المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ لماذا تنقسم الدول الأوروبية حول المبادرة النووية الفرنسية؟
أثار عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتوسيع نطاق الردع النووي الفرنسي داخل أوروبا نقاشًا متزايدًا حول مستقبل الأمن الأوروبي ودور الولايات المتحدة في القارة. وبينما أبدت عدة دول اهتمامًا بالمبادرة، لا تزال دول أخرى متحفظة بسبب التداعيات السياسية والعسكرية المحتملة.
انقسام الدول الأوروبية حول عرض ماكرون للردع النووي
استقطب عرض فرنسا لتوسيع نطاق ردعها النووي حتى يونيو 2026 تسع دول أوروبية، لكن الفوائد التي سيُوفرها هذا المخطط بالإضافة إلى المظلة النووية الأمريكية لا تزال غير واضحة للدول الأخرى. ففي مايو من العام 2026، أعلنت النرويج، التي لطالما اعتقدت أن أمنها يُضمن على أفضل وجه من خلال تحالف وثيق مع واشنطن، انضمامها إلى مبادرة فرنسا “للردع الاستباقي”، لتنضم بذلك إلى ثماني دول أخرى: ألمانيا، وهولندا، واليونان، وبلجيكا، وبولندا، والسويد، والدنمارك، والمملكة المتحدة. يُرسل هذا التحول إشارة قوية للغاية إلى كل من الحلفاء الأوروبيين وواشنطن، كما صرّح إتيان ماركوز، كبير محللي التسلح الاستراتيجي في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية، مضيفًا أنه قد يُشجع دولًا أخرى في المنطقة على أن تحذو حذوها.
فنلندا تعتبر الردع النووي مشروعًا
أكد وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانين، في مايو من العام 2026، إن فنلندا المجاورة، التي تشترك مع روسيا في حدود بطول 1340 كيلومترًا، تدرس كذلك إمكانية المشاركة في المبادرة. وقال ماتي بيسو، الباحث البارز في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية: “أدت حرب أوكرانيا عام 2022 إلى شعور بالضعف، لا سيما فيما يتعلق باحتمالية التعرض للإكراه النووي. وتعتبر فنلندا الآن الردع النووي مشروعًا”. وقد تعرضت دول البلطيق بشكل خاص للهجمات الهجينة الروسية، حيث انحرفت طائرات مسيرة أوكرانية عن مسارها بفعل الحرب الإلكترونية وسقطت في أراضيها. وقد أدت هذه الحوادث إلى انهيار الحكومة اللاتفية. وحتى الآن، لم تُبدِ الدول الثلاث اهتمامًا علنيًا بقبول عرض فرنسا. ووفقًا لماركوز، فإن انضمام جميع دول الشمال سيوفر ممرات جديدة لضرب روسيا، خاصة عبر القطب الشمالي. وقال: “سيصبح جزء كامل من الجناح الروسي عرضة للخطر”.
لكن مثل هذه القرارات قد تستغرق وقتًا، وسط تقارير تفيد بأن واشنطن تناقش توسيع نطاق نشر أسلحتها النووية في أوروبا ليشمل بولندا ودول البلطيق. وأشار ماركوز إلى أن “الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا على الأوروبيين حتى لا يتخلوا عن اعتمادهم النووي”. وأضاف: “إن السلاح النووي هو الأداة الأساسية لنفوذ الولايات المتحدة في أوروبا”.
ردع ماكرون ليس مظلة نووية
كشف إيمانويل ماكرون عن مفهوم “الردع الاستباقي” في مارس من العام 2026 خلال مراجعة طال انتظارها للعقيدة النووية الفرنسية. وقال ماركوز: “إنه يمكّن الردع النووي الفرنسي من نشر القوات الفرنسية في الخارج، سواء في وقت السلم لإرسال إشارات استراتيجية أو في وقت الحرب للانتشار والقدرة على التواجد في الفضاء الأوروبي”. وأضاف: “لا يوجد ضمان أمني صريح”، وهو أحد الاختلافات الرئيسية مع الردع الأمريكي في أوروبا. بدلاً من ذلك، قال الرئيس الفرنسي في خطابه في إيل لونغ إن أراضي الدول الشريكة سترتبط بـ”رابطة راسخة” مع قوة الردع الفرنسية.
