خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
تتقدم أوروبا على الولايات المتحدة في المساعدات لأول مرة منذ يونيو 2022، بإجمالي مخصصات قدرها 138 مليار يورو حتى يونيو 2025 وفقًا لتقرير في 22 أغسطس 2025. فهل يمكن أن تستمر هذه الزيادة المالية مع مرور الوقت إذا قلصت واشنطن دعمها، أم أنها مجرد زيادة مؤقتة؟
تريد روسيا أجزاءً من أوكرانيا، ويرفض الرئيس فولوديمير زيلينسكي التنازل عن أي أراضٍ، وتقود محادثات السلام بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، إدارة دونالد ترامب الأمريكية، التي انتقدت مرارًا حجم دعم واشنطن. إذا تم التوصل إلى اتفاق، فسيكون السؤال المطروح: من سيضمن أمن أوكرانيا بعد الحرب، ومن سيدفع تكاليف إعادة إعمارها؟ ولكن في حال عدم التوصل إلى اتفاق سلام، فقد تتقلص المساعدات الأمريكية أكثر. وهذا يطرح سؤالًا آخر: من يملك القدرة على سدّ الفجوة؟
ما هي الدول التي تساهم بشكل أكبر في جهود الحرب في أوكرانيا؟
تلقت أوكرانيا أكثر من 309 مليارات يورو من 41 دولة على الأقل، إما في شكل مساعدات عسكرية أو إنسانية أو مالية، وفقًا لمعهد كيل للاقتصاد العالمي، وهو مركز أبحاث مقره ألمانيا. جاء معظم هذا الدعم من حلفاء الناتو، 23 منهم أعضاء في الاتحاد الأوروبي. خصصت كندا 11.94 مليار يورو، بينما قدمت النرويج 6.49 مليارات يورو بين يناير 2022 ويونيو 2025. كما قدمت دول غير أعضاء في الناتو، مثل أستراليا واليابان وسويسرا والنمسا وكوريا الجنوبية وأيرلندا، دعمًا كبيرًا.
أنفقت الولايات المتحدة 130.6 مليار دولار على أوكرانيا (111.28 مليار يورو)، وهو ما يمثل 37% من إجمالي الدعم الحكومي لأوكرانيا. لكن أوروبا ساهمت مجتمعةً بمبلغ أكبر 138 مليار يورو، بجمع المساعدات على مستوى الاتحاد الأوروبي مع المساهمات الثنائية من دول منفردة داخل الاتحاد وخارجه.
في أوروبا، تتصدر ألمانيا (21.29 مليار يورو)، والمملكة المتحدة (18.61 مليار يورو)، وهولندا (10.89 مليارات يورو)، وفرنسا (7.56 مليارات يورو) قائمة أكبر المانحين. في المقابل، ساهمت المجر وسلوفينيا واليونان بما يتراوح بين 0.05 مليار و0.15 مليار يورو لكل منها.
هل تستطيع أوروبا ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة؟
على الأقل على الورق، لا يبدو ملء هذه الفجوة مستحيلًا. تشير التقديرات المستندة إلى بيانات عام 2024 إلى أن أوروبا لن تحتاج إلا إلى زيادة دعمها بنحو 0.12% من الناتج المحلي الإجمالي لتعويض الخسارة الكاملة للمساعدات العسكرية الأميركية.
أثبتت أوروبا في الواقع بالفعل قدرتها على التدخل مؤقتًا على الأقل. عندما أوقفت الولايات المتحدة كل دعمها لأوكرانيا في مايو ويونيو 2025، دون أي إعلانات جديدة عن مساعدات، لم تكتفِ أوروبا بسد الفجوة، بل تجاوزت واشنطن لأول مرة منذ يونيو 2022. خصص الاتحاد الأوروبي وأعضاؤه 72 مليار يورو، مقارنةً بـ65 مليار يورو للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن المال هو مجرد جزء واحد من المعادلة.
