خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف يُعيد التعاون الألماني النرويجي تشكيل أمن أوروبا؟
تعتزم ألمانيا شراء 300 صاروخ “باتريوت” إضافي للدفاع الجوي من الولايات المتحدة مقابل 1.5 مليار يورو، وتُساهم النرويج بنحو 200 مليون يورو في الصفقة، التي ستُستكمل على مدى أربع سنوات، وفقًا لما صرّح به ثلاثة أشخاص مطّلعون على الخطط في الثامن من سبتمبر 2025.
يهدف هذا الطلب، جزئيًا، إلى تجديد المخزونات بعد تسليم الصواريخ إلى أوكرانيا. ومن المقرر إتمام الصفقة خلال السنوات الأربع المقبلة. وستُنشر الصواريخ كجزء من منظومة “باتريوت” الشاملة، التي أثبتت، إلى جانب وحدات الرادار، فعاليتها في مواجهة الهجمات الصاروخية الروسية في أوكرانيا. ومن المقرر شراء طائرات بدون طيار من إسرائيل. وافقت النرويج على المشاركة في تمويل شراء منظومة “باتريوت” كاملة.
تعزيز أسطول الطائرات المسيرة التابع للجيش الألماني
يتم تعزيز أسطول الطائرات المسيرة التابع للجيش الألماني بثلاث طائرات إسرائيلية من طراز “هيرون”. وتبلغ تكلفة هذه الطائرات نحو 600 مليون يورو. يمكن استخدام هذه الطائرات، التي يبلغ مداها 350 كيلومترًا، لأغراض الاستطلاع، كما يمكن تسليحها، ومن المتوقع أن تصبح متاحة للجيش الألماني بحلول عام 2028.
بحسب ممثلي التحالف، من المقرّر شراء 24 محطة طبية متنقلة صغيرة، مُجهَّزة بحماية خاصة، ويمكن تركيبها بالقرب من خطوط المواجهة. وتتكون هذه المحطات من شاحنات وحاويات، وتبلغ التكلفة الإجمالية نحو 400 مليون يورو، وسيتم الشراء من شركة “راينميتال”. من المتوقع أن توافق لجنة الميزانية على المشاريع الثلاثة خلال سبتمبر 2025.
لماذا تدعم النرويج ألمانيا في سياستها الدفاعية؟
وقّعت النرويج وألمانيا اتفاقية شراكة لصيانة صواريخ في مارس 2025، NSM، ضمن وكالة الناتو للمشتريات والدعم (NSPA) في لوكسمبورغ. وهدف الاتفاقية هو توفير حل فعّال من حيث التكلفة، مستدام وطويل الأمد، مع تعزيز التعاون الدفاعي بين الدولتين، وفتح الباب أمام دول أخرى لأخذ العضوية في هذا الإطار.
وافق البوندستاغ الألماني في يونيو 2025، على شراء صواريخ JSM وهي نسخة جوية من NSM للاستخدام مع مقاتلات F‑35 التابعة للجيش الألماني، عبر صفقة حكومية مباشرة مع النرويج، وبلغت قيمة الصفقة نحو 6.5 مليار كرونة نرويجية.
يرى شركاء النرويج الأوروبيون أنها تتحمّل مسؤولية خاصة في هذا الصدد، بالرغم أنها تستفيد البلاد بشكل غير مباشر من حرب أوكرانيا، فنتيجةً لتعليق شحنات الغاز الروسي، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بسرعة، لا سيما في عامي 2022 و2023، مما أفاد النرويج بشكل كبير كمُصدِّر. كما أن النرويج، رغم كونها خارج الاتحاد الأوروبي، تُشارك أوروبا الرؤية ذاتها بشأن الحاجة إلى استقلالية استراتيجية في مجالات مثل الدفاع والتسليح.
تُدرك ألمانيا أن أمنها يبدأ من الشمال، كون أن النرويج دولة حدودية مع روسيا، يجعلها ذات أهمية جيوسياسية. كما تُدرك النرويج أن الدعم الصناعي والسياسي الألماني يعزز موقعها الدفاعي.
النتائج
تشير الخطط الألمانية الأخيرة لشراء 300 صاروخ “باتريوت”، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار إسرائيلية ومحطات طبية ميدانية، إلى تحوّل واضح في العقيدة الدفاعية الألمانية بعد سنوات من التردد في الإنفاق العسكري.
هذه الخطوة تأتي في سياق أوروبي متوتر للغاية، مدفوع بالتداعيات المستمرة لحرب أوكرانيا، والتحولات في العلاقات الأطلسية، والضغوط المتزايدة على الدول الأوروبية لتحمّل مسؤولياتها الدفاعية.
شراء الصواريخ يعكس استجابة مباشرة للنقص في المخزونات الناتج عن دعم أوكرانيا، لكنه يؤكد على التزام ألمانيا بتعزيز قدراتها الدفاعية الجوية في مواجهة التهديدات المتزايدة من الشرق.
مشاركة النرويج في تمويل الصفقة، رغم كونها ليست من الدول الكبرى عسكريًا، يعكس تضامنًا إقليميًا، وربما محاولة لتقاسم أعباء الدفاع عن أوروبا الغربية، في ظل غموض الالتزام الأمريكي المستقبلي.
أما التوجه نحو الطائرات الإسرائيلية بدون طيار فيدل على رغبة في تنويع مصادر التسليح، والاعتماد على تقنيات مثبتة في بيئات قتالية. ومن اللافت أن هذه الطائرات قابلة للتسليح، ما يعني تحولًا نوعيًا في استخدامات الطائرات المسيرة في الجيش الألماني من الاستطلاع فقط إلى المهام الهجومية والدفاعية.
على المدى البعيد، هذه التطورات تشير إلى مزيد من الانخراط الألماني في بنية الأمن الأوروبي، والابتعاد شيئًا فشيئًا عن السياسات الدفاعية المتحفظة التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
يبدو أن ألمانيا بدأت تستوعب أن السلام الأوروبي لا يمكن افتراضه، بل يجب الدفاع عنه، خصوصًا في ظل عدم استقرار الجوار الشرقي وتزايد الهجمات السيبرانية والهجينة.
في حال استمرت هذه الدينامية، قد تصبح ألمانيا محورًا مركزيًا في هيكلة استراتيجية دفاع أوروبية مستقلة أو شبه مستقلة عن الناتو، مع احتمال بروز تعاون ثلاثي بين ألمانيا وفرنسا ودول الشمال لتشكيل عمود أوروبي دفاعي أكثر صلابة. غير أن ذلك سيتطلب حذرًا دبلوماسيًا لتفادي التوترات مع الولايات المتحدة أو دول شرق أوروبا.
رابط مخصر.. https://www.europarabct.com/?p=108905
