خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف يمكن للانقسامات أن تهدد نفوذ أوروبا؟
حذر رئيس أركان الدفاع في الجيش الفرنسي من أن الحكومات الأوروبية المنقسمة تنكر مدى تأثير نفوذها على السياسة العالمية، ويجب عليها أن تكثف جهودها لتأكيد قوتها المشتركة كقوة صارمة. صرح الجنرال تييري بوركارد: “قد تجد أوروبا الضعيفة نفسها غدًا فريسة سهلة، بعد قرنين من سيطرة الغرب على المشهد”. أضاف: “لا يقتصر الأمر على القوات المسلحة فحسب، بل يتعلق بجميع الأصعدة”.
الصين وروسيا تهدد أوروبا
حذر بوركارد من أن الدول الأوروبية المجزأة سوف تضطر إلى التعاون بشكل أقوى كقوة استراتيجية لمواجهة “مناطق النفوذ” التي تبنيها الصين وروسيا والولايات المتحدة. من جهة، لم تكن الدول الأوروبية قط بهذه القوة. ومن جهة أخرى، هناك نوع من الإنكار من جانب الحكومات والشعوب إزاء مستوى الصراع في العالم.
شدد ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، في أغسطس 2025 على ضرورة أن يكف الاتحاد الأوروبي عن التظاهر بأنه قادر على ممارسة نفوذ عالمي كقوة اقتصادية وسوق استهلاكية فحسب. وأصرّ على أن الاتحاد تلقى “نداء استغاثة شديدًا” من دونالد ترامب، داعيًا إياه إلى التفكير بعقلانية أكبر في الإنفاق على الأمن والدفاع.
اتهمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا الاتحاد الأوروبي بالانزلاق نحو التهميش على الساحة العالمية. وقالت: “علينا أن نكون مستعدين لدفع ثمن حريتنا واستقلالنا”.
عززت القوات المسلحة الفرنسية وجودها على الجناح الشرقي لأوروبا، وأصبحت أكثر نشاطًا في حلف شمال الأطلسي، استعدادًا لحرب محتملة. شارك الجنرال الفرنسي في رئاسة “تحالف الراغبين”، وهو مجموعة من الدول تعمل على ضمانات أمنية لأوكرانيا في حال وقف إطلاق النار مع روسيا.
ووصف بوركارد عالمًا محددًا بأربعة عوامل سياسية: استخدام القوة لحل الصراعات؛ والدفع من جانب دول بما في ذلك الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران لتحدي الغرب؛ وقوة حرب المعلومات؛ وتأثير تغير المناخ.
مخاطر إقامة نظام دولي جديد من دون أوروبا
إن أكثر من خطر الدبابات الروسية، هو إقامة نظام بديل غير غربي يهدد الأوروبيين. إذا استطاعت روسيا تحطيم أوروبا دون هجوم مسلح، فهذا هو المسار الذي ستختاره. يجب أن يكون التضامن الاستراتيجي الذي يوحد الدول الأوروبية قويًا جدًا. لا يمكن لأي دولة في أوروبا أن تكون لاعبًا رئيسيًا بمفردها، أضاف بوركارد: “الأمر لا يتعلق ببناء قوة ضد الولايات المتحدة أو حتى ضد روسيا، بل يتعلق بتجنب الخضوع للصفقات.”
لطالما كان التحدي الذي يواجه الأوروبيين هو توحيد المواقف، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية. ويسلط سعي مدريد لإعفائها من هدف الناتو الجديد للإنفاق الدفاعي البالغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي، عقب تصريحات رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بأن روسيا لا تشكل تهديدًا مباشرًا لإسبانيا، الضوء على اختلاف نظرة الدول الأوروبية للتهديدات.
أوضح بوركارد: “تكمن صعوبة الدفاع الأوروبي في مراعاة المصالح الاستراتيجية للدول الأوروبية ككل. لا يمتلك الإستونيون الرؤية الاستراتيجية نفسها التي يمتلكها البرتغاليون؛ ولا أحد ينكر ذلك، يجب إيجاد حل وسط”.
“زخم” لضمانات الأمن في أوكرانيا
تشمل هذه المصالح الاستراتيجية الحفاظ على استقلال أوكرانيا، وهناك ضغوط متزايدة على الدول الأوروبية لتكثيف جهودها. على الرغم من العديد من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها، اكتسبت المناقشات حول الضمانات الأمنية لكييف زخماً بعد اجتماع ترامب في ألاسكا في 15 أغسطس 2025 مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن.
