خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ هل تكفي التحالفات الأوروبية لمواجهة تصاعد الهجمات الهجينة الروسية؟
أكد رئيس أركان الدفاع البريطاني أن بريطانيا تقدم الدعم العسكري لبلجيكا بعد سلسلة من التوغلات المشتبه بها لطائرات بدون طيار روسية في مجالها الجوي. تابع السير ريتشارد نايتون أن نظيره البلجيكي طلب المساعدة خلال نوفمبر 2025، وإن المعدات والأفراد في طريقهم إلى بلجيكا. أُغلق مطار بروكسل مؤقتًا بعد رصد طائرات مُسيّرة بالقرب منه، كما شوهدت في مواقع أخرى، منها قاعدة عسكرية. يأتي ذلك في أعقاب سلسلة من عمليات توغل طائرات بدون طيار فوق عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما أدى إلى تعطيل حركة النقل الجوي. ونفت روسيا الاتهامات بشن “حرب هجينة” على حلفاء أوكرانيا.
نشر أعضاء جناح الحماية الثاني التابع لسلاح الجو البريطاني
أوضح السير ريتشارد أنه ليس من المؤكد ما إذا كانت هذه التوغلات من تنفيذ روسيا، ولكن من “المعقول” أن تكون قد صدرت بأوامر من موسكو. أكد وزير الدفاع جون هيلي في بيان: “مع تزايد التهديدات الهجينة، فإن قوتنا تكمن في تحالفاتنا وعزمنا الجماعي على الدفاع عن بنيتنا التحتية الحيوية ومجالنا الجوي وردعها وحمايتها”. ومن المرجح أن يتم نشر أعضاء جناح الحماية الثاني التابع لسلاح الجو الملكي البريطاني. إلى جانب حلفاء الناتو، أضاف السير ريتشارد أن المملكة المتحدة ستساعد بلجيكا “بتوفير معداتها وقدراتها”. وأعلنت وزارة الدفاع الألمانية أنها ستدعم بلجيكا في إجراءات مكافحة الطائرات المسيرة بناءً على طلب من بروكسل.
وتأثر نحو 3 آلاف مسافر على متن شركة بروكسل إيرلاينز بالاضطرابات، وقالت الشركة إنها واجهت “تكاليف باهظة” نتيجة إلغاء أو تحويل عشرات الرحلات الجوية. أكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس وأجهزة الأمن البلجيكية أنهم يشتبهون في أن روسيا تقف وراء التوغل، لكن وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكين أشار إلى عدم وجود أدلة تشير إلى ذلك.
روسيا تشكل “التهديد الأكثر إلحاحًا” لأوروبا
أكد فرانكين: “في البداية، اعتبرنا أن الطائرات بدون طيار التي تحلق فوق قواعدنا العسكرية هي مشكلتنا”. متابعًا: “أصبح الآن تهديدًا خطيرًا يؤثر على البنية التحتية المدنية في العديد من البلدان الأوروبية”. أوضح السير ريتشارد أن روسيا تشكل، بشكل عام، “التهديد الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن” لأوروبا. مشيرًا إلى أن “حرب أوكرانيا أظهرت الطبيعة العدائية للجهود الحربية الروسية”. وأضاف: “أن روسيا نفذت عمليات تخريب وقتل على الأراضي البريطانية، وأن ما يسمى بالحرب الهجينة هو مجال تحتاج المملكة المتحدة فيه إلى تعزيز دفاعاتها”. في عام 2022، بدأت حرب أوكرانيا، وهي تسيطر حاليًا على نحو خمس أراضيها، بما في ذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها في عام 2014. وتستخدم التهديدات الهجينة مزيجًا من التكتيكات العسكرية وغير العسكرية، وهي مصممة للتدخل في البنية التحتية أو المؤسسات، وفقًا لحلف شمال الأطلسي.
ما هو النهج الأوروبي لتعزيز الدفاعات؟
في سعيه لمساعدة أوروبا على تعزيز دفاعها في مواجهة تصاعد التهديدات الروسية، أطلق الاتحاد الأوروبي خارطة طريق للسياسة الدفاعية. إذ إن “خريطة الطريق للاستعداد الدفاعي” التي اقترحتها المفوضية الأوروبية خلال العام 2025، تتخذ نهجًا خاطئًا فيما يتعلق بأحد المكونات الحيوية لأي ردعٍ جاد ضد التهديدات المحتملة من الكرملين، وهو الطائرات المسيّرة. أولًا، لأن حصر الجهود ضمن الاتحاد الأوروبي وحده يُعدّ خطأً، وثانيًا لأن المطلوب هو آلية تضامنٍ ماليٍّ جادة تساعد الدول الأقرب إلى الجبهة المحتملة على الاستعداد. المفوضية بتوسيع مهامها خارج نطاقها عبر اقتراح، ولو بشكلٍ مبهم، سياسة دفاعية مشتركة. غير أن الاتحاد الأوروبي ليس المنصة المناسبة لذلك، فبعض الدول الأعضاء تلتزم الحياد رسميًا، مثل إيرلندا أو النمسا، في حين أن دولًا أخرى مثل إسبانيا ترى أنها ليست مضطرة إلى إنفاق الكثير على الدفاع لبعدها عن خطوط التماس المحتملة. وعلى الجانب الآخر، هناك المملكة المتحدة والنرويج، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي وتملكان جيوشًا كبيرة، وتُعدّان جزءًا طبيعيًا من أي تحالفٍ دفاعي ضد روسيا. لذا، فإن “تحالف الراغبين” الذي أشار إليه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يجب أن يكون الإطار الطبيعي للمبادرات المشتركة.
