خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ــ هل تمتلك ألمانيا أسلحة نووية تكتيكية؟
يدعو جنرال ألماني إلى امتلاك الجيش الألماني (البوندسفير) أسلحة نووية في ضوء التهديد الروسي. حيث صرّح العميد فرانك بايبر: “تحتاج ألمانيا إلى أسلحتها النووية التكتيكية الخاصة بها”. الأسلحة النووية التكتيكية هي رؤوس حربية نووية ذات مدى أقصر وقوة تفجيرية أقل، مصممة للاستخدام المباشر في ساحة المعركة ضد قوات العدو. سبب آخر لهذا الطلب هو توتر العلاقات مع الولايات المتحدة. حاليًا، تتمركز أسلحة نووية أمريكية على الأراضي الألمانية كجزء من قوة الردع التابعة لحلف الناتو. ويُرجّح أن بايبر يُلمّح إلى احتمال سحب إدارة ترامب لهذه الأسلحة. يلجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارًا وتكرارًا إلى “التكتيكات النووية” ضد الأوروبيين، ولا يمكن ردعه بالأساليب التقليدية وحدها. وقد أكد بايبر، مدير الاستراتيجية في كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة الألمانية، أنه يدلي بهذه التصريحات بصفته مواطنًا عاديًا، نظرًا لحساسية الموضوع.
لا ينفرد الجنرال بهذا المطلب. فقد أكد هارالد بيرمان، رئيس مؤسسة دار التاريخ في بون، في مجلة “شتيرن”: “إن المسألة النووية جوهرية لسيادة الدولة. ويجب على ألمانيا أيضًا معالجة هذه المسألة”. إن وجود جمهورية ألمانيا الاتحادية نفسه على المحك. يحذر يواكيم كراوس، الذي درّس لسنوات عديدة في معهد السياسة الأمنية بجامعة كيل، قائلًا: “نحن بحاجة ماسة لمناقشة حماية ألمانيا بأسلحتها النووية أو الأوروبية”. لكن خبير الأمن كارلو ماسالا، الذي يُدرّس في أكاديمية الجيش الألماني في ميونيخ، يُخالفه الرأي، إذ حذّر، من أن ذلك “سيفتح بابًا واسعًا للمشاكل”.
الأسلحة النووية قد تصبح جاهزة في غضون ثلاث سنوات
يبدو أنه من الممكن للقوات المسلحة الألمانية الحصول على كمية كافية من المواد اللازمة لصنع الأسلحة. وصرّح راينر مورمان، الكيميائي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في أبحاث التكنولوجيا النووية في مركز يوليش للأبحاث، للمجلة قائلًا: “من الناحية الفنية، لن يمثل صنع قنبلة ذرية ألمانية مشكلة”. أكد أن تخصيب اليورانيوم يجري بالفعل في محطة غروناو للتخصيب. ولإنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة هناك، لن يتطلب الأمر سوى تعديل بسيط للمنشأة. وأضاف: “سنحتاج فقط إلى عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي. ولدينا خبرة واسعة في هذا المجال”. وتوقع مورمان: “سنكون قادرين على صنع قنبلة ذرية في غضون ثلاث سنوات”.
