خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
دوافع أوروبا لرسم “خارطة طريق” متعددة الجنسيات في أوكرانيا
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في 31 أغسطس 2025 إن دول الاتحاد الأوروبي تعمل على وضع خارطة طريق لنشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا بدعم من الولايات المتحدة بعد الحرب. صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية: “أن العواصم الأوروبية تُعِدّ خططًا ملموسةً لنشر قوات عسكرية محتملة في أوكرانيا”. أضافت أورسولا : “أن هذه النشرات ستُشكّل جزءًا من الضمانات الأمنية لما بعد الصراع التي تدعمها الولايات المتحدة”.
تابعت أورسولا: ” أن خطط الدول الأعضاء هي بمثابة خريطة طريق واضحة للانتشار المحتمل، وإن القرار السياسي بالمشاركة في القوة متعددة الجنسيات يعود لكل دولة على حدة، مذكّرةً بأن نشر القوات قرار سيادي”. أكدت: “أن هناك شعورًا كبيرًا بالإلحاح، وأن الأمور تتقدم وتتشكل”.
وصفت فون دير لاين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “بوتين لم يتغير ولن يتغير”. أكدت: “نحن نعلم من التجربة أنه لا يمكن السيطرة عليه إلا من خلال الردع القوي”. كشفت فون دير لاين على دور المفوضية في مجال الدفاع قائلةً: “إن بإمكان الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي أن يلعب دورًا محوريًا في مساعدة الدول الأعضاء على تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي”.
القادة الأوروبيين في اجتماع مرتقب بباريس
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القادة الأوروبيين إلى باريس في الرابع من سبتمبر 2025 لعقد محادثات رفيعة المستوى، مستندًا إلى ثلاثة مصادر دبلوماسية. ومن المتوقع أن يحضر الاجتماع كل من المستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، إضافة إلى فون دير لاين.
لا محادثات بشأن نشر قوات برية
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرز في 31 أغسطس 2025: “إنه يستعد لاستمرار حرب أوكرانيا لفترة طويلة، لأنه لا يحمل أي أوهام بشأن رغبة موسكو في إنهاء هذه الحرب”. تابع ميرز: “إنه لم يفقد الأمل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام ولكن بالتأكيد ليس على حساب استسلام أوكرانيا”. أضاف ميرز: “قد تنتهي الحرب غدًا إذا استسلمت أوكرانيا وتنازلت وفقدت استقلالها”. مضيفًا: “أن هذا قد يدفع موسكو إلى غزو دولة أخرى”. وأوضح: “هذا ليس خيارًا”.
سعت برلين، إلى جانب دول غربية أخرى، إلى حشد الدعم لجهود دبلوماسية متجددة لإنهاء الحرب. ومع ذلك، اتُّهمت موسكو بتجنب إجراء مفاوضات جادة والتباطؤ في جهود السلام، بعد عدم تحقيق أي تقدم عقب القمة الأمريكية الروسية في ألاسكا في أغسطس 2025. منذ أن بدأت حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، قدمت ألمانيا أو وعدت بتقديم مساعدات عسكرية بلغ مجموعها أكثر من 40 مليار يورو، مما يجعل برلين ثاني أكبر داعم عسكري لأوكرانيا بعد واشنطن.
أكد المستشار الألماني قائلًا: “أن الدعم سيستمر، وأن الأولوية القصوى هي دعم الجيش الأوكراني ليتمكن من الدفاع عن هذا البلد على المدى البعيد. هذه هي الأولوية المطلقة، وسنبدأ في القيام بذلك”.
كشف المستشار الألماني: “إن المناقشات مع الحلفاء لا تتعلق بإرسال قوات برية غربية إلى أوكرانيا، بل تتعلق بالضمانات الأمنية المحتملة التي تهدف إلى تعزيز أوكرانيا بعد الهدنة المستقبلية”. وتابع: “لا أحد يتحدث عن قوات برية في أوكرانيا في هذه المرحلة”.تأتي تعليقات ميرز في توقيت مهم في المحادثات بشأن إمكانية إنهاء حرب أوكرانيا والتصعيد المستمر، بعد تعثّر المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة، وتكثيف الهجمات الروسية الضخمة.
تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي
في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمني على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، وجهت خمس دول أوروبية بولندا، وفنلندا، ولاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا نداءً مشتركًا إلى المفوضية الأوروبية تطالب فيه بتوفير تمويل إضافي لتعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد، التي باتت تواجه تحديات متزايدة تُوصف بأنها “هجينة”، خصوصًا من جهة روسيا وبيلاروسيا.
جاء هذا النداء عبر رسالة رسمية موجهة إلى نائبة رئيس المفوضية الأوروبية هينا فيركونين، ومفوض الشؤون الداخلية والهجرة ماجنوس برونر، حيث عرض وزراء داخلية الدول الخمس الأوضاع الأمنية المتدهورة في المنطقة الحدودية، مشيرين إلى أن الأوضاع تجاوزت ما يمكن التعامل معه بالإمكانات الحالية، وأن هناك حاجة ملحة لاستثمار أوروبي أوسع في أنظمة الحماية والمراقبة.
تهديدات مستمرة منذ أكثر من أربع سنوات
أوضحت الرسالة أن هذه الدول تعاني منذ أكثر من أربع سنوات من سلسلة متواصلة من التهديدات الهجينة، التي تشمل استغلال قضايا الهجرة غير النظامية، وتهريب البشر، والضغط على البنية التحتية الأمنية من خلال الهجمات السيبرانية، والتدخلات الدعائية، والتوغلات الجوية بواسطة طائرات مسيّرة، بعضها محمّل بعبوات ناسفة.
أكدت الدول الخمس أن بعض هذه الطائرات بدون طيار دخلت بالفعل الأجواء السيادية خلال العام 2025، حاملة مواد متفجرة، ما يشير إلى انتقال واضح في طبيعة التهديدات من الطابع الرمزي أو التجسسي إلى الطابع العسكري المباشر، ما يجعل المدنيين في قلب دائرة الخطر. ولفتت الرسالة إلى أن بعض هذه الحوادث وقعت قرب مناطق مأهولة، مما سبب تهديدًا مباشرًا للسكان وأثار القلق من تكرارها مستقبلاً.
أكد مسؤولون إن تشويشًا روسيًّا على نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) استهدف طائرة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أثناء محاولتها الهبوط في مطار ببلغاريا في سبتمبر 2025. ذكر تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز، نقلًا عن مسؤولين لم تسمّهم، أن التشويش المشتبه به على نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) في مطار مدينة بلوفديف، أجبر طائرة فون دير لاين على التحليق حول المطار لمدة ساعة، قبل أن يُضطر الطيار إلى الاعتماد على الخرائط الورقية للهبوط بدلًا من الملاحة الإلكترونية.
أوضحت أريانا بوديستا، نائبة المتحدث باسم المفوضية الأوروبية قائلةً: “يمكننا أن نؤكد أن هناك تشويشًا على نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، لكن الطائرة هبطت بسلام”. تابعت بوديستا: “لقد تلقينا معلومات من السلطات البلغارية بأنها تشتبه في أن روسيا هي التي نفذت هذا التدخل الصارخ”.
اتهامات موجهه لروسيا
اتهم حلفاء أوروبيون روسيا بانتظام بالتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الذي يستهدف الموانئ البحرية والمطارات، كجزء من الحرب الهجينة التي تشنها موسكو ضد الغرب، والتي تصاعدت خلال غزوها المستمر لأوكرانيا المدعومة من حلف شمال الأطلسي. تتراوح مثل هذه الحوادث بين المُخربة والخطرة تمامًا، بل وتُهدد بكارثة جوية. وهي تُبرز الطبيعة الشاملة والخبيثة للصراع بين روسيا والغرب، وهو صراع يغلي تحت وطأة حرب أوكرانيا.
توضح بوديستا: “نحن ندرك جيدًا أن التهديدات والترهيب يشكلان عنصرًا منتظمًا في الأعمال العدائية التي تقوم بها روسيا”. مضيفةً: “ومن شأن هذا أن يعزز بشكل أكبر التزامنا الثابت بتعزيز قدراتنا الدفاعية ودعمنا لأوكرانيا”.
حادث الطائرة الروسية شرق بولندا
تعزز هذه المخاوف ما حدث في بولندا، حين سقط جسم طائر في حقل ذرة بالقرب من بلدة أوسيني الواقعة شرق البلاد. الحادث تسبب في انفجار أدى إلى تحطم نوافذ عدد من المنازل القريبة، مما خلق حالة من الذعر في صفوف السكان المحليين. وقد أكّد لاحقًا وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك-كاميش: “أن الجسم المتفجر كان طائرة روسية بدون طيار، في حادثة هي الأحدث ضمن سلسلة من الاختراقات الجوية المقلقة”.
