خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل تحتاج أوروبا إلى المزيد من الأسلحة النووية لمواجهة روسيا؟
تصاعد القلق الأوروبي بشأن ما إذا كانت أوروبا بحاجة إلى المزيد من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية وسط التوترات المتزايدة مع روسيا. ومع تفاقم التوترات بين القوى العالمية، أصبح القادة الأوروبيون والجمهور مهتمين بشكل متزايد بالأنظمة العسكرية الجديدة ذات التقنية العالية، بما في ذلك الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية. الغواصة النووية هي تقنية حساسة تستخدمها 6 دول فقط، وهي: فرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والهند. لكنها استقطبت اهتمامًا متزايدًا مؤخرًا.
تحول ملحوظ في السياسة النووية الأمريكية
أطلقت القوات العسكرية الفرنسية في ديسمبر 2025، النار على طائرات مسيرة مجهولة الهوية حلّقت فوق منشأة غواصات نووية في بريتاني. وفي نوفمبر 2025، أكدت الحكومة الأميركية إنها ستدعم كوريا الجنوبية في بناء غواصات هجومية نووية لمواجهة كوريا الشمالية، وهو تحول كبير في السياسة، نظرًا إلى أن واشنطن تجنبت نشر تكنولوجيا الدفع النووي البحري لعقود من الزمن. لقد فرضت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة قيودًا على نقل تكنولوجيا الدفع النووي إلى المملكة المتحدة، التي قدمت لها المساعدة منذ عام 1958. وقد فتحت المجال لأستراليا في عام 2021. وفي نوفمبر 2025، نشرت روسيا كذلك فئة جديدة من الغواصات النووية تحمل اسم “خاباروفسك”.
ما هي الغواصات النووية؟
يمكن أن يشير مصطلح الغواصة النووية إما إلى غواصة تعمل بمفاعل نووي أو إلى غواصة تحمل رؤوسًا حربية نووية، بغض النظر عن كيفية تشغيلها. غالبًا ما يُستخدم هذا المعنى المزدوج بشكل فضفاض وقد يؤدي إلى الارتباك. تستخدم الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية الحرارة الناتجة عن مفاعل على متنها لتوليد البخار وتدوير توربيناتها، مما يمنحها قدرة تحمل غير عادية. يمكنها البقاء تحت الماء لعدة أشهر في المرة الواحدة، ولا تحتاج إلى الصعود إلى السطح إلا لتوفير الغذاء والمياه لطاقمها، مما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة. يقول هانز ليوانغ، أستاذ علوم النظم للدفاع والأمن في جامعة الدفاع السويدية: “إن امتلاك هذه الكمية الهائلة من الطاقة لفترة طويلة هو مفتاح أهميتها بالنسبة للدول التي تمتلك غواصات تعمل بالطاقة النووية”.
على العكس من ذلك، ليس من الضروري أن تكون الغواصة المسلحة نوويًا تعمل بالطاقة النووية. يمكن أن تكون سفينة تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء وتحمل صواريخ نووية. كما يمكن أن تكون المنصة المسلحة نوويًا تعمل بالطاقة النووية، كما هو الحال مع غواصات فئة “لو تريومفان” الفرنسية. أضاف ليوانغ: “علينا أن نفترض أن مدينة خاباروفسك الروسية قادرة على حمل الأسلحة النووية”.
هل تحتاج أوروبا إلى مزيد من الغواصات النووية في ظل التهديد الروسي؟
رغم أن الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية يمكن أن تكون قوية في مهام التخفي والمراقبة، فإنها قد لا تكون مناسبة بشكل جيد للأنواع من الصراعات التي تواجهها أوروبا اليوم، وفقًا لليوانغ. فعلى سبيل المثال، عند النظر في حرب أوكرانيا، فإن ساحة المعركة الأكثر أهمية بالنسبة لأوروبا وحلفاء حلف شمال الأطلسي هي الأرض والبحر، والتي عادة ما تكون “أكثر ضحالة وأقرب إلى الشاطئ”، كما أكد ليوانغ. أضاف ليوانغ أن هذا يعني أن “تطوير غواصة تعمل بالطاقة النووية ليس هو النشاط الأساسي للبحرية”. تابع ليوانغ إن المياه الضحلة والطبيعة الجغرافية المحدودة في منطقة البلطيق تجعل من الصعب على هذه السفن العمل دون أن تُكتشف. في الوقت نفسه، لا تتطلب المهام في أعماق البحر الأبيض المتوسط عادةً حجم أو قدرة تحمل أو تعقيد غواصة تعمل بالطاقة النووية.
تميل الغواصات التي تعمل بالديزل والكهرباء إلى أن تكون أصغر حجمًا وأقل تكلفة في الصيانة. ويعتقد ليوانغ أن أوروبا في وضع جيد دون الحاجة إلى الاستثمار لنشر المزيد منها. يوضح ليوانغ: “بالنسبة لمعظم الدول الأوروبية، من الأهم بكثير أن يكون لديها عدة غواصات تقليدية بدلًا من الحصول على المواصفات المحددة التي تمتلكها هذه الغواصات”. تواجه الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية تحديات عملية. فمفاعلاتها تشغل مساحة كبيرة داخل السفينة، وقد يستغرق تزويدها بالوقود ما يصل إلى عام، إذ يتعين تفكيكها لاستبدال مصدر الوقود القديم بالجديد.
