خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف يعيد أمن الطاقة رسم ملامح الاستقلال الدفاعي الأوروبي؟
تُعدّ الطاقة القضية الرئيسية للدفاع في الاتحاد الأوروبي، وهي مشكلة أصبحت أكثر خطورة. تستهلك أنظمة الأمن من الجيل التالي كميات متزايدة من الطاقة، مما يُؤدي إلى ارتفاع فواتير الخدمات العامة وظهور تبعيات جديدة. وتعتمد الصناعات الدفاعية على النفط، فيما تتعارض أجندة أوروبا للاستدامة مع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. ويمكن للتكنولوجيا النظيفة أن تُساعد، غير أن ذلك يتطلب موارد تتمتع الصين بميزة تنافسية فيها.
قطاع الدفاع الأوروبي يعمل في بيئة طاقة بالغة التعقيد
بات الدفاع الأوروبي مشروعًا ضخمًا، ففي ظل اختلاف الرؤى وتزايد احتياجات الطاقة، تُعدّ استراتيجية الأمن والتأهب التي طرحتها المفوضية في كتابها الأبيض، من أبرز آثارها الجانبية، عدم التوافق مع نموذج حلف شمال الأطلسي، وتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، وخطر ارتفاع فواتير الطاقة. وقد أدرج مركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي هذه القضايا الحرجة في دراسة قدّمها للجنة الصناعة. تشير الوثيقة إلى أن “قطاع الدفاع الأوروبي يعمل في بيئة طاقة بالغة التعقيد، تتسم بالترابطات المتبادلة”. وهذا الترابط “يُعرّض أوروبا لمخاطر متعددة، تشمل اضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع قدرات التكرير المحلية، والضغوط الجيوسياسية”، ويجب على الاتحاد الأوروبي تغيير نهجه، لكن الطريق أمامه ليس سهلًا.
أمن الطاقة عاملًا محوريًا في جاهزية الدفاع واستقلالية الاستراتيجية
إن لم تكن الطاقة هي القضية الرئيسية، فهي بلا شك من أكثر المشكلات تعقيدًا التي يجب حلها، لا تمثل الكهرباء سوى 17% من استهلاك الطاقة المرتبط بالدفاع. ومع ذلك، يكتب خبراء من مركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي: “تزداد العمليات الدفاعية الحديثة والإنتاج الصناعي كثافةً في استهلاك الطاقة، مما يجعل أمن الطاقة عاملًا محوريًا في جاهزية الدفاع الأوروبية واستقلالها الاستراتيجي”. في هذا السياق، يتزايد الطلب على الكهرباء، وهما عنصران لا غنى عنهما للأسلحة المتطورة، والطائرات المسيّرة، والبنية التحتية الرقمية، والتنقل الكهربائي. فمن جهة، يُنشئ هذا الأمر “ترابطًا جديدًا بين الجاهزية التشغيلية ومرونة البنية التحتية”، ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع الطلب حتمًا إلى ارتفاع الأسعار، لذا ستكون هناك حاجة إلى زيادة العرض بما يتناسب مع الطلب لتجنب المزيد من الارتفاع في فواتير الطاقة. يعتمد قطاع الدفاع على النفط، أما الصفقة الخضراء فهي مستحيلة، خاصة داخل حلف شمال الأطلسي.
يتمثل الجانب الثاني من الترابط بين الطاقة والدفاع في مصادر الطاقة. فما الذي يُغذي الأمن؟ يُمثل النفط 52% من إجمالي الطلب في هذا القطاع. وتشير الدراسة إلى أن “قطاع الدفاع في الاتحاد الأوروبي لا يزال يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الوقود السائل، لا سيما في مجال الطيران والعمليات الصناعية، مما يُؤدي إلى نقاط ضعف هيكلية في ظل انخفاض طاقة التكرير والاعتماد على الاستيراد”. ينتج عن كل هذا “اختلال جوهري بين الولايات المتحدة، بصفتها منتجًا رئيسيًا للمواد الهيدروكربونية، وأوروبا، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاستيراد في هذا المجال”.
تباين أولويات الطاقة في مجال الدفاع
تؤدي هذه الاختلافات إلى تباين أولويات الطاقة في مجال الدفاع، فأوروبا تُشجّع مصادر الطاقة المتجددة لتحقيق استقلال استراتيجي، بينما قد تبقى الولايات المتحدة مُرتبطة بالوقود الأحفوري، كما يُشير غزو فنزويلا، وتستخدم مصادر الطاقة المتجددة كعنصر مُكمّل استراتيجي فقط. تُحذّر الدراسة من أن “التوفيق بين هذه المصالح المُتضاربة في ظل حلف شمال الأطلسي سيُصبح أكثر صعوبة تدريجيًا”. بالتأكيد، طالما بقي دونالد ترامب في البيت الأبيض، فإن فكرة القوات المسلحة “الخضراء” غير واردة. وعلى الصعيد السياسي، بات من الضروري تحديد كيفية استثمار الموارد التي تعهّد بها الأوروبيون في إطار حلف شمال الأطلسي في الصناعة.