سياسي من حزب البديل من أجل ألمانيا يطالب بأسلحة نووية
أعرب وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر عن معارضته لامتلاك ألمانيا قنبلة نووية. وقال السياسي المنتمي لحزب الخضر: “أعتبره خطأً فادحًا أن تنظر ألمانيا إلى التسلح النووي كتحدٍ وطني”. أكد فيشر قائلًا: “يجب على أوروبا القيام بذلك، لأن الضمانة الأمنية الأمريكية باتت غير مؤكدة. لا ينبغي لألمانيا أن تتصرف بمفردها مرة أخرى، أبدًا. نحن بحاجة إلى شركائنا الأوروبيين”. علاوة على ذلك، فإن امتلاك ألمانيا قنبلة نووية سيكون عمليًا غير قابل للتنفيذ بموجب القانون الدولي. وقد حُددت حدود واضحة لإعادة التسلح النووي في كل من اتفاقية “اثنان زائد أربعة”، وبشكل أساسي، في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
لكن هناك مطالب أخرى كذلك. على سبيل المثال، يدعو خبير السياسة الدفاعية في حزب البديل من أجل ألمانيا، روديغر لوكاسن، إلى ذلك. صرّح لوكاسن في يونيو 2025 قائلًا: “تحتاج ألمانيا إلى أسلحتها النووية الخاصة، وبشكل عاجل، إلى التجنيد الإجباري، بما في ذلك للنساء. يجب تعديل القانون الأساسي بأسرع وقت ممكن لتحقيق ذلك”. في استطلاع رأي أجراه معهد سيفي خلال العام 2025، عارض 48% من المشاركين البالغ عددهم 5000 شخص امتلاك ألمانيا للأسلحة النووية، بينما أيدها 38%. وقد برز اختلاف واضح بين ألمانيا الشرقية والغربية في الاستطلاع: فبينما كانت الآراء في ألمانيا الغربية متقاربة، حيث أيد 42% الأسلحة النووية الألمانية، وعارضها 43%، كانت المعارضة أقوى بكثير في ألمانيا الشرقية، حيث بلغت نسبة المعارضين للتسلح النووي الألماني حوالي 66%.لا تمتلك ألمانيا أسلحة نووية خاصة بها، وهي ملزمة قانونًا بموجب معاهدات دولية مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاقية “اثنان زائد أربعة” بعدم تطوير أو إنتاج أسلحة نووية.
النتائج
تعكس الدعوات المتزايدة داخل ألمانيا لامتلاك أسلحة نووية تحولًا نوعيًا في التفكير الأمني الأوروبي، فرضته الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديد الروسي، وتراجع الثقة في الضمانات الأمريكية. ومن المرجح أن يستمر هذا النقاش داخل الأوساط السياسية والعسكرية والأكاديمية الألمانية، لكنه سيبقى محاطًا بقيود قانونية صارمة تحول دون الانتقال السريع من الجدل النظري إلى القرار التنفيذي.
من المحتمل أن تسعى الحكومة الألمانية إلى تعزيز الردع عبر توسيع مشاركتها في المظلة النووية لحلف الناتو، وتحديث قدرات البوندسفير التقليدية، بدلًا من خوض مسار محفوف بالمخاطر نحو التسلح النووي الوطني. كما سيزداد الضغط باتجاه صياغة مقاربة أوروبية مشتركة للردع، سواء من خلال تعزيز الدور النووي الفرنسي داخل منظومة الدفاع الأوروبية، أو عبر آليات تقاسم أوسع للمسؤوليات داخل الحلف الأطلسي.
من المرجح أن تدفع أي خطوات أمريكية لتقليص وجودها العسكري أو النووي في أوروبا برلين إلى إعادة تقييم التزاماتها القانونية الدولية، وفتح نقاش سياسي أعمق حول تعديل بعض الاتفاقيات المقيدة. غير أن هذا المسار سيصطدم بمعارضة داخلية واسعة، وبمخاوف أوروبية من عودة ألمانيا إلى سياسات القوة الصلبة بصورة منفردة، ما يجعل الخيار النووي الوطني عالي الكلفة سياسيًا ودبلوماسيًا.
يمكن القول أنه من الممكن نشوء نموذج ردع أوروبي مشترك، يوازن بين الحاجة إلى الاستقلال الاستراتيجي وتقاسم الأعباء الأمنية، دون كسر منظومة عدم الانتشار النووي. وفي هذا السياق، ستبقى ألمانيا لاعبًا محوريًا في تمويل وبناء القدرات الدفاعية الأوروبية، أكثر من كونها دولة تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية خاصة بها. بذلك، يبدو أن مستقبل النقاش النووي الألماني سيقود إلى تعزيز الردع الأوروبي الجماعي، لا إلى ولادة قوة نووية ألمانية مستقلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114338
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