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تراجعت المساعدات الأمريكية لأوكرانيا بشكل حاد، مع أن واشنطن لا تزال أكبر مانح. فإلى جانب الدعم النقدي، تُقدم الولايات المتحدة معدات عسكرية أساسية: 305 مركبات قتالية للمشاة، و201 مدفع هاوتزر، و18 نظام دفاع جوي، و41 قاذفة صواريخ من طراز HIMARS.
إن الاختبار الحقيقي يكمن في ما إذا كانت واشنطن ستستمر في توفير القدرات التي يمولها الأوروبيون أو ما إذا كان هناك توقف كامل في تسليم المعدات الأميركية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
أكد لويجي سكاتسيري، كبير محللي السياسات في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية: “إن الخسارة الكاملة للدعم الأميركي من شأنها أن تترك فجوة أكبر بكثير مما تشير إليه الأرقام وحدها”. وأكد أن أنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات من الصعب بشكل خاص على أوروبا استبدالها بنفس الجودة والحجم الذي تمتلكه الولايات المتحدة.
يتسابق الاتحاد الأوروبي أيضًا لتعزيز دفاعاته ضد أي هجوم روسي محتمل بحلول عام 2030. ومع ذلك، فإن التقدم أبطأ من المرغوب فيه، وخاصة في الحصول على معدات رئيسية متطورة. وبحسب تحليل حديث أجراه مركز بروغل البحثي ومقره بروكسل، فإن صناعة الدفاع في أوروبا على الرغم من الاستثمارات الأخيرة تظل “ضعيفة للغاية” وتعتمد بشكل كبير على الواردات من الولايات المتحدة.
توصل باحثون من معهد بروغل ومعهد كيل للاقتصاد العالمي إلى أن أوروبا لا تزال تعتمد بشكل كبير على واشنطن في مجال الصواريخ الأسرع من الصوت، والطائرات النفاثة من الجيل التالي، والأنظمة المتكاملة مع الذكاء الاصطناعي، والاستخبارات.
يقول الباحث الكبير في مركز بروغل، جونترام وولف، في يونيو 2025: “لقد كانت هناك بعض الزيادة في مختلف الأنظمة ــ حيث شهدت المدفعية على وجه الخصوص نموًا كبيرًا ولكن هذه الزيادات لا تزال صغيرة نسبيًا مقارنة بالطلب الإجمالي”.
في عام 2023، نشرت أوروبا 1627 دبابة قتال رئيسية، بينما تشير التوقعات إلى أنها ستحتاج إلى ما بين 2359 و2920 دبابة. بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي مثل باتريوت وسامب/تي، بلغ مخزونها في عام 2024، 35 وحدة، أي أقل من نصف العدد المطلوب وهو 89 وحدة. ونصح مؤلفو التقرير صناع السياسات في الاتحاد الأوروبي والحكومات الوطنية بأن “الاستثمارات الكبرى في البحث والتطوير ستكون ضرورية”.
النتائج
تبرز أوروبا اليوم كلاعب مركزي في دعم أوكرانيا، متجاوزة الولايات المتحدة في حجم المساعدات لأول مرة منذ عام 2022. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته الرمزية والمالية، يظل محفوفًا بالتحديات الهيكلية.
الاتحاد الأوروبي، وإن كان قادرًا على ضخ الأموال، لا يزال ضعيفًا من حيث القدرات العسكرية الفعلية، والبنية التحتية الدفاعية، والاستقلال الصناعي.
مع تقلص الدعم الأميركي نتيجة التغيرات السياسية في واشنطن، وخاصة مع عودة ترامب، تواجه أوروبا اختبارًا حاسمًا: هل تستطيع قيادة المجهود الحربي وحدها، أم أنها ستُجبر على مراجعة استراتيجياتها الأمنية؟.
في المستقبل القريب، ستتزايد الضغوط على الأوروبيين لتعزيز صناعاتهم الدفاعية وتسريع وتيرة البحث والتطوير. ومع أن أرقام الناتج المحلي تُظهر قدرة كامنة على تغطية الفجوة الأميركية، فإن تحقيق ذلك فعليًا يتطلب تنسيقًا غير مسبوق، واستثمارات ضخمة، واستقلالًا استراتيجيًا لم يتحقق بعد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107979