مطالب بتحديث البنية الدفاعية الجوية
تُبرز الرسالة أن الدعم الأوروبي السابق ساهم في تحسين بعض جوانب إدارة الحدود، مثل التحكم في تدفقات الهجرة وتحسين التنسيق الأمني والاستجابة للطوارئ. إلا أن وزراء داخلية الدول الخمس شددوا على أن التهديدات الحالية تتطلب نقلة نوعية في مستوى التجهيز، خصوصًا في ما يتعلق بالمراقبة الجوية واستخدام الطائرات المسيرة وتقنيات مكافحة الطائرات المعادية.
من بين أبرز المطالب التي جاءت في الرسالة: تحديث أنظمة الرادار والمراقبة، توفير دعم مالي لشراء طائرات بدون طيار متطورة، تطوير قدرات الدفاع الإلكتروني، وتوسيع الشبكات الدفاعية الخاصة برصد وتحييد الطائرات المسيرة المعادية. كما دعت الدول المفوضية إلى تسريع وتيرة الإجراءات والتمويل، محذرة من أن أي تأخير قد يفتح الباب لمزيد من التصعيد والاختراقات الأمنية.
توقيع وزاري يعكس وحدة الموقف
حملت الرسالة توقيع وزراء الداخلية في الدول الخمس، وهم: إيجور تارو “إستونيا”، وماري رانتانين “فنلندا”، وريهاردز كوزلوفسكيس “لاتفيا”، وفلاديسلاف كوندراتوفيتش “ليتوانيا”، ومارسين كيرفينسكي “بولندا”. يعكس هذا التوقيع المشترك وحدة موقف هذه الدول التي تمثل الخط الأمامي للاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديدات القادمة من الشرق، لا سيما من روسيا وبيلاروسيا.
التهديد الهجين: سلاح موسكو الجديد؟
يرى مراقبون أن روسيا، منذ بداية الحرب في أوكرانيا، بدأت توسيع نطاق استخدامها للأدوات غير التقليدية في الضغط على الدول المجاورة والاتحاد الأوروبي، مستفيدة من قدراتها في مجال الطائرات بدون طيار، والدعاية الإعلامية، والهجمات السيبرانية، والمناورات الحدودية. وتُعد بيلاروسيا، الحليف الأقرب لموسكو، أحد الأذرع المنفذة لهذه السياسات، خاصة في ما يتعلق بإرسال مهاجرين إلى الحدود الأوروبية في إطار استراتيجية “التضييق الجغرافي”.
بينما تظل المواجهة العسكرية المباشرة بين روسيا والناتو احتمالاً بعيدًا، إلا أن هذا النوع من “التهديد الهجين” يسمح لموسكو بتقويض الاستقرار الأوروبي دون خوض حرب تقليدية، وهو ما يفرض تحديات غير مسبوقة على السياسات الأمنية للاتحاد.
النتائج
تعكس الرسالة الموجهة من بولندا ودول البلطيق إلى المفوضية الأوروبية تصاعد شعور بالخطر الأمني على حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
التهديدات الهجينة، التي تمزج بين الطائرات المسيّرة، والهجرة غير النظامية، والضغط السيبراني، تمثل أدوات جديدة في الصراع الروسي مع الغرب، ما يستدعي مقاربة أوروبية مختلفة تتجاوز السياسات الدفاعية التقليدية.
في المستقبل القريب، من المرجح أن تشهد الحدود الشرقية تعزيزات أمنية مكثفة، سواء على صعيد البنية التحتية أو تقنيات المراقبة المتقدمة.
يُتوقع أن تدفع هذه المطالب نحو إعادة النظر في آليات التمويل الأوروبي المتعلقة بالأمن، خصوصًا في ظل بروز الحدود كمسرح محتمل للتوتر المستمر.
في المقابل، قد تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من التوتر مع روسيا وبيلاروسيا، وربما تصعيد متبادل في الأساليب الهجينة. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، تبدو المنطقة مرشحة للبقاء في دائرة الاستهداف، ما لم تُفعّل استراتيجيات ردع فعّالة ومتعددة الأبعاد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108564
