خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ ما تأثيرحرب أوكرانيا على استراتيجيات التجنيد في فرنسا وسويسرا؟
يصوّت السويسريون خلال نوفمبر 2025 على مقترح يستبدل الخدمة العسكرية الإلزامية المفروضة على الرجال بواجب مدني إلزامي يشمل الجميع، في وقت يؤكد فيه المؤيدون والمعارضون أنهم يدافعون عن حقوق المرأة، في إطار النظام الديمقراطي المباشر في سويسرا. ولا يُتوقع أن يحظى أي من الاقتراح بالقبول، وفق استطلاعات حديثة، إلا أنه أثار نقاشًا واسعًا. وحثت الحكومة والبرلمان الناخبين على رفض المقترح، معتبرين أنهما سيكلف مبالغ ضخمة وقد يهدد الاقتصاد الوطني.
الخدمة الوطنية في الجيش تساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي
المبادرة المعروفة باسم مبادرة الواجب المدني كانت تحظى في البداية بدعم واسع، لكن شعبيتها تراجعت خلال أكتوبر ونوفمبر 2025. فقد أظهر آخر استطلاع أجراه معهد gfs.bern أنّ 64% من المشاركين يعارضونها. تؤكد اللجنة الداعمة للمبادرة أن إلزام كل مواطن ومواطنة، دون تمييز، بأداء خدمة وطنية في الجيش أو في مجال مدني سيساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي. وقالت رئيسة اللجنة، نويمي روتان، لوكالة فرانس برس إن الهدف هو تحقيق مساواة حقيقية. وأضافت أنّ النظام الحالي تمييزي، ليس فقط ضد الرجال، بل كذلك ضد النساء اللواتي يُستبعدن إلى حدّ كبير من شبكات وتجارب مفيدة يوفرها أداء الخدمة. وتابعت: سواء في الجيش أو الحماية المدنية أو الخدمة المدنية أو فرق الإطفاء التطوعية، فإن الفكرة هي أن يساهم كل شاب وشابة في الصالح العام.
وفي ظل الاضطرابات الجيوسياسية والحرب المشتعلة في أوروبا، ترى روتان أنّ الوقت حان لمنح النساء دورًا متساويًا في مشروع جماعي لحماية السكان. في المقابل، ينفي المعارضون أن تؤدي المبادرة إلى تعزيز المساواة. تقول سيرييل هوغونو، مسؤولة قضايا المساواة والأسرة والهجرة في اتحاد النقابات السويسرية، إن المبادرة تتجاهل تمامًا واقع النساء في البلاد. وأوضحت أن النساء في سويسرا يقمن بستين بالمئة من الأعمال غير المدفوعة، بينما الوضع معاكس بالنسبة للرجال. وأضافت: والآن تطلبون من النساء تقديم المزيد من العمل المجاني. هذا لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة.
مضاعفة أعداد المجندين قد تلحق ضررًا بالاقتصاد
وردّدت الحكومة الحجج نفسها في معارضتها، مؤكدة أن مضاعفة أعداد المجندين ستتجاوز بكثير الحاجة الفعلية، وقد تلحق ضررًا بالاقتصاد. وقدّرت برن أن هذا التغيير سيضاعف تكلفة نظام الجيش الحالي، الذي يفرض على المجند أداء خدمة لا تقل عن أربعة أشهر، قبل استدعائه على مدى عقد كامل لتدريبات تستمر لأسابيع. لكن روتان رفضت هذا الطرح، مؤكدة أنه مع وجود عدد أكبر من المجندين يمكن تقليص مدة الخدمة، ما سيخفض التكاليف. كما رأت أن الواجب المدني الوطني سيكون استثمارًا يعزز صمود سويسرا في حال وقوع كارثة، محذرة من أن كلفة عدم الاستعداد ستُدفع أرواحًا.
فرنسا تتجه إلى خدمة عسكرية طوعية لتعزيز قواتها المسلحة
تكشف فرنسا عن خطط لتجنيد مزيد من الشباب في الجيش، في مواجهة التهديد الروسي المتصاعد مجددًا، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لإنشاء خدمة عسكرية طوعية جديدة لمن هم في سن الثامنة عشرة أو أكثر، خلال زيارته للواء المشاة الجبلية السابع والعشرين في جبال الألب. وبحسب صحيفة لا تريبيون، يمكن للمتطوعين الالتحاق لمدة عشرة أشهر مع بداية البرنامج، مقابل راتب يتراوح بين 900 و1000 يورو شهريًا. وسيُجدَّد البرنامج تلقائيًا سنويًا، وتأمل الرئاسة الفرنسية في استقطاب 50 ألف شاب إضافي كل عام بحلول 2035. ولا يزال الحد الأعلى للعمر في هذا البرنامج غير محدد.
كان ماكرون قد لمح إلى هذه الخطة خلال خطاب ألقاه في 13 يوليو 2025 أمام القوات المسلحة، متعهدًا بإطار جديد لمعالجة نقاط الضعف في الجيش الفرنسي. تمتلك القوات المسلحة الفرنسية الآن 200 ألف عنصر و40 ألفًا في الاحتياط، لكن 77 ألفًا فقط منهم جاهزون للانتشار الفعلي، وهو ما يكفي لتغطية ثمانين كيلومترًا فقط من الجبهة الأوكرانية، وفقًا للجنرال السابق فانسان ديسبورت. وفي ظل روسيا المتقدمة عسكريًا وإمكانية انكفاء الولايات المتحدة عن أوروبا، ترى فرنسا أن عليها تعزيز معداتها وقوتها البشرية.