يعتقد ليوانغ أن هذه الغواصات لها مكان في الصورة الدفاعية الأوسع لأوروبا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالعمليات في مناطق بعيدة في المحيط الأطلسي، نظرًا إلى أن تكتيكات الحرب الهجينة التي تنتهجها روسيا تشكل تهديدات أكبر على الأراضي الأوروبية مثل جرينلاند وأيسلندا. يقول ليوانغ: “إنني أرى ضرورة التأكد من أن الدول الأوروبية قادرة على الاضطلاع بدور في الدفاع عن المحيط الأطلسي”. أضاف ليوانغ أن “الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية يمكن أن تكون من بينها، لكنها تحتاج إلى أشياء أخرى” مثل الغواصات التقليدية والسفن السطحية.
ورغم أن ليوانغ لا يرى أن الغواصات النووية تشكل أولوية عاجلة لأوروبا، فإنه قال إن التطورات الأخيرة في جميع أنحاء العالم قد يكون لها تأثيرات سلبية على البيئة الأمنية في أوروبا. وأضاف أن “الغواصة التي تعمل بالطاقة النووية هي في الواقع حالة من إسقاط القوة على الكرة الأرضية”. لذا، فإن دولًا مثل روسيا لديها هذا النوع من الرؤية، وهذا يؤثر بالطبع على موقفها تجاه الولايات المتحدة. وبالطبع، يؤثر موقف روسيا تجاه الولايات المتحدة على كيفية تصرفها في أوروبا.
النتائج
يكشف التهديد المتصاعد حول ما إذا كانت أوروبا تحتاج إلى المزيد من الغواصات النووية عن تحوّل أوسع في التفكير الاستراتيجي الأوروبي، خصوصًا بعد حرب أوكرانيا وتصاعد الأنشطة البحرية الروسية في المحيط الأطلسي والقطب الشمالي. ورغم أن ست دول فقط تمتلك هذا النوع من الغواصات، فإن النقاش الأوروبي لا يتجه بالضرورة إلى تبنّي سباق تسلّح نووي بحري، بقدر ما يعبّر عن قلق جيوسياسي عميق من تغيّر البيئة الأمنية العالمية، واتجاه القوى الكبرى إلى عرض القوة عبر البحار.
يعكس رأي الخبراء واقعية أوروبية متزايدة. فهو يشير بوضوح إلى أن امتلاك الغواصات النووية لا يتناسب مع طبيعة المسارح البحرية التي تهم أوروبا مباشرة، مثل بحر البلطيق والبحر الأسود والبحر المتوسط، حيث تفرض الجغرافيا الضحلة والبيئات الساحلية المعقدة تحديات على هذا النوع من السفن. هذه المنطقة البحرية تحتاج إلى حضور مستمر، وقدرات مرنة، وسفن أصغر حجمًا وأكثر ملاءمة للعمليات القريبة من الشواطئ، الأمر الذي يبرّر استمرار الاعتماد على الغواصات التقليدية.
لكن في المقابل، تزداد أهمية القدرة على العمل في المحيط الأطلسي العميق، خاصة مع تركيز روسيا على تطوير قدرات بحريتها الاستراتيجية، ومنها فئة “خاباروفسك” الجديدة التي يُرجح أنها قادرة على حمل أسلحة نووية. هذا التطور لا يهدد الدول الأوروبية بشكل مباشر عبر السواحل، بل من خلال إضعاف أمن خطوط الإمداد عبر الأطلسي، وخلق ضغوط على البنية الأمنية لحلف الناتو، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على حرية الملاحة والاتصال البحري بين أوروبا والولايات المتحدة.
من هذا المنظور، قد يصبح امتلاك أوروبا أو على الأقل فرنسا والمملكة المتحدة بصفتهما قوتين نوويتين لغواصات إضافية عاملة بالطاقة النووية خيارًا استراتيجيًا لتعويض أي تراجع محتمل في الالتزام الأميركي تجاه الدفاع عن القارة، خصوصًا مع اتجاه واشنطن نحو أولوية آسيا والمحيط الهادئ. وتزداد أهمية هذا الطرح في ضوء صعود التكتيكات الروسية الهجينة التي تستهدف كابلات الاتصالات البحرية والبنية التحتية الحيوية في شمال الأطلسي.
على المدى المتوسط، من المتوقع أن تركز أوروبا على مزيج مزدوج: تعزيز أساطيل الغواصات التقليدية لدعم الردع الساحلي، وتطوير محدود وموجّه لقدرات نووية بحرية لتمدّد العمليات في أعالي البحار. ومع ذلك، لا يبدو أن القارة ستتجه إلى سباق غواصات نووي شامل، نظرًا للكلفة الهائلة والتعقيدات التقنية والسياسية المرتبطة به.
في المحصلة، حاجة أوروبا للغواصات النووية ليست مسألة عدد بقدر ما هي مسألة دور مدى استعدادها لملء الفراغ الذي قد يتركه تراجع أميركي، وقدرتها على تأمين فضائها البحري الواسع في عصر تتغير فيه قواعد القوة البحرية العالمية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112606