تابع بوركارد: “إن الرغبة القوية للغاية للرئيس الأمريكي في التوصل إلى اتفاق سلام تجلب زخماً جديدًا”. فبعد اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الألماني فريدريش ميرز، وميلوني، وآخرين، أبدت إدارة ترامب استعدادها للمساهمة في الضمانات الأمنية. وقد يشمل ذلك، بحسب التقارير، أصولًا استخباراتية ومراقبة واستطلاعية، بالإضافة إلى القيادة والتحكم والدعم الجوي.
بالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، يعد الدعم العسكري الأميركي شرطًا مسبقًا للمشاركة في أي جهد لمراقبة اتفاق السلام المحتمل في أوكرانيا. أكد بوركارد أن “الأمريكيين يعتقدون أساسًا أن على الأوروبيين إثبات التزامهم بتحمل المسؤولية”. وأضاف: “إنها معضلة، بعض الدول لا ترغب في الالتزام إلا بضمانات أمريكية. لكن الأمر ليس جدلًا عسكريًا في جوهره، بل هو جدل سياسي”.
في حين أن أفضل الضمانات الأمنية تتمثل في إظهار التصميم الأميركي في حالة انتهاك اتفاق السلام، فإن العمليات العسكرية قد تشمل نشر قوات في أوكرانيا، وتسيير دوريات جوية فوق البلاد، وضمان استئناف حركة الملاحة في البحر الأسود، والمساعدة في بناء الجيش الأوكراني.
يقول الجنرال الفرنسي: “لاستعادة ثقة الأوكرانيين، علينا إرسال إشارة مفادها أن الدول الأوروبية، ربما بدعم من الولايات المتحدة، مستعدة لتقديم ضمانات، وأضاف: “إن تقديم الضمانات غالبًا ما يعني المخاطرة”.
يكمن الخطر في انخراط أي قوة عسكرية في الحرب، لا سيما مع تأكيد الكرملين مرارًا وتكرارًا رفضه وجود قوات أوروبية في أوكرانيا. ولذلك، تظل قواعد الاشتباك، أي ما ستفعله الجيوش في أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم روسي، مسألةً محورية. يقول بوركارد: “إذا كنتم ستحافظون على اتفاقية سلام، فإن قواعد الاشتباك هي الدفاع عن النفس، وهذا منطقي تمامًا”.
الحروب “المختارة” مقابل الحروب “المفروضة”
أضاف بوركارد: “أن الصراع الشديد في أوكرانيا يدفع إلى إعادة التفكير العميق في كيفية عمل القوات المسلحة الغربية”. تابغ الجنرال الفرنسي: “لقد انتقلنا من الحروب المختارة في العراق وأفغانستان ومالي إلى الحروب المفروضة”.
النتائج
يعكس المشهد الأمني تحوّلاً مهمًا في الاستراتيجية الدفاعية والأمنية لأوروبا، ويبرز تحديات الانقسام السياسي داخل الاتحاد الأوروبي وتأثيره على قدرة الدول الأوروبية على حماية مصالحها.
التحذيرات تشير إلى أن أوروبا تواجه بيئة عالمية أكثر عنفًا وتعقيدًا، حيث تسعى قوى كبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة لإعادة رسم مناطق النفوذ.
في المستقبل، من المرجح أن تصبح أوروبا أكثر إدراكًا للحاجة إلى التضامن الاستراتيجي، ليس فقط على مستوى القوات المسلحة بل على مستوى السياسة الاقتصادية والدبلوماسية.
الضغوط على الاتحاد الأوروبي لتوحيد موقفه تجاه أوكرانيا وفرض ضمانات أمنية مشتركة قد تخلق نموذجًا جديدًا للتعاون الدفاعي الأوروبي، خاصة إذا تواصلت التهديدات من قبل القوى غير الغربية.
يبقى الانقسام بين الدول الأوروبية، كما يظهر في موقف إسبانيا تجاه نفقات الناتو، أحد أبرز العقبات أمام تحقيق قوة استراتيجية موحدة.
إذا لم تتم معالجة هذه التباينات، فقد تواجه أوروبا صعوبة في فرض نفوذ عالمي فعّال، حتى مع الدعم الأمريكي. لذلك، يمكن توقع جهود مستمرة لتعزيز التكامل الدفاعي والسياسي، مع موازنة المصالح الوطنية والدولية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108406
