المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هل تمثل قمة أنقرة نقطة تحول في استراتيجية الناتو؟
أثبتت حرب أوكرانيا أن طبيعة الصراعات الحديثة تغيرت بصورة جذرية، مما دفع حلف شمال الأطلسي إلى إعادة تقييم استراتيجيته الدفاعية. ومع اقتراب قمة أنقرة، تتجه الأنظار إلى الدروس التي قدمتها أوكرانيا، وكيف يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي.
أوكرانيا تبتكر حلولًا دفاعية
بدأت المصانع التي كانت تنتج الأثاث أو الأجهزة الإلكترونية المنزلية في أوكرانيا في تصنيع الطائرات المسيرة والمعدات العسكرية. وتحولت أوكرانيا إلى واحدة من أبرز الدول المبتكرة في الصناعات الدفاعية على مستوى العالم. ففي الوقت الذي كان ينفذ الناتو مناورات لحلف شمال الأطلسي وتدريب قوات الحلف على سيناريوهات كانت لا تزال تفترض التفوق التكنولوجي وسلاسل إمداد غير متنازع عليها. كانت أوكرانيا تبتكر حلولًا باستخدام طائرات مسيرة تجارية، وتحديثات برمجية وكان من الواضح بالفعل أن ساحة المعركة المستقبلية ستبدو مختلفةً تمامًا عن تلك التي تدرب عليها حلف شمال الأطلسي. على مدى عقود تلت نهاية الحرب الباردة، تعاملت أوروبا مع الحرب التقليدية واسعة النطاق على أنها من الماضي. وانخفض الإنفاق الدفاعي، وتقلصت الصناعات العسكرية، وتحول تركيز حلف شمال الأطلسي نحو إدارة الأزمات والعمليات العسكرية خارج الحدود. وعندما بدأت حرب أوكرانيا في فبراير 2022، لم يكن كثيرون يعتقدون أن أوكرانيا قادرة على الصمود أمام الهجوم لأكثر من بضعة أيام. الدفاع
هل الناتو مستعد للبيئة الأمنية الجديدة؟
أثبتت أوكرانيا خطأ جميع المشككين. فقد أجبرت مقاومة البلاد الاستثنائية حلف شمال الأطلسي على مواجهة واقع جديد. إذ شككت كل مرحلة من مراحل الحرب في افتراضات راسخة، بدءًا من الدفاع عن كييف وأهمية صمود المجتمع، وصولًا إلى صعود حرب الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدور الحاسم للقدرة الصناعية الدفاعية. وخلال أكثر من خمس سنوات من الحرب، لم تكتف أوكرانيا بكشف نقاط ضعف روسيا، بل كشفت مستقبل الحروب. ويتعين على قادة حلف شمال الأطلسي أن يثبتوا في قمة أنقرة المقبلة أنهم مستعدون للبيئة الأمنية الجديدة. وتشير الاستعدادات للقمة إلى أن الحلف يدرك حجم التحدي. فقد تعمد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، تحويل النقاش من مجرد الإنفاق الدفاعي إلى الإنتاج، والابتكار، والقدرة على الصمود، والتنفيذ. أمن قومي
العلاقة عبر الأطلسي تشهد تطورًا
تشهد العلاقة عبر الأطلسي تطورًا هي الأخرى. فلا تزال الولايات المتحدة عنصرًا لا غنى عنه لأمن أوروبا، لكنها تتوقع بصورة متزايدة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر داخل إطار حلف شمال الأطلسي. ولا ينبغي تفسير ذلك على أنه انسحاب أمريكي، بل إنه يعكس إدراكًا بأن أوروبا الأقوى تمثل ضرورةً لحلف شمال أطلسي أقوى. ويتطور النقاش السياسي في واشنطن في الاتجاه نفسه. فخلال معظم فترة الحرب، كان السؤال المحوري هو ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على البقاء. وقد أجابت أوكرانيا عن هذا السؤال في ساحة المعركة، وأصبحت الآن تحظى باعتراف واسع باعتبارها واحدةً من أبرز القوى العسكرية في أوروبا. ومع تنامي ثقة أوكرانيا بنفسها، ازدادت كذلك الثقة بها. وتزايد القناعة في الولايات المتحدة بأن دعم أوكرانيا لا يقتصر على مساعدة دولة واحدة على مقاومة روسيا، بل يمثل استثمارًا في الأمن المستقبلي للمجتمع الأوروبي الأطلسي. الدفاع ـ هل تمثل قمة أنقرة نقطة تحول في استراتيجية الناتو للابتكار الدفاعي؟
أوكرانيا أصبحت مصدرًا للابتكار في ساحات القتال
تؤكد الجهود الرامية إلى تعميق التعاون في مجال تقنيات الطائرات المسيرة أن أوكرانيا لم تعد تُنظر إليها بوصفها مجرد متلقية للمساعدات العسكرية، بل أصبحت مصدرًا للابتكار في ساحات القتال والخبرة العملياتية التي يمكن أن تعزز قدرات الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، والتحالف الديمقراطي الأوسع. ويمثل ذلك تحولًا استراتيجيًا مهمًا. فعلى مدى عقود، كان حلف شمال الأطلسي يصدر المعرفة العسكرية إلى شركائه. أما اليوم، فإن أوكرانيا تصدر خبراتها المكتسبة بشق الأنفس في حرب الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والتكيف في ساحة المعركة، ودمج الاستخبارات، وصمود المدنيين. وقد بدأ النقاش الأمني داخل حلف شمال الأطلسي يتغير بالفعل. فبدلًا من مناقشة ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على الدفاع عن نفسها، أصبح التركيز الآن ينصب على ما يمكن لحلف شمال الأطلسي أن يتعلمه من أوكرانيا. وهنا يمكن أن تتحول قمة أنقرة إلى محطة مهمة. قمة أنقرة للناتو ـ كيف تؤثر في مستقبل الشراكة الدفاعية بين أوروبا وواشنطن؟
انضمام أوكرانيا للحلف أولوية للتكامل الاستراتيجي
ولا ينبغي أن يحدد الجدل السياسي بشأن احتمال انضمام أوكرانيا مستقبلًا إلى حلف شمال الأطلسي طبيعة العلاقة بين كييف والحلف. بل ينبغي أن تكون الأولوية للتكامل الاستراتيجي. ويجب أن تصبح الصناعات الدفاعية الأوكرانية جزءًا من القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية. كما ينبغي أن تسهم الابتكارات الأوكرانية في تشكيل أولويات المشتريات داخل الحلف. ويجب أن تعكس عقيدة حلف شمال الأطلسي الخبرة الأوكرانية المكتسبة في ساحات القتال. وبالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي، لم يعد دمج أوكرانيا مجرد مسألة تضامن جيوسياسي، بل أصبح ضرورةً استراتيجيةً. ويواجه قادة الحلف الآن خيارًا تاريخيًا. فإما أن يواصلوا التكيف تدريجيًا مع كل أزمة جديدة، أو أن يدركوا أن النظام الأمني الذي أعقب الحرب الباردة قد انتهى، وأن يتكيفوا مع البيئة الأمنية التي كشفتها أوكرانيا بالفعل. وإذا نجحت قمة أنقرة، فستمثل اللحظة التي توقف فيها حلف شمال الأطلسي عن الاستعداد لحروب الأمس، وبدأ الاستعداد لحروب الغد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120572
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
