المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل تستطيع الصناعات الدفاعية الأوروبية تلبية متطلبات “الناتو 3.0″؟
طالب حلف الناتو زيادة كبيرة في الإنتاج العسكري لأوروبا، بالتزامن مع مناقشات حول مستقبل القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي قبل قمة أنقرة المقبلة في العام 2026. وتأتي هذه المطالبات في ظل استمرار الاعتماد الأوروبي على واشنطن رغم توسع الاستثمارات الأوروبية الدفاعية، حيث يبرز ملف الصناعات الأوروبية الدفاعية كأحد أبرز تحديات “الناتو 3.0” خلال السنوات المقبلة.
دعوات إلى “زيادة كبيرة” في الإنتاج العسكري الأوروبي
دعت القيادة العليا لحلف شمال الأطلسي في 19 مايو 2026 إلى “زيادة كبيرة” في الإنتاج العسكري الأوروبي، في الوقت الذي يستعد فيه الحلفاء لمراجعة التزاماتهم الإنفاقية التي تبلغ مليارات الدولارات في قمة الناتو في قمة أنقرة 2026. يقول الأدميرال بيير فاندييه، القائد الأعلى للتحول في حلف شمال الأطلسي، بعد اجتماع رؤساء دفاعات الحلف الـ 32: “لا يمكن أن يوجد حلف الناتو 3.0 بدون صناعة دفاعية 3.0″، صاغ وكيل وزارة الخارجية الأمريكية إلبريدج كولبي مصطلح “الناتو 3.0” في بداية العام 2026، والذي بموجبه سيتحمل الحلفاء الأوروبيون “المسؤولية الأساسية” عن الدفاع التقليدي لأوروبا.
الحلفاء الأوروبيون ما زالوا يعتمدون على الولايات المتحدة
لكن الحلفاء الأوروبيين ما زالوا يعتمدون على الولايات المتحدة في القدرات الرئيسية، ولم ينتعش الإنتاج بالسرعة الكافية لسد فجوات القدرات، حسبما أكد قادة عسكريون في حلف الناتو. أوضح القائد الأعلى للتحول في حلف شمال الأطلسي: “نحن بحاجة إلى المزيد من الصواريخ، والمزيد من السفن، والمزيد من الدفاع الجوي، والمزيد من القدرات المتطورة، والمزيد من المخزونات”. منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، تعهد الحلفاء بزيادة الإنتاج لردع التهديد الوشيك بأن بوتين قد يشن هجومًا على أراضي الناتو قبل عام 2030.
الناتو ينتقد الصناعة الدفاعية الأوروبية
انتقد الأدميرال جوزيبي كافو دراغون، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، بشدة الصناعة الأوروبية، مرددًا إحباطًا مماثلًا من الممثلة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس بشأن بطء وتيرة تعزيز القدرات الدفاعية في القارة. أكد دراغون: “يجب أن نلاحظ أن معدل تسليم وتزويد جميع القدرات اللازمة لردعنا ودفاعنا بالوقود يتطلب زيادة وتحسينًا كبيرين”، قبل أن يتوجه مباشرة إلى مصنعي الأسلحة قائلًا: “أدعو بشدة صناعة الدفاع إلى تسريع الإنتاج وتكييفًا نماذج أعمالها مع هذه الضرورة. كفى تشتتًا”.
طورت كل دولة قدراتها الخاصة من خلال صناعاتها المحلية، مما أدى إلى ازدواجية في العديد من الأصول العسكرية. فعلى سبيل المثال، تشغل الدول الأوروبية دبابات قتال رئيسية مختلفة، مثل دبابة ليوبارد 2 الألمانية، ودبابة لوكلير الفرنسية، ودبابة تشالنجر 2 البريطانية.من المتوقع أن يلعب التوسع الصناعي دورًا رئيسيًا في قمة قادة الناتو المقبلة في أنقرة، بعد عام واحد من موافقة الحلفاء على تخصيص 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي الشامل بحلول عام 2035.
أضاف دراغون أن لدى القيادات العسكرية توقعات “عالية للغاية” قبل انعقاد القمة. وسيتعين على الحلفاء إثبات كيفية تحويل التزاماتهم الإنفاقية إلى أصول وخطوط إنتاج لتجديد مخزوناتهم. اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات لدعم مصنعي الأسلحة التابعين له، وخصص أدوات تمويل جديدة للمعدات المصنعة بشكل أساسي داخل التكتل. إلا أن هذه المعاملة التفضيلية قوبلت بردود فعل متباينة من واشنطن.