ماكرون استبعد إرسالهم إلى أوكرانيا
لم تحدد الرئاسة الفرنسية بعد المهام الموكلة للمجندين الجدد، لكن ماكرون استبعد إرسالهم إلى أوكرانيا ضمن أية قوة طمأنة بعد الحرب. وقدّر تقرير صادر عن المفوض السامي للتخطيط أن تدريب سبعين ألف شاب سيكلف 1.7 مليار يورو سنويًا، وهو مبلغ غير مدرج بعد في ميزانية الدفاع المقرر أن تبلغ 64 مليار يورو عام 2027، أي ضعف ميزانيتها قبل عقد. ومع تعثّر مفاوضات موازنة 2026، أكدت رئاسة الوزراء إنه ستطلب من البرلمان التصويت على إجراءات لتعزيز القوات المسلحة. وكان الرئيس جاك شيراك قد ألغى الخدمة الإلزامية عام 1997، فيما توجهت فرنسا نحو جيش مهني بالكامل بعد نهاية الحرب الباردة.
ويرى الضابط السابق غيوم أنسل أن المجتمع الفرنسي يحتاج اليوم إلى إعادة بناء الرابط مع جيشه، وهو تحدٍّ تشترك فيه عدة دول أوروبية. واقترح أن الحرس الأوروبي الطوعي يمكن أن يساعد في إطلاق برامج مشتركة كبرى في الصناعات الدفاعية. وفي ألمانيا، تخطط الحكومة لإطلاق خدمة طوعية بدءًا من الأول من يناير، براتب قدره 2600 يورو شهريًا. ويهدف الجيش الألماني إلى استقطاب ما بين 20 ألفًا و30 ألف مجند سنويًا.
النتائج
يكشف الخلاف الدائر في سويسرا حول مبادرة الواجب المدني الإلزامي عن تحوّل أعمق في التفكير الأوروبي تجاه دور المجتمع في الأمن الوطني. فعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تُظهر معارضة واسعة للمقترح، فإن النقاش نفسه يعكس إدراكًا متزايدًا في أوروبا بأن الأزمات الجيوسياسية، والحرب في أوكرانيا، والتحديات الداخلية، تُحتّم إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمواطن في مجالات الدفاع، والجاهزية، والعمل المجتمعي.
تبدو المبادرة السويسرية تعبيرًا عن محاولة لبناء نموذج جديد يقوم على إشراك الجميع في خدمة وطنية واسعة، لكنها تصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي معقد، خصوصًا في ما يتعلق بوضع المرأة والعمل غير المدفوع وعبء الرعاية. يسلط المعارضون الضوء على فجوات بنيوية، أبرزها عدم قدرة الاقتصاد السويسري على استيعاب تضاعف أعداد المجندين، والخشية من تحميل النساء أعباء إضافية قد تُعمّق اللامساواة بدل تقليصها.
ترى لجنة المبادرة أن الانخراط الجماعي في الخدمة الوطنية قد يعزز التماسك المجتمعي ويمنح سويسرا قدرة أكبر على مواجهة الكوارث والأزمات. هذا التناقض بين الرؤيتين يعكس صراعًا أوروبيًا أوسع حول كيفية توزيع عبء الدفاع في زمن تتزايد فيه التهديدات. تكتسب القضية بُعدًا إضافيًا حين تُوضع في سياق التحولات الحاصلة في فرنسا وألمانيا.
بينما تمضي سويسرا نحو نقاش مباشر حول الخدمة الإلزامية المدنية، تتجه فرنسا إلى نموذج طوعي يعيد بناء الاحتياط البشري عبر حوافز مالية، فيما تُعيد ألمانيا إطلاق خدمة تطوعية بدافع مواجهة التهديد الروسي. هذا التباين في النماذج يعكس غياب رؤية أوروبية موحدة في مجال تعبئة الطاقات البشرية للدفاع، كما يعكس اختلافًا في الثقافة الاستراتيجية بين الدول.
من المرجح أن تظل مبادرة الواجب المدني في سويسرا محور نقاش يعود بقوة بعد أي أزمة كبرى أو كارثة طبيعية، خصوصًا في ظل المخاوف من اتساع نطاق الحرب الروسية الأوكرانية. وقد تفكر برن في إدخال تعديل على المبادرة مستقبلاً، بحيث تكون أكثر مرونة وأقل إلزامًا، أو تُربط بحوافز واضحة، بدلًا من نسختها الحالية ذات الكلفة العالية.
في الإطار الأوروبي الأوسع، ستتجه الدول إلى تعزيز نماذج الخدمة الوطنية بنسخ مختلفة، تجمع بين الطوعية والإلزام الجزئي، مع إعادة تقييم دور المجتمع المدني في الأمن القومي. وفي كل الأحوال، يبدو أن أوروبا تتجه نحو مرحلة يُعاد فيها تعريف مفهوم المواطنة بوصفه شراكة أمنية، لا مجرد علاقة حقوق وواجبات تقليدية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112114
