خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
هل تحوّلت السويد إلى قاعدة أمامية للناتو في مواجهة روسيا؟
أعلنت الحكومة السويدية، في 21 أغسطس 2025، عن خططها لاستضافة مقر لوجستي جديد تابع لحلف شمال الأطلسي، سيكون مكلفًا بتنسيق تحركات القوات والمعدات العسكرية في شمال أوروبا، في خطوة وُصفت بأنها جزء من تعزيز البنية الدفاعية لدول حلف شمال الأطلسي في ظل التهديدات الجيوسياسية المتزايدة، وخاصة منذ بدء حرب أوكرانيا في 2022.
صرّح وزير الدفاع السويدي بول جونسون: “أن وجود بنية تحتية تابعة للناتو داخل الأراضي السويدية يمثل نقلة نوعية في الاستراتيجية الأمنية الوطنية”. مضيفًاً: “إن وجود حلف شمال الأطلسي في السويد يعزز أمننا وقدرتنا على الردع، كما يساهم المركز اللوجستي بشكل مباشر في الدفاع عن الجناح الشمالي لحلف شمال الأطلسي”.
المهام والقدرات
أوضح الوزير: “أن الموقع الذي سيحتضن القاعدة اللوجستية الجديدة سيكون في بلدة إنكوبينغ (Enköping)، الواقعة شمال غرب العاصمة ستوكهولم. ومن المقرر أن يعمل في القاعدة، خلال أوقات السلم، نحو 70 فردًا عسكريًا ومدنيًا، يمثلون مجموعة من التخصصات اللوجستية والإدارية والتقنية”. الحكومة السويدية أوضحت في بيان رسمي أن هذا العدد قابل للزيادة بشكل كبير في حالات الطوارئ أو في حال اندلاع حرب، حيث يمكن للمركز أن يتوسع ليضم نحو 160 فردًا خلال حالات التأهب القصوى أو العمليات العسكرية واسعة النطاق.
أكد وزير الدفاع السويدي: “أن المركز سيتولى تنسيق نقل المعدات والإمدادات الضرورية، مثل الوقود، الذخيرة، قطع الغيار، والمؤن العسكرية، عبر الأراضي السويدية، سواء باتجاه دول الشمال أو عبرها إلى دول البلطيق وأوروبا الوسطى. وأضاف جونسون: “الهدف الرئيسي هو أن نتمكن من نقل كميات كبيرة من المعدات والأفراد بسرعة وفعالية عبر الأراضي السويدية في حال الحاجة إلى دعم أو نشر سريع للقوات”.
تابع الوزير: “أن المركز اللوجستي سيخضع للسيادة السويدية لكنه سيكون متكاملاً بالكامل ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي، من حيث المعايير التشغيلية والاتصالات والتنسيق مع القيادة الأوروبية المشتركة للناتو”.
استعدادات جارية والتشغيل الكامل في 2027
وفقًا لما ورد في البيان الحكومي، تم تكليف القوات المسلحة السويدية بالبدء فورًا في التحضيرات الهندسية واللوجستية لإقامة المركز، بما في ذلك إنشاء المباني، أنظمة الاتصالات، المرافق اللوجستية، ومخازن الإمدادات. ومن المقرر أن تكون القاعدة جاهزة للتشغيل الكامل بحلول نهاية عام 2027، ما يتيح ثلاث سنوات للتجهيز والتكامل التدريجي مع قوات الحلف.
تُعد هذه الخطوة جزءًا من التزامات السويد كعضو حديث في حلف شمال الأطلسي، إذ يُنتظر منها الإسهام بفعالية في الدفاع الجماعي عن أراضي الحلف، لا سيما في المنطقة الشمالية المحاذية لروسيا وبحر البلطيق، والتي أصبحت محورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
انضمام السويد إلى الناتو: نهاية لعقيدة الحياد العسكري
تأتي هذه التطورات بعد تحول تاريخي في السياسة الدفاعية السويدية، حيث تخلت الدولة الاسكندنافية عن سياسة الحياد العسكري التي استمرت، وتقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى حلف الناتو في مايو 2022، وذلك في أعقاب حرب أوكرانيا. وبعد مفاوضات وموافقات متتابعة من جميع الدول الأعضاء، انضمت السويد رسميًا إلى الحلف في مارس 2024، لتصبح العضو الثاني والثلاثين في الناتو.
يُنظر إلى انضمام السويد، إلى جانب فنلندا التي سبقتها في عضوية الحلف، على أنه توسع استراتيجي مهم للناتو في منطقة شمال أوروبا، إذ تضيف الدولتان موارد عسكرية متقدمة، بنى تحتية حيوية، وموقعًا جغرافيًا حساسًا في بحر البلطيق وعلى مقربة من الدائرة القطبية الشمالية.
ردود فعل وتوقعات
على الرغم من أن موسكو لم تصدر ردًا رسميًا حتى الآن على إعلان إنشاء المقر اللوجستي في السويد، فإنها كانت قد انتقدت بشدة انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، معتبرة ذلك “تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الروسي”. ويتوقع محللون عسكريون أن يؤدي تعزيز وجود الناتو في الشمال الأوروبي إلى زيادة في التوترات العسكرية في بحر البلطيق والمناطق المحيطة.
تؤكد السويد والناتو أن هذه الإجراءات تهدف فقط إلى تعزيز الدفاع والردع، وليست موجهة نحو أي دولة بعينها. من المنتظر أن يلعب المركز اللوجستي السويدي دورًا محوريًا في الخطط الدفاعية المستقبلية للناتو، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين خطوط الإمداد السريع في حال اندلاع أزمات أو نزاعات مسلحة، مما يعزز مرونة الحلف وسرعة استجابته في المنطقة الشمالية.
النتائج
يمثّل قرار السويد استضافة مقر لوجستي لحلف شمال الأطلسي تحوّلًا نوعيًا في سياساتها الدفاعية، إذ ينقلها من موقع الحياد التقليدي إلى موقع الفاعل الأمني ضمن المنظومة الغربية.
هذه الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا من قبل ستوكهولم للمخاطر الجيوسياسية في شمال أوروبا، خاصة في ظل التوتر المتصاعد مع روسيا.
من المتوقع أن يُسهم المركز في تعزيز قدرة الناتو على الانتشار السريع ودعم الجناح الشرقي للحلف، لا سيما في حالة تصاعد النزاع في بحر البلطيق أو فنلندا أو دول البلطيق.
على المدى المتوسط، قد يشكل هذا المركز جزءًا من منظومة أوسع لتعزيز الجاهزية العسكرية لحلف الناتو في الشمال، بما في ذلك إنشاء ممرات لوجستية عابرة للدول الاسكندنافية.
أما على المدى البعيد، فقد يدفع هذا الوجود العسكري المتزايد إلى ردود فعل روسية، ربما تتخذ شكل تعزيزات عسكرية مضادة في منطقة كالينينغراد أو الحدود الشمالية، ما يرفع من منسوب التوتر في المنطقة.
إجمالًا، يعزز القرار موقع السويد كحليف استراتيجي في هيكل الناتو الجديد، لكنه في الوقت ذاته يضعها ضمن دائرة الأهداف المحتملة في أي مواجهة قادمة بين روسيا والحلف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107943