من يتحمل التكلفة المالية لإنشاء ما يُسمّى “جدار الطائرات المسيّرة”؟
لا ينبغي أن تتحمل الدول الواقعة على الجناح الشرقي لأوروبا وحدها التكلفة المالية لإنشاء ما يُسمّى “جدار الطائرات المسيّرة”. يجب أن يمتد التضامن المالي ليشمل الدول السبع الأقرب إلى روسيا، وهي جمهوريات البلطيق الثلاث، وبولندا، وسلوفاكيا، والمجر، ورومانيا. تختلف نفقاتها العسكرية وفقًا لتصورها للتهديد الروسي، إذ تنفق المجر 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بينما تنفق بولندا نحو 5%. لكن إنفاقها الدفاعي مجتمعًا بلغ هذا العام قرابة 65 مليار يورو، وفقًا لتقديرات حلف الناتو، لذا سيكون من المنطقي أن يتحمل الاتحاد الأوروبي جزءًا كبيرًا من هذا العبء بشكلٍ مباشر. ولو أن الكتلة أنفقت جماعيًا ما يعادل ما تنفقه أوكرانيا على الطائرات المسيّرة نحو 2% من ميزانية كييف العسكرية، بحسب المحللة الدفاعية أولينا كريجانيفسكا فإن ذلك سيعني نحو 1.3 مليار يورو مخصصة للطائرات المسيّرة. ويُفترض أن يتم تمويل هذا الإنفاق بشكلٍ مشترك عبر اقتراضٍ أوروبيٍّ موحّد، إذ إن الدول السبع ستكون في خط المواجهة، لكن أي نزاعٍ سيكون مشكلة تخص الدول السبع والعشرين كلها.
الاستفادة من التجربة الأوكرانية
ينبغي أن يستفيد هذا النهج بشكلٍ أكثر منهجية من خبرة أوكرانيا، التي أصبحت المزود الرئيسي للطائرات المسيّرة في أوروبا، إذ تضم نحو 100 شركة لصناعة الطائرات المسيّرة، وما يقرب من 50 شركة أخرى متخصصة في برمجياتها. وتنتج كييف 4 ملايين طائرة سنويًا، ويمكنها مضاعفة هذا الإنتاج مع التمويل المناسب، وفقًا لما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وزيادة التمويل قد تتيح لأوكرانيا، ليس فقط تحسين دفاعها الذاتي، بل أيضًا تحقيق عائداتٍ من بيع طائراتها المُجرَّبة في المعارك إلى جيرانها. ويمكن لتحالف “الراغبين” أن يرى في ذلك فرصةً مناسبة لإظهار مدى جديّته في العمل المشترك.
يقول كريس كريميداس-كورتني، الزميل البارز في مركز السياسات الأوروبية: “تواجه أوروبا مأزقًا في المشتريات الدفاعية. فالاعتماد الأوروبي على أنظمة دفاعية أجنبية خصوصًا الأمريكية والإسرائيلية سلاح ذو حدين: فهو يسرّع عمليات الانتشار لكنه يقوّض استقلال أوروبا الاستراتيجي”. مضيفًا: “رغم أن هناك خيارات أوروبية الصنع لمعظم مستويات التهديد، إلا أنه لا يوجد بديل فعلي حتى الآن لصاروخ “آرو-3” الإسرائيلي، المصمم لاعتراض الصواريخ الباليستية الفرط صوتية. وتضاف إلى هذه المخاوف مشكلة أخرى هي تشتّت الصناعة الدفاعية الأوروبية”.
النتائج
تسلط التوغلات المشتبه بها للطائرات المسيرة الروسية فوق الأراضي البلجيكية الضوء على مرحلة جديدة من التصعيد الهجين بين موسكو ودول حلف الناتو. فبينما تنفي روسيا أي تورط مباشر، تشير طبيعة هذه العمليات إلى نمط من “الحرب الرمادية” التي تعتمد على وسائل غير تقليدية لزعزعة استقرار الخصوم دون الوصول إلى حد المواجهة العسكرية الصريحة.
يمثل الدعم البريطاني العاجل لبلجيكا، بمشاركة جناح الحماية الثاني من سلاح الجو الملكي، مؤشرًا واضحًا على تنامي القلق داخل التحالف الغربي من اتساع رقعة هذه التهديدات لتشمل البنى التحتية الحيوية والمجال الجوي المدني. كما أن مشاركة ألمانيا في الإجراءات الدفاعية تؤكد تحول التعامل مع الطائرات المسيرة من حوادث محدودة إلى أزمة أمنية ذات أبعاد استراتيجية داخل الناتو.
في الأفق القريب، يُتوقع أن يدفع هذا التطور الدول الأوروبية إلى تسريع خططها لإنشاء منظومة دفاع جوي موحدة ضد التهديدات غير التقليدية، خصوصًا تلك القادمة من المجال السيبراني والمجال الجوي المنخفض. كما سيعزز من توجه الناتو نحو تطوير قدراته في مواجهة “التهديدات الهجينة” عبر الدمج بين الدفاع الإلكتروني، والمراقبة الجوية، والحرب المعلوماتية.
أما على المستوى السياسي، فإن تكرار مثل هذه التوغلات قد يرفع من حدة التوتر بين موسكو والعواصم الأوروبية، ويزيد من الضغوط على الحكومات الغربية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه روسيا، خاصة في ظل استمرار حرب أوكرانيا. ومن المرجح أن تتحول بلجيكا، باعتبارها مقرًا رئيسيًا لمؤسسات الناتو والاتحاد الأوروبي، إلى ساحة اختبار لإجراءات الردع الجماعي الأوروبي، مما قد يجعلها محورًا رئيسيًا في النقاشات الأمنية المقبلة داخل التحالف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111504
