خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ ما مستقبل الصناعات الدفاعية الألمانية إذا طال أمد حرب أوكرانيا؟
شهدت شركات تصنيع الأسلحة في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، ارتفاعًا كبيرًا في مبيعات المعدات العسكرية خلال عام 2024. وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فإن حرب أوكرانيا هي السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع. لم يسبق لمصنّعي الأسلحة أن حققوا أرباحًا بهذا الحجم. فوفقًا لتقرير SIPRI عن أكبر مئة شركة سلاح في العالم، بلغت عائدات هذه الشركات من مبيعات الأسلحة والخدمات العسكرية 679 مليار دولار (582 مليار يورو) في العام 2024. يمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 5.9% بعد احتساب التضخم مقارنة بعام 2023. وحتى في ذلك العام، أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وخاصة حرب أوكرانيا، إلى ارتفاع الطلب على السلاح. وفي عام 2024، تسارع هذا الاتجاه بشكل أكبر.
هل يعني ذلك أن حرب أوكرانيا مفيدة اقتصاديًا في أماكن أخرى؟ يقول نان تيان من معهد SIPRI، وهو أحد معدي التقرير: “بالنسبة لقطاع الدفاع، بالتأكيد”. وأضاف تيان: “أن عائدات شركات السلاح ارتفعت بشكل كبير خلال العامين (2023 – 2024)، سواء عبر تطوير معدات جديدة أو إعادة ملء المخزونات أو استبدال المعدات المدمرة.
شركات ألمانية تحقق أعلى معدلات نمو
من بين 100 شركة، توجد 39 شركة في الولايات المتحدة، وهو أكبر عدد لأي دولة. وتمثل هذه الشركات نحو نصف إيرادات مبيعات السلاح عالميًا. ورغم ذلك، لا يتجاوز معدل نموها 3.8%. أما الشركات الأوروبية الست والعشرون (باستثناء روسيا)، فقد حققت زيادة قدرها 13%. سجّلت الشركات الألمانية أكبر نمو، إذ ارتفعت إيراداتها بنسبة 36٪. ويقول نان تيان إن ذلك يرتبط بشكل شبه كامل بالغزو الروسي لأوكرانيا. فقد ازدادت طلبات الجيش الألماني على منتجات شركات مثل راينميتалл ودايل، سواء لتجديد ما أُرسل إلى أوكرانيا أو لتوسيع أسطول الدبابات والمركبات المدرعة.
اقتصاد الحرب الروسي يزدهر رغم العقوبات
تظهر الشركات الروسية في التصنيف بشكل منفصل، وليس مفاجئًا أنها حققت نموًا كبيرًا. ورغم انخفاض إيرادات التصدير بسبب العقوبات، فإن الطلب المحلي ارتفع لتعويض ذلك. ويشير نان تيان إلى أن روسيا تحولت تمامًا إلى اقتصاد حرب، حيث تُوجَّه جميع الموارد نحو الجبهة. وبحسب التقرير، زادت روسيا إنتاج قذائف المدفعية من عيار 152 ملم بنسبة 420% بين عامي 2022 و2024، من 250 ألفًا إلى 1.3 مليون قذيفة. ورغم نقص المكونات الأجنبية، خصوصًا الإلكترونية، لم ينهَر الاقتصاد الروسي كما كان متوقعًا. لكنه اليوم أسوأ مما كان يمكن أن يكون عليه دون الحرب والعقوبات. ويرى تيان أن روسيا قد تجد صعوبة في العودة إلى اقتصاد طبيعي حتى لو تحقق السلام.
انخفاض عائدات الشركات الصينية
تأتي آسيا في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وأوروبا، بوجود 23 شركة في القائمة. لكن آسيا هي المنطقة الوحيدة التي شهدت انخفاضًا في الإيرادات مقارنة بعام 2023، ويرجع ذلك خصوصًا إلى الشركات الصينية التي انخفضت عائداتها بنسبة 10% نتيجة إلى إلغاء أو تأجيل طلبيات كبيرة. في المقابل، حققت شركات الشرق الأوسط نموًا بنسبة 14%، وهي أكبر نسبة لها، مع وجود تسع شركات في التصنيف، بينها 3 في إسرائيل التي يرتفع الطلب فيها على الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي. كما شهدت تركيا زيادة جديدة في الإيرادات، رغم أن شركة بايكار لم تكرر معدلات تصدير طائراتها المسيرة إلى أوكرانيا كما في عام 2024.
