المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
النووي الأوروبي ـ هل يمكن ان يكون بدل المظلة الأمريكية؟
تمتلك أوروبا قوتين نوويتين، فرنسا والمملكة المتحدة. ورغم أن عرض ماكرون الأولي لتوسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليشمل الشركاء الأوروبيين قوبل بتجاهل كبير في عام 2020، إلا أنه يكتسب خلال العام 2026 زخما. من المتوقع أن يقول إيمانويل ماكرون في الثاني من مارس 2026، خلال خطاب حول هذا الموضوع، إن عرض فرنسا لتوسيع نطاق ردعها النووي ليشمل بقية أوروبا لن ينافس بأي حال من الأحوال المظلة التي توفرها الولايات المتحدة. سيكون خطاب الرئيس الفرنسي الأول من نوعه حول الردع النووي للبلاد منذ خطابه عام 2020 الذي أعلن فيه استعداده “لإشراك” الدول الأوروبية الراغبة في ذلك في مناورات عسكرية.
سيُلقى الخطاب من شبه جزيرة إيل لونغ في شمال غرب فرنسا، حيث تتمركز غواصات الصواريخ الباليستية الأربع التي تعمل بالطاقة النووية. أفاد قصر الإليزيه”ستكون هذه لحظة مهمة في فترة ولايته. لا شك أن بعض التحولات والتطورات الهامة ستحدث”. تم تجاهل عرض ماكرون لعام 2020 على نطاق واسع، لكن الرئيس الفرنسي أكد خلال فبراير 2026، في مؤتمر ميونيخ للأمن، أنه انخرط في “حوار استراتيجي” مع المستشار الألماني فريدريش ميرز وقادة آخرين من الاتحاد الأوروبي لم يذكر اسمهم حول “كيف يمكننا صياغة عقيدتنا الوطنية” بشأن الردع النووي.
اهتمام متزايد بين الشركاء
ينبع هذا الاهتمام النووي الجديد بعواصم الاتحاد الأوروبي من تحول جذري في المشهد الجيوسياسي العالمي الذي ساد منذ أن بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022 وعاد دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة. أجبر الحدث الأول الأوروبيين على التعامل مع نقاط الضعف والاعتماد عندما يتعلق الأمر بدفاعهم عن أنفسهم، بينما دفع الحدث الثاني الكثيرين في جميع أنحاء القارة إلى التشكيك في التزام واشنطن بأمن أوروبا. إن الحلقة الأخيرة، التي شهدت تهديد ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد حليفه في الناتو، الدنمارك، للاستيلاء على جرينلاند، لم تزد تلك المخاوف إلا سوءا، على الرغم من أن القادة والوزراء الأوروبيين أكدوا علنا أنهم ما زالوا مقتنعين بالتزام واشنطن طويل الأمد تجاه حلفائها في الناتو.
أوضحت الولايات المتحدة رغبتها في سحب بعض قواتها ومعداتها جزئيا من أوروبا، في إطار سعيها للتوجه نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولا يزال من غير الواضح ما الذي سيتضمنه هذا الانسحاب الجزئي وكيف سيتم تنفيذه. لكن مصادر مقربة من الرئيس أكدت كذلك اعتقادها بأن “نحن نعيش في فترة مواتية بشكل أساسي لانتشار الأسلحة النووية”، مع قيام روسيا بتطوير صواريخ فرط صوتية جديدة، وتوسيع الصين لترسانتها بسرعة، ومسألة مستقبل إيران التي تخيم بثقلها على الشرق الأوسط. وأضاف قصر الإليزيه: “كل هذا يولد اهتماما متزايدا بين الشركاء”. مؤكدا مع ذلك أن “هذا لا يتنافس بأي شكل من الأشكال مع حلف الناتو”. لكن كيفية صياغة بديل لا تزال غير واضحة.
استبدال المظلة النووية الأمريكية ستكون مكلفة
صرح كل من الأمين العام لحلف الناتو مارك روته ومفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس بأن محاولة الحلفاء الأوروبيين استبدال المظلة النووية الأمريكية ستكون مكلفة للغاية وتستغرق وقتا طويلا. تعتمد السياسة النووية الفرنسية على ما يسمى “الاكتفاء الصارم”، مما يعني أنها تحد من عدد الرؤوس الحربية التي تمتلكها إلى العدد الذي تعتبره ضروريا لإلحاق ضرر غير مقبول بأي خصم. وعلى هذا النحو، فإنها تمتلك ما يقرب من 300 رأس حربي نووي في ترسانتها، وهو رقم أقل بكثير من أكثر من 3500 رأس حربي نووي التي تقدر أن تمتلكها كل من الولايات المتحدة وروسيا.
ذكر قصر الإليزيه “أحد عناصر عقيدتنا النووية التي تستحق التأكيد عليها مجددا هو رفضنا للحرب النووية. لذا فنحن لسنا منخرطين في سباق تسلح، إن صح التعبير، مع الترسانات الرئيسية. المهم هو أن ترسانتنا تضمن قدرتنا على إلحاق ضرر غير مقبول”. وعززت فرنسا والمملكة المتحدة تعاونهما وتنسيقهما النووي من خلال إعلان نورثوود الذي وُقع خلال العام 2025. ولديهما الآن فريق توجيه نووي لتوفير التوجيه السياسي لهذا العمل والمشاركة في التدريبات النووية المتبادلة.
النتائج
يشكل العام 2026 نقطة تحول في النقاش الأوروبي حول الردع النووي ودور فرنسا القيادي فيه. فإذا استمر تآكل الثقة الأوروبية في الضمانات الأمنية الأمريكية، ولو بشكل نسبي، فمن المرجح أن يتعزز الزخم السياسي الداعم لفكرة مظلة الردع النووي الفرنسي، سواء عبر صيغ تشاورية أعمق أو عبر ترتيبات مؤسسية تدريجية داخل الاتحاد الأوروبي.
غير أن تحويل الطرح الفرنسي إلى إطار عملي سيواجه تحديات معقدة. فالدول الأوروبية تختلف في ثقافاتها الاستراتيجية وفي مواقفها من السلاح النووي، كما أن بعضها يعتمد تقليديا على المظلة الأمريكية ضمن حلف الناتو بوصفها الضامن النهائي للأمن. لذلك قد نشهد في المدى المنظور صيغة مزدوجة، استمرار الارتباط بالردع الأمريكي، بالتوازي مع تطوير بعد أوروبي مكمل تقوده باريس بالتنسيق مع لندن.
سيزيد تسارع سباق التسلح العالمي، مع تطوير روسيا لقدرات فرط صوتية وتوسع الصين النووي، من الضغوط على العواصم الأوروبية لإعادة تقييم جاهزيتها الاستراتيجية. وقد يدفع ذلك إلى استثمارات أكبر في القدرات التقليدية والنووية على حد سواء، حتى وإن أكدت باريس أنها لا تنخرط في سباق تسلح.
سيظل أي تقدم في هذا المسار مرتبطا بالتطورات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها. فإذا تبنت واشنطن سياسة أكثر انكفاء، فقد تتسارع الخطوات الأوروبية نحو قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. أما إذا جرى تجديد الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا بصورة واضحة، فقد يظل المشروع الفرنسي في إطار الردع التكميلي لا البديل.
يبدو أن أوروبا تتجه نحو مرحلة إعادة تعريف لمفهوم أمنها الجماعي، حيث يصبح الردع النووي جزءا من نقاش أوسع حول السيادة الاستراتيجية، وتقاسم الأعباء، ومستقبل النظام الأمني عبر الأطلسي.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115551
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
