المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف يعزز الناتو الابتكار الدفاعي لمواجهة الطائرات المسيرة؟
يسارع حلف شمال الأطلسي “الناتو” لتطوير قدرات فعالة ومنخفضة التكلفة لمواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار، في ظل تزايد استخدامها في النزاعات الحديثة، خاصة حرب أوكرانيا. وتبرز الشراكة بين الجيوش وشركات الصناعات الدفاعية باعتبارها ركيزة أساسية لتطوير أنظمة اعتراض أكثر كفاءة، مع الاستفادة من الخبرات العملياتية الأوكرانية لمواكبة التحولات المتسارعة في ساحات القتال.
الناتو يبحث عن وسائل حديثة لمواجهة الأنظمة غير المأهولة
يتجه حلف شمال الأطلسي إلى القطاع الصناعي للبحث عن وسائل لمواجهة الأنظمة غير المأهولة في محاولة لإيجاد حلول أكثر كفاءة من حيث التكلفة وتعزيز التعاون. وفي خلال يونيو من العام 2026، استضافت قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا النسخة الثانية من “يوم صناعة قيادة القوات الجوية”، الذي جمع ممثلين عن شركات الصناعات العسكرية الأوروبية والقيادات العسكرية. حيث أصبح خطر الطائرات بدون طيار أكثر إلحاحًا بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، بعد سقوط طائرة بدون طيار على منزل في رومانيا، واختراق أخرى للمجال الجوي الليتواني، وتعليق مطار ميونيخ عملياته لعدة ساعات عقب رصد جسم يشتبه بأنه طائرة بدون طيار.
التصدي للطائرات المسيرة مرتفع التكلفة
إذا تم اكتشاف طائرة بدون طيار تنتهك المجال الجوي للحلف، يتم تفعيل عملية تعرف باسم “الحارس الشرقي” (Eastern Sentry)، والتي تتضمن نشر عدة طائرات مقاتلة لتعقب الطائرة أو تحييدها عند الضرورة. إلا أن هذا التدخل يعد مرتفع التكلفة؛ إذ إن بعض الطائرات بدون طيار يتم تصنيعها بأقل من (100) ألف يورو، بينما قد تصل تكلفة تحليق مقاتلة واحدة تابعة للناتو لاعتراض طائرة بدون طيار إلى عشرات الآلاف من اليوروهات في الساعة، في حين تتجاوز تكلفة عملية اعتراض نموذجية بطائرتين مقاتلتين (85) ألف يورو حتى قبل إطلاق أي صواريخ. أكد الفريق أول غيوم توماس، نائب قائد قيادة القوات الجوية التابعة للحلف، أن حرب الطائرات بدون طيار تفرض على الناتو “تحديات جماعية”، مشيرًا إلى الاستخدام المكثف الذي تعتمد عليه روسيا في حربها ضد أوكرانيا. ورأى أن الحل يكمن في التفوق على الخصم في ثلاثة مجالات رئيسية: التكلفة، والإنتاج، والابتكار، وهو ما يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الصناعة والقوات المسلحة.
التعاون مع أوكرانيا “ضرورة”
تقول الدكتورة أولريكه فرانكه، الباحثة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وإحدى المتحدثات الرئيسيات في الفعالية، إن الطائرات بدون طيار “أعادت مفهوم الكثافة إلى ساحة المعركة”، وهو ما يفرض على الحلف التركيز على عامل الكلفة والإنتاج الكمي، وتجنب استخدام معدات باهظة الثمن لإسقاط طائرات منخفضة التكلفة، إلى جانب ضرورة التعاون مع أوكرانيا. ووصفت هذا التعاون بأنه “شرط أساسي” لمواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار. وأوضح الملازم أول أوليكسندر فوروبيوف، ونائب رئيس الدفاع الجوي في الفيلق الثالث للجيش الأوكراني، أن أكبر نقاط الضعف لدى أوكرانيا تتمثل في ضعف قدرات الرصد الراداري الموثوق. وأضاف أن الانقطاع المتكرر في تتبع الرادارات حال دون تطوير طائرات اعتراض ذاتية التشغيل بالكامل، لأن أنظمة الرادار الحالية غالبًا ما تفقد تعقب الطائرات الصغيرة لعدة ثوان.
تابع: “الشيء الوحيد الذي منعنا في أوكرانيا من جعل النظام ذاتي التشغيل بالكامل هو أن الرادارات التي نستخدمها لم تصمم أصلًا لرصد هذا النوع من الطائرات. فهي رادارات للأحوال الجوية أو للطائرات النفاثة أو لأغراض أخرى، لكنها ليست مخصصة لهذه الطائرات. وهذا يعني أن الهدف يختفي أحيانًا من شاشة الرادار. وإذا لم تتمكن الطائرة من رؤية الهدف وفقد الرادار تعقبه لمدة عشر ثوان، فيتعين تشغيلها يدويًا خلال تلك الفترة. هذه هي أكبر فجوة لدينا: القدرة على اكتشاف هذا النوع من الأهداف بصورة موثوقة. ربما تمتلك أوروبا أو الولايات المتحدة هذه القدرة، لكنني لا أعلم”.