يرى ماركوز أن المصطلح غامض استراتيجيًا لتجنب الكشف بوضوح عن طموحات فرنسا للخصوم، وفي هذه الحالة، روسيا. قال ماكرون إنه سيفتح المجال أمام الحلفاء الأوروبيين للمشاركة في مناورات الردع، وسينشر القوات الاستراتيجية للبلاد، بما في ذلك القوات الجوية، في جميع أنحاء أوروبا. تجري فرنسا مناورات نووية ربع سنوية تشمل قدراتها النووية الجوية، التي تحملها أسطول من طائرات رافال المقاتلة. وقد أُجريت آخر مناورة من هذا النوع خلال العام 2026. وأشار ماركوز إلى أن الدول الشريكة يمكنها المشاركة في التدريبات، بدور الخصم.
العقيدة النووية الفرنسية قد تُعرّض الدول الشريكة لمخاطر أمنية
تغيب روما، التي تمتلك ثالث أكبر جيش في الاتحاد الأوروبي، بشكل ملحوظ عن القائمة. وتستضيف القواعد الإيطالية قنابل نووية تكتيكية أمريكية من طراز B61. لطالما تمتعت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بعلاقة مميزة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إلا أن رفض روما السماح باستخدام قواعدها في الحرب على إيران أثار غضب واشنطن.ومع ذلك، لا تزال إيطاليا حتى الآن تدعم بقوة الردع الأمريكي. وقال أليساندرو بوليتي، مدير مؤسسة كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو: “ستبذل هذه الحكومة، كغيرها من الحكومات السابقة، قصارى جهدها للحفاظ على أفضل العلاقات الممكنة مع حليفتها الولايات المتحدة”.
بالإضافة إلى ذلك، أكد بوليتي بأن العقيدة الفرنسية قد تُعرّض الدول الشريكة لمخاطر أمنية، إذا ما حلّقت طائرات رافال الفرنسية المُسلّحة نوويًا عبر مجالها الجوي. وأضاف: “هذه الطائرات عُرضة للخطر بسهولة، والضمانة الأخيرة لقدرة فرنسا على الردّ هي أربع غواصات صواريخ باليستية تعمل بالطاقة النووية، ما يعني، في المتوسط، غواصة أو اثنتين في دوريات خلال العام. بصراحة، هذا عدد قليل جدًا”. وقال بوليتي إن العديد من الدول تستضيف حاليًا أسلحة نووية أمريكية، مضيفًا أن ذلك يتم في إطار حلف الناتو.
لكن باريس وروما تعاونتا بالفعل في مجال الردع النووي. وكانت إيطاليا أول دولة أجنبية تُشارك في مناورة نووية فرنسية بتوفيرها معدات التزود بالوقود في عام 2022.وهذا يُرسي سابقة، ولذا “يبدو أن عدم مشاركة إيطاليا مرتبط بشكل أوثق بأسباب سياسية تتعلق بالعلاقات المتوترة بين ماكرون وميلوني”، كما قال أنطونيو ميسيرولي، الأمين العام المساعد السابق لحلف الناتو. وأضاف أن البرنامج الفرنسي وأي تعاون إيطالي مستقبلي سيعتمدان على نتائج الانتخابات الوطنية في البلدين، والمقرر إجراؤها في عام 2027.
مفاوضات متزامنة مع فرنسا بشأن الحماية النووية
تدرس الولايات المتحدة الأمريكية توسيع نطاق المظلة النووية لتشمل دولًا أخرى في حلف شمال الأطلسي. ولم تُحدد أسماء دول بعينها. وقد أعربت بولندا رسميًا عن اهتمامها. تجري عدة دول في الاتحاد الأوروبي مفاوضات متزامنة مع فرنسا بشأن الحماية النووية. ووفقًا لمجلة دير شبيغل، فقد أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرز اهتمامه للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وإلى جانب ألمانيا، ترغب فرنسا في تعزيز التعاون مع بلجيكا، والدنمارك، واليونان، وبريطانيا العظمى، وهولندا، وبولندا، والسويد في مجال الردع النووي. وانضمت النرويج مؤخرًا إلى هذه المجموعة خلال زيارة رئيس وزرائها جوناس غار ستوره إلى باريس.