بدائل النفط الخام ومخاطر الاعتماد الجديد على الصين
تشير الدراسة التي طلبتها لجنة الصناعة إلى أن الشبكات الصغيرة القابلة للنشر، وأنظمة الطاقة الشمسية المحمولة التي تعمل بالبطاريات، وطاقة الرياح، والوقود البديل مثل وقود الطيران المستدام، “يمكن أن تدعم المرونة التشغيلية، وتقلل من نقاط الضعف اللوجستية، وتُكمل مصادر الطاقة التقليدية”. بالطبع، لا تزال هذه الحلول قيد التطوير، غير أن قيمتها المتنامية باتت مُسلّمًا بها. “وعلى الرغم من أن هذه التقنيات تواجه حاليًا قيودًا في كثافة الطاقة والموثوقية والتكامل، فإن المشاريع التجريبية والمبادرات المؤسسية تُبرز إمكاناتها للاستخدام العسكري والتطبيقات المدنية ذات الاستخدام المزدوج”. لا يزال الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يعتمدون بشكل كبير على المواد الخام الأساسية التي يفتقرون إليها، ويضطرون إلى الاعتماد على الواردات للحصول عليها. وتُعدّ الصين من أبرز منتجي مجموعة واسعة من المواد الخام اللازمة لتقنيات الخلايا الكهروضوئية والبطاريات، مثل العناصر الأرضية النادرة، والتنتالوم، والليثيوم. ولذلك، فإن الدفاع المستدام مُعرّض لخطر عدم الاستدامة.
النتائج
يعكس التداخل المتزايد بين الطاقة والدفاع في الاتحاد الأوروبي تحولًا بنيويًا عميقًا في مفهوم الأمن، لم يعد يُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بقدرة المنظومة الدفاعية على الاستمرار والتشغيل في بيئة طاقة مضطربة ومسيّسة. فالاعتماد الكثيف لقطاع الدفاع الأوروبي على النفط، في مقابل أجندة طموحة للتحول الأخضر، يضع أوروبا أمام معادلة صعبة تجمع بين متطلبات الردع العسكري وضرورات الاستدامة الاقتصادية والبيئية.
من المرجح أن يستمر هذا التوتر دون حلول جذرية. فحرب أوكرانيا، وتصاعد المخاوف من مواجهة ممتدة مع روسيا، يدفعان الدول الأوروبية إلى إعطاء الأولوية للجاهزية العسكرية الفورية، حتى لو جاء ذلك على حساب أهداف الصفقة الخضراء. ويُرجّح أن يشهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي نموًا متسارعًا، مصحوبًا بارتفاع الطلب على الطاقة، ما سيُبقي فواتير الطاقة والضغوط على البنية التحتية في صدارة التحديات السياسية الداخلية.
ستواجه أوروبا تحديًا استراتيجيًا يتمثل في فجوة الرؤى مع الولايات المتحدة داخل حلف الناتو. فبينما تميل واشنطن إلى الحفاظ على نموذج دفاعي كثيف الاعتماد على الوقود الأحفوري، تسعى بروكسل إلى ربط الاستقلال الاستراتيجي بالتحول الطاقي. هذا التباين مرشح لأن يتحول إلى مصدر احتكاك بنيوي داخل الحلف، خاصة في حال عودة نهج أمريكي أقل التزامًا بالأجندات البيئية وأكثر تركيزًا على اعتبارات القوة الصلبة.
من المحتمل أن يدفع هذا الواقع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع الاستثمار في حلول طاقة هجينة للدفاع، مثل الشبكات الصغيرة، والوقود البديل، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. غير أن هذه المسارات تفتح بدورها إشكالية جديدة تتعلق بالاعتماد المتزايد على الصين في تأمين المواد الخام الحيوية. وهنا يبرز خطر استبدال تبعية طاقية بأخرى تكنولوجية، بما يقوّض الهدف الأساسي المتمثل في الاستقلال الاستراتيجي.
بات متوقعًا أن يعتمد نجاح أوروبا في تجاوز هذه المعضلة على قدرتها على بناء سياسة صناعية دفاعية متكاملة، تربط بين الطاقة، والتكنولوجيا، والأمن، وسلاسل التوريد. دون ذلك، سيظل الدفاع الأوروبي عرضة لاختناقات هيكلية تجعل من أي صدمة طاقية أو جيوسياسية عامل إرباك مباشر للجاهزية العسكرية. وبذلك، تصبح معركة الطاقة جزءًا لا يتجزأ من معركة الردع نفسها، لا مجرد ملف تقني مكمّل للسياسات الدفاعية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113273