الشركات الكبرى كلها أميركية تقريبًا
تشمل الشركات الخمس الأولى عالميًا لوكهيد مارتن، RTX، نورثروب غرومان، بي إيه إي سيستمز، وجنرال دايناميكس. وباستثناء الشركة البريطانية بي إيه إي سيستمز، تنتمي جميعها إلى الولايات المتحدة. بالمقارنة، يأتي قسم الدفاع في شركة إيرباص الأوروبية في المركز الثالث عشر، بينما تحتل راينميتال الألمانية المركز العشرين. وفي عام 2024، بلغ عدد الشركات الألمانية في القائمة أربع شركات: راينميتال، تيسنكروب، هينسولدت، ودايل، بإجمالي إيرادات 14.9 مليار دولار. حصلت شركة دايل على أكبر طلب ذخيرة في تاريخها لتوريد قذائف عيار 155 ملم للجيش الألماني، فيما حققت راينميتال قفزة بنسبة 47% في مبيعات الدبابات والمركبات المدرعة والذخائر. أما التحالف الألماني الفرنسي KNDS، الذي يجمع كراوس مافاي فيغمان ونيكستر، فجاء في المرتبة 42، وارتفعت طلباته بنسبة 40%، وهو ارتفاع يفوق بكثير نسبة نمو إيراداته التي بلغت 14%. ويعود ذلك إلى حرب أوكرانيا وزيادة التهديدات الروسية.
النتائج
يكشف تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) عن مشهد دولي يزداد عسكرةً عامًا بعد آخر، حيث أصبحت حرب أوكرانيا محرّكًا رئيسيًا لازدهار غير مسبوق لصناعة الأسلحة. يمثّل الارتفاع الكبير في أرباح شركات السلاح، خاصة في أوروبا وألمانيا، مؤشرًا واضحًا على تحوّل الحرب من صراع جغرافي إلى منظومة اقتصادية كاملة تعيد تشكيل ميزان القوى الدولي. يعكس تصدّر الشركات الأميركية للتصنيف استمرار تفوقها التكنولوجي وقدرتها الإنتاجية الضخمة، لكن التباطؤ النسبي في نموها مقارنة بالشركات الأوروبية يشير إلى انتقال مركز ثقل الطلب نحو القارة الأوروبية التي تواجه تهديدًا مباشرًا.
يؤكد النمو الألماني الاستثنائي بنسبة 36% أن برلين تتحول تدريجيًا من قوة اقتصادية إلى قوة تسلّح متقدمة، مدفوعة بزيادة الإنفاق العسكري وبرامج التحديث والتجهيز السريع للجيش الألماني. يظهر التقرير أن روسيا أعادت بناء اقتصادها بالكامل وفق نموذج اقتصاد الحرب، رغم العقوبات التي كان يُفترض أن تشل القدرات العسكرية. الزيادة الحادة في إنتاج الذخائر تعكس قدرة موسكو على إعادة تدوير منظومتها الصناعية، وإن كان ذلك على حساب مستقبل الاقتصاد المدني.
يجعل هذا المسار عودة روسيا إلى اقتصاد طبيعي بعد انتهاء الحرب تحديًا كبيرًا، نظرًا لترسّخ البنية المؤسسية للصناعات العسكرية داخل هياكل الدولة. يؤثر التراجع الكبير في شركات السلاح الصينية على مكانة الصين كمورد عسكري عالمي، خصوصًا في أسواق الجنوب العالمي. أما الشرق الأوسط، فبوجود تسع شركات في القائمة، يُظهر تحوّلًا نوعيًا في الصناعات الدفاعية، مدفوعًا بالحروب الإقليمية والتهديدات العابرة للحدود وارتفاع الطلب على الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، خاصة في إسرائيل وتركيا.
من المتوقع دخول عصرًا تزداد فيه عسكرة الاقتصاد العالمي، حيث لا يبدو أن الطلب على السلاح سيتراجع قريبًا. يعزز استمرار الحرب في أوكرانيا، واتساع التوترات بين الصين والولايات المتحدة، وتصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، كلها عوامل توقعات نمو الصناعات الدفاعية عالميًا. في ظل هذا المسار، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع مصالح الصناعات العسكرية، في إطار سباق تسلّح عالمي سيؤثر بعمق على الاستقرار السياسي ومستقبل النظام الدولي خلال العقد المقبل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112250
