتياطيين نظريين يمكن استدعاؤهم في حالات الطوارئ.
ما مدى نجاح الجيش الألماني في التوظيف عام 2025؟
أشار التقرير إلى أن الجيش الألماني قام بتوظيف 25000 فرد في عام 2025. وهذا هو أعلى رقم في عام واحد منذ عام 2011، عندما ألغت ألمانيا نموذج الخدمة الوطنية السابق. لكن أوت حذر من أن عدد المجندين الذين انسحبوا قبل أن يصبحوا أعضاء كاملين في صفوف الجيش لا يزال مرتفعا للغاية، بنسبة تقارب 20%. وقال إن الجمهور يتوقع من الجيش أن يكون على قدر المسؤولية في مهامه، والتي يبدو أنها ستتوسع في السنوات المقبلة. وتابع: “من أجل الاستمرار في تحقيق ذلك على مستوى عال في المستقبل، فإنه يحتاج إلى ظروف أساسية موثوقة، وقبل كل شيء، إلى المزيد من الموظفين”.
دعوة إلى توضيح بشأن إعادة العمل بالخدمة الوطنية
ناشد أوت الحكومة الألمانية وضع خطة أكثر وضوحا وشروطا أكثر تحديدا لإعادة فرض شكل من أشكال الخدمة العسكرية. ويهدد هذا المقترح السياسي بتقسيم الحكومة الائتلافية، وقد شهد عدة تغييرات جذرية خلال مرحلة التخطيط. يتم إرسال استبيان للشباب بهدف قياس مدى استعدادهم واهتمامهم بالخدمة العسكرية، على أمل أن يؤدي ذلك بشكل طبيعي إلى زيادة الاهتمام بالتجنيد الطوعي. لقد طرح الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرز لفترة وجيزة خطة لإضافة نوع من المكونات الإلزامية إلى هذا، لكن الحزب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة وزير الدفاع بوريس بيستوريوس اعترض، وفي الوقت الحالي يبقى النهج الأصلي قائما. من الناحية النظرية، يسمح القانون الألماني بالتجنيد المؤقت للعديد من الشباب، حيث تم تجميد الخدمة الوطنية السابقة من الناحية الفنية، بدلا من إلغائها أو شطبها من القوانين. لكن تعديلا دستوريا سيتطلب توسيع نطاقها ليشمل الشابات.
أوجه القصور في البنية التحتية، والتحول الرقمي، وسرعة التوظيف، والمعايير المادية
ينص البرنامج حاليا على راتب أساسي لا يقل عن 2600 يورو حوالي 3000 دولار أمريكي شهريا قبل خصم الضرائب، وهو راتب منخفض جدا وفقا للمعايير الألمانية للعمل بدوام كامل للوهلة الأولى. إلا أن الحزمة تشمل مزايا إضافية جديرة بالذكر في مجالات مثل السكن والوجبات والتدريب والتعليم المستمر. وحذر أوت من أنه لكي تكون هذه المكافآت ذات مصداقية، كان من الضروري بناء مراكز تجنيد جديدة وتوسيع الثكنات وقدرات التدريب، حتى يصبح من الممكن لعدد أكبر من الناس الانضمام إلى الجيش. أكد إن العديد من الثكنات في حالة سيئة وتحتاج إلى ترميم عاجل. كما دعا إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي، لا سيما في مجال السجلات الطبية للجنود، لتجنب إحباط القوات. كما اشتكى أوت من بطء عملية التوظيف، قائلا إن الأمر يستغرق في المتوسط 112 يوما – أي أسبوعين أطول من عام 2024 – للانتقال من تقديم الطلب إلى التعيين. وأضاف أن هذا بطيء للغاية في سوق عمل تنافسي.
أشار أوت إلى شكاوى من الجنود تفيد بتراجع مستوى اللياقة البدنية وسط حملة التجنيد. وقال إن الجنود حذروا من أن شعار “الكم على حساب الجودة” بدأ يترسخ. وأبلغ الحكومة أن النقص في المعدات والتجهيزات لا يزال قائما، قائلا إنه لم يعد هناك أي عذر مالي لذلك، نظرا لأن الإنفاق الدفاعي قد تم استثناءه من كبح الدين الحكومي. وفي سياق آخر، حذر أوت من تزايد التهديدات الخارجية التي تواجه القوات المسلحة داخليا. وأشار إلى ارتفاع عدد الجرائم التي تستهدف الجيش في عام 2025 إلى 112 حالة، شملت ست هجمات حرق متعمد وعشر حالات تخريب.
النتائج
تعكس المعطيات صورة مزدوجة لمستقبل الجيش الألماني بين طموح التوسع وواقع التحديات البنيوية. فمن جهة، تشير أرقام التجنيد القياسية إلى إمكانية استعادة الزخم البشري بعد سنوات من التراجع. ومن جهة أخرى، تكشف نسب الانسحاب المرتفعة وبطء إجراءات التوظيف عن فجوة هيكلية قد تعرقل تحقيق هدف الوصول إلى 260 ألف جندي نشط و200 ألف احتياطي خلال العقد المقبل.
سيعتمد نجاح خطط التوسع على قدرة الحكومة على تحويل النقاش السياسي حول الخدمة العسكرية إلى قرار واضح ومستقر. فإذا بقيت صيغة الخدمة التطوعية عاجزة عن تلبية الاحتياجات العددية، فقد تتجه ألمانيا تدريجيا نحو نموذج مختلط يجمع بين التحفيز المالي وبعض عناصر الإلزام. غير أن هذا الخيار سيصطدم بحساسيات تاريخية ومجتمعية، ما يتطلب توافقا سياسيا واسعا لتجنب انقسام داخلي.
لن يكون التحدي عدديا فقط، بل نوعيا أيضا. فشكاوى تراجع اللياقة البدنية ومخاوف “الكم على حساب الجودة” تشير إلى ضرورة الاستثمار في معايير الاختيار والتدريب. كما أن تحديث البنية التحتية وتسريع التحول الرقمي سيشكلان شرطا أساسيا لجعل الخدمة العسكرية أكثر جاذبية لجيل شاب نشأ في بيئة رقمية متقدمة.
كذلك، فإن تزايد التهديدات الأمنية والتخريب الداخلي يضيف بعدا جديدا لمسألة الجاهزية. ومع استثناء الإنفاق الدفاعي من قيود كبح الدين، تتوافر موارد مالية أكبر، لكن فعاليتها ستتوقف على إصلاح الهياكل الإدارية وتقليص البيروقراطية.
يقف الجيش الألماني أمام مرحلة إعادة تعريف لدوره وحجمه في أوروبا. فإذا نجحت برلين في معالجة الاختلالات التنظيمية والبشرية بالتوازي مع رفع الجاهزية العملياتية، فقد يتحول البوندسفير إلى ركيزة أمنية أكثر فاعلية داخل الناتو. أما إذا استمرت العقبات الهيكلية، فقد تبقى الطموحات التوسعية رهينة الأرقام دون انعكاس حقيقي على القدرة القتالية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115777
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