القمة المرتقبة في أنقرة اختبار لقدرة الناتو الإنتاجية
ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” في 16 مايو من العام 2026 أن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يعتزم عقد اجتماع مع مصنعي الأسلحة الأوروبيين في بروكسل مايو 2026، بهدف “تشجيعهم” على زيادة الاستثمار وتوسيع قدرات الإنتاج، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لـ”استرضاء” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفقًا لما نقلته الصحيفة.
يسعى روته بحسب التقرير، إلى التوصل لاتفاقات مع شركات الدفاع الأوروبية لتوسيع إنتاج أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى وقدرات الاستخبارات والمراقبة، بما في ذلك الأقمار الصناعية. كما أشار أشخاص مطلعون لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن الأمين العام للناتو يطمح إلى توقيع اتفاقيات يمكن الإعلان عنها خلال القمة السنوية للحلف المقررة في أنقرة في يوليو 2026. ومن المتوقع أن يشارك في الاجتماع ممثلون عن شركات كبرى في قطاع الدفاع الأوروبي، من بينها راينميتال، وسافران، وإيرباص، وساب، وإم بي دي إيه، وليوناردو. ونقل مسؤول في حلف الناتو للصحيفة قوله إن الأمين العام “يجتمع بانتظام مع المؤسسات الصناعية والمالية من داخل الحلف لتشجيع زيادة الإنتاج والابتكار والاستثمار لتلبية احتياجات القدرات الدفاعية”.
تحول استراتيجي داخل الحلف الأطلسي
أضافت المصادر أن روته طلب من شركات الأسلحة تبادل معلومات حول خطط الاستثمار وقدرات رفع الإنتاج، مع التركيز على مجالات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب مناقشة إنشاء مصانع جديدة، وتوظيف عمال إضافيين، وتأمين المواد الخام، وتعزيز سلاسل التوريد. كما يتضمن النقاش تقليل الاعتماد الأوروبي على المكونات القادمة من الصين وتايوان. ووفقًا للتقرير، يسعى حلف الناتو إلى دفع أعضائه الأوروبيين لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، وهو هدف سبق أن طرحه ترامب خلال قمة الحلف في لاهاي العام 2025. وتشير التقديرات إلى أنه في حال تحقيق هذا الهدف، فإن الإنفاق الدفاعي الأوروبي السنوي بحلول عام 2035 سيكون أعلى بنحو تريليون دولار مقارنة بعام 2024.
تحديات التصنيع تعيد رسم أولويات الحلف الأطلسي
نقلت “فايننشال تايمز” عن مصادر في قطاع الدفاع أن روته يسعى كذلك للحصول على تقييمات مباشرة من الشركات بشأن العوائق التي تواجهها في زيادة الإنتاج لتلبية متطلبات الناتو، في وقت يعاني فيه الحلف من نقص في الذخائر نتيجة دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا. وأشار معهد الحرب الحديثة في تقرير له إلى أن الإمدادات المكثفة لأوكرانيا بقذائف المدفعية أثارت مخاوف بشأن تراجع مخزونات الذخيرة وقدرات التصنيع في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. كما ألقت شركات الأسلحة باللوم على غياب العقود الحكومية طويلة الأجل كأحد أسباب بطء التوسع الإنتاجي. ورغم زيادة الإنتاج لمعالجة نقص الذخيرة، برزت تحديات جديدة تتعلق بالصواريخ بعيدة المدى، خاصة مع استخدام الولايات المتحدة كميات كبيرة من مخزونها خلال العمليات العسكرية ضد إيران. ووفقًا للتقارير، استخدم الجيش الأمريكي نحو 1100 صاروخ كروز بعيد المدى، أي ما يقارب نصف المخزون، إضافة إلى أكثر من 1000 صاروخ “توماهوك”، ما يعادل مخزونًا يكفي لعشر سنوات تقريبًا.
إعادة التفكير في الأمن الأوروبي
تسعى ألمانيا إلى شراء صواريخ “توماهوك” من الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديد الروسي، في حين تراجعت واشنطن مؤخرًا عن خطط نشر هذه الصواريخ على الأراضي الألمانية. وتأتي هذه التطورات في ظل خطط أمريكية لسحب نحو 5000 جندي من ألمانيا، ما اعتبره بعض المسؤولين “جرس إنذار” للدول الأوروبية بشأن الحاجة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والإنتاجية بشكل مستقل، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في المدى الطويل.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118670
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
