خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ ما حدود المفوضية الأوروبية في توجيه الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء؟
أكدت المفوضية الأوروبية في 12 ديسمبر 2025 إن العروض التي قدمتها الدول الـ19 التي اختارت المشاركة في برنامج القروض الدفاعية الآمنة تجاوزت بشكل واضح السقف المالي المخصص. فاقت القيمة الإجمالية للاكتتابات مبلغ 150 مليار يورو بنحو 40 مليار يورو، ما يعكس إقبالًا غير مسبوق من الدول الأعضاء على الاستفادة من هذه الأداة التمويلية الجديدة. يؤشر هذا الإقبال إلى تصاعد القلق الأوروبي بشأن الوضع الأمني، في ظل استمرار حرب أوكرانيا وتزايد المخاوف من فجوات هيكلية في القدرات الدفاعية للقارة.
محاولة لتحقيق توازن بين طموحات الدول
كانت المفوضية الأوروبية في سبتمبر 2025، قد خصصت 150 مليار يورو على شكل قروض مبدئية لصالح 19 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ضمن إطار مبادرة القروض الدفاعية الآمنة المعروفة باسم “SAFE”. جرى احتساب هذه المخصصات استنادًا إلى متوسط الحدين الأدنى والأقصى للعروض التي قدمتها العواصم الأوروبية إلى بروكسل، في محاولة لتحقيق توازن بين طموحات الدول وقيود الميزانية العامة للبرنامج. أما الأموال المتبقية، فقد استُخدمت لرفع إجمالي الحزمة التمويلية إلى السقف المعلن البالغ 150 مليار يورو. رغم أن هذه القروض لا تزال من الناحية الفنية عرضة للتعديل والتغيير، فإن الدول المشاركة أعدّت خططها الدفاعية على أساس التخصيصات المبدئية التي أبلغتها بها المفوضية. يعني ذلك أن أي تعديل لاحق قد يفرض على بعض العواصم إعادة النظر في أولوياتها أو في جداولها الزمنية الخاصة بمشاريع التحديث والتوريد العسكري.
حجم الطلب يتزايد على التمويل الدفاعي المشترك
كان قد أفاد تقرير في أغسطس 2025 بأن العروض المقدمة من الدول الأعضاء جاءت أعلى بكثير من إجمالي مبلغ الإقراض المتاح. أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية هذه التقديرات، مشيرًا إلى أن الاكتتاب الزائد بلغ نحو 25% من إجمالي البرنامج، وهو مستوى مرتفع يعكس حجم الطلب المتزايد على التمويل الدفاعي المشترك. تأتي هذه التصريحات في أعقاب تعليقات لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي أكدت أن البرنامج شهد إقبالًا فاق طاقته الاستيعابية، وأن عددًا من الدول الأعضاء بدأ بالفعل يطالب بإطلاق خطة إقراض إضافية لتلبية احتياجاته الدفاعية المتنامية. يعكس هذا الطرح تنامي الضغوط السياسية داخل الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق الأدوات المالية المخصصة للأمن والدفاع، بعد سنوات من الاعتماد المحدود نسبيًا على الإنفاق العسكري المشترك.
مراجعة تفصيلية للخطط التي قدمتها الدول
في المراحل الأولى من إعداد البرنامج، كانت المفوضية الأوروبية تخشى أن لا تُستخدم جميع الأموال المخصصة لمبادرة “SAFE”، خاصة في ظل تردد بعض الدول تقليديًا في اللجوء إلى آليات الاقتراض الأوروبية. في حال عدم تقديم طلبات تغطي كامل المبلغ، كان من المقرر إعادة فتح باب التقديم في العام المقبل، بهدف توزيع أي أموال متبقية على مشاريع دفاعية جديدة أو معدّلة. غير أن الواقع الحالي قلب هذه المخاوف رأسًا على عقب، مع تجاوز الطلبات للسقف المالي المتاح. تجري المفوضية الأوروبية مراجعة تفصيلية للخطط التي قدمتها العواصم الـ19 في نهاية نوفمبر2025، والتي توضح بدقة كيفية استخدام كل دولة لمخصصاتها المبدئية.
تشمل هذه الخطط أنواع المشاريع الدفاعية المستهدفة، وجداول التنفيذ، ونسب التخصيص بين المشتريات الوطنية والمشاريع المشتركة. صرّح مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس بأن نحو 65% من إجمالي الميزانية المخصصة حتى الآن ستُوجَّه إلى مشاريع التوريد المشتركة، ما يعكس التوجه الاستراتيجي للاتحاد نحو تعزيز التعاون الدفاعي وتقليص التجزئة في أسواق السلاح الأوروبية.
الهدف زيادة المخزونات الدفاعية الأوروبية
رغم أن البرنامج يسمح للدول الأعضاء بتمويل مشاريع توريد وطنية خالصة، فإن الهدف الأساسي لمبادرة “SAFE” يتمثل في زيادة المخزونات الدفاعية الأوروبية من خلال الشراء المشترك، بما يسهم في خفض التكاليف، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الجيوش الأوروبية، ودعم القاعدة الصناعية الدفاعية داخل الاتحاد. أشار مصدر مطلع على المناقشات إلى أن المفوضية قد تعيد توزيع أجزاء من القروض المبدئية إذا قررت بعض الدول تعديل خططها بعد انتهاء عملية المراجعة.
ما مدى صلاحيات المفوضية الأوروبية؟
لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تملك المفوضية الأوروبية صلاحية رفض أجزاء من خطط الإنفاق الوطنية، أو فرض تعديلات جوهرية عليها، وهو ما يفتح نقاشًا حساسًا حول حدود سلطة الجهاز التنفيذي للاتحاد في مجال الدفاع، الذي لا يزال تقليديًا من صميم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. لم تنتهِ المفوضية بعد من تقييم جميع الطلبات التسعة عشر، إذ لا تزال المناقشات جارية حول إمكانية إطلاق أداة SAFE لاحقة أو مكمّلة. وأشار دبلوماسي أوروبي إلى أن إصدار أداة جديدة في المستقبل القريب يبدو أمرًا مستبعدًا، في ظل القيود الميزانية والنقاشات السياسية الدائرة حول أولويات الإنفاق الأوروبي. برزت اليونان كحالة لافتة، إذ طلبت بالفعل مراجعة خطتها بهدف زيادة مخصصاتها بشكل كبير، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض من جانب بروكسل. يعكس هذا الموقف حرص المفوضية على الحفاظ على الانضباط المالي وتفادي فتح الباب أمام مطالب فردية قد تقوض التوازن العام للبرنامج.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112743