تخزّن ألمانيا نحو 20 سلاحًا نوويًا أمريكيًا كجزء من تعهّد واشنطن الأمني تجاه أوروبا، لكنّ الشكوك حول التزام الرئيس دونالد ترامب بحلف شمال الأطلسي أثارت تساؤلات حول موثوقية هذا الترتيب. توجد قنابل B61 المصمَّمة للتسليم بواسطة طائرات مقاتلة، في قاعدة بوشل الجوية في راينلاند بالاتينات، وقد تمّ تحديثها مؤخرًا، وفقًا لخبراء أمنيين. برزت هذه القضية إلى الواجهة وسط مخاوف أمنيةٍ متزايدة في جميع أنحاء أوروبا.
يقول كارل هاينز كامب، الخبير الأمني والرئيس السابق للأكاديمية الفيدرالية للسياسة الأمنية: “لم يكن من المؤكّد قط، ولا يمكن الجزم، بأنّ الولايات المتحدة ستنشر أسلحةً نووية بالفعل. هذا ليس ضمانًا، لكنّ المهم هو أنّ العدو لا يستطيع استبعاد ذلك”. أضاف كامب، المستشار السابق لحلف شمال الأطلسي والزميل المشارك في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: “أنّ الردع صمد حتى الآن لمدة 50 عامًا”.
الولايات المتحدة جلبت أسلحة نووية جديدة إلى أوروبا
أفادت عدة تقارير أمريكية بأنّ الولايات المتحدة جلبت أسلحةً نووية جديدة إلى أوروبا خلال العام 2025، مشيرة إلى مسارات طيران وشراء طائراتٍ مقاتلة من طراز إف-35 قادرة على حمل أسلحة نووية تكتيكية. ولم تؤكد السلطات الأمريكية هذه التقارير. لبت ألمانيا شراء طائرات إف-35 ومن المقرر تسليم أول طائرةٍ منها في عام 2026. تُخزَّن الأسلحة النووية الأمريكية في أنحاء أوروبا منذ الحرب الباردة لردع أي هجومٍ محتمل، مثل روسيا. لا يزال العدد الدقيق سريًا، لكن يُقدَّر بنحو 100 في بلجيكا وهولندا وإيطاليا وتركيا والمملكة المتحدة. هدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارًا وتكرارًا باستخدام الأسلحة النووية منذ بدء غزوه لأوكرانيا. وتمتلك روسيا نحو 5450 رأسًا نوويًا، وفقًا للتقديرات. شكّك كامب في أن يُصدر بوتين الأمر باستخدامها، قائلًا: “من يطلق النار أولًا، يموت ثانيًا. هذا ليس وضعًا مرغوبًا فيه”.
امتلاك الأسلحة النووية ليس “علمًا صاروخيًا”
أوضح كامب: “إنّ ألمانيا قد تنشر المزيد من الأسلحة الأمريكية في مواقع مختلفة مجهَّزة بمخازن، أو قد ينقلها حلف شمال الأطلسي إلى دول البلطيق أو بولندا أو رومانيا لإرسال إشارةٍ إلى روسيا”. ودعت الجماعات المناهضة للطاقة النووية، بما في ذلك منظمة ICAN في ألمانيا، إلى سحب الأسلحة الأمريكية من الأراضي الألمانية. من الناحية النظرية، تستطيع ألمانيا إنتاج أسلحتها النووية بنفسها، وهو ما وصفه كامب بأنه “ليس علمًا صاروخيًا” بالنسبة لأي دولة متقدمة تكنولوجيًا. لكن مثل هذه الخطوة ستكون كارثية من الناحية السياسية، نظرًا للمسؤولية التاريخية التي تتحمّلها ألمانيا.
هناك معاهدتان تحظران على ألمانيا امتلاك الأسلحة النووية، معاهدة “اثنان زائد أربعة” لعام 1990، الموقّعة بعد إعادة التوحيد، ومعاهدة منع الانتشار النووي لعام 1969. بإمكان ألمانيا الانسحاب من المعاهدتين، لكن هذا مستبعَد سياسيًا واجتماعيًا. تشير استطلاعات الرأي إلى أنّ نحو ثلث الألمان فقط يؤيدون تطوير الأسلحة النووية. أكد محللون إنّ ألمانيا ستظل محمية داخل حلف شمال الأطلسي بفضل الترسانات النووية الفرنسية والبريطانية، حتى من دون الأسلحة الأمريكية.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=119137
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