ربط الاحتياجات العسكرية بالابتكار الصناعي
يوضح المقدم شتيفن بوت، مدير مشروع الفعالية، إن الهدف من يوم الصناعة لهذا العام “يتمثل في الابتكار في التقنيات بصورة عامة”. وأكد أن دور المؤسسة العسكرية خلال هذه الفعاليات “لا يتغير”. وأضاف: “لا نحن كمؤسسة عسكرية ولا حلف الناتو يدخلان في علاقات تعاقدية مع شركات الصناعات الدفاعية. لكن أحد الدوافع الرئيسية وراء التركيز الحالي على أنظمة مكافحة الطائرات بدون طيار هو أن المؤسسة العسكرية حددت احتياجات عملياتية محددة. ولتنفيذ هذه العمليات بفعالية، أصبح واضحًا أن تقنيات مكافحة الطائرات بدون طيار تتطور بسرعة كبيرة. وتلعب الشركات الناشئة، إلى جانب الشركات الدفاعية الكبرى، دورًا رئيسيًا في هذا الابتكار. وفي الوقت نفسه، تتطور الاحتياجات العسكرية بسرعة، خصوصًا في ضوء الحرب في أوكرانيا. وقد لا تتغير هذه الاحتياجات بالكامل، لكنها تتكيف بوتيرة أسرع بكثير من عمليات الشراء والتوريد المصممة لتلبيتها”.
وانعكاسًا لهذا التركيز على التقنيات المتطورة، عرضت نحو (35) شركة أحدث أنظمتها خلال الفعالية، من بينها MBDA، وAlta Ares، وHensoldt، وAselsan. وتنوعت الأنظمة المعروضة بين الرادارات، وطائرات الاعتراض بدون طيار، والصواريخ، ومن بينها صاروخ MBDA المتخصص في مكافحة الطائرات بدون طيار. وقال أحد ممثلي الشركة لـ”يورونيوز” إن الصاروخ صمم للتصدي للهجمات الجماعية بالطائرات بدون طيار، “مثل تلك التي شهدناها في أوكرانيا والشرق الأوسط، وخاصة طائرات شاهد أو جيران، بطريقة فعالة ومنخفضة التكلفة”.
ويجري دمج الصاروخ في نظام الدفاع الجوي “سكاي رينجر 30” الذي تطوره شركة راينميتال، ومن المقرر تسليم أولى هذه الأنظمة إلى اللواء الألماني في ليتوانيا بين عامي (2027) و(2028). ويحمل كل نظام تسعة صواريخ، ما يتيح لبطارية مكونة من ست مركبات نشر (54) صاروخًا جاهزًا للإطلاق. أما الطائرات الصغيرة من الفئة الأولى، مثل الطائرات الرباعية المراوح، فيتعامل معها المدفع عيار (30) ملم، بينما يستخدم صاروخ “Defend Air” ضد التهديدات الأكبر، بما فيها طائرات شاهد.
دروس مستفادة من حرب أوكرانيا
عند التجول داخل جناح المعرض، كان من اللافت غياب الشركات الأوكرانية، إذ اقتصرت المشاركة على شركات من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، ظلت أوكرانيا حاضرة بقوة في النقاشات، حيث شددت معظم الشركات على أهمية التعاون معها. وقال ممثل شركة الصناعات الدفاعية التركية “أسيلسان” لـ”يورونيوز” إن أهم درس مستفاد من الحرب الروسية على أوكرانيا يتمثل في “الموثوقية”. وأضاف: “يجب أن يكون النظام موثوقًا. فعندما يقترب الهدف، لا تمتلك سوى ثوان معدودة لاتخاذ القرار والتصرف. وينبغي أن يستخدم النظام الذكاء الاصطناعي لتقليص زمن اتخاذ القرار”.
أما ممثل شركة “ألتا آريس” الفرنسية، المتخصصة في تطوير البرمجيات والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة وعمليات مكافحة الطائرات بدون طيار، فقال لـ”يورونيوز”: “نحن لا ننظر إلى أوكرانيا باعتبارها مختبرًا”. وقد عرضت الشركة نوعين من طائرات الاعتراض: الأولى “إكس بلوك” المخصصة للاعتراض قصير ومتوسط المدى حتى (15) كيلومترًا، والثانية للاعتراض بعيد المدى حتى (40) كيلومترًا من موقع الإطلاق. وأوضح: “كان المؤسسان المشاركان للشركة في أوكرانيا منذ بداية الحرب، وعملًا بصورة وثيقة مع الوحدات الأوكرانية لفهم احتياجاتها وكيفية تطور ساحة المعركة. وكان هدفهما تقديم حلول تناسب هذه الاحتياجات، لذلك عملا على تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليتم دمجها في الطائرات بدون طيار”.
ومع مشاركة أكثر من (30) شركة منافسة، بقي عنصر المنافسة حاضرًا بقوة. وقال ممثل الشركة: “إذا تبنيت طريقة التفكير الأوكرانية، فنحن شركاء فقط لأن أوروبا قد تحتاج إلى حلول من هذا النوع. لا يوجد ما يكفي منها، وسيكون الطلب أكبر بكثير من العرض”. وأضاف أن “ألتا آريس” وقعت مؤخرًا مذكرة تفاهم مع شركة الطائرات بدون طيار الألمانية “كوانتوم سيستمز”. واتفق الملازم أول أوليكسندر فوروبيوف مع هذا الرأي، مؤكدًا أن وجود الشركات الأوروبية في أوكرانيا أمر “إيجابي”، لأن غيابها يعني نقصًا في فهم طبيعة ساحة المعركة الحديثة. وأضاف أنه لا يستطيع الجزم بأن هذه الجهود كافية، لكنه يرى أن توجه الشركات الأوروبية إلى أوكرانيا والعمل بالقرب من خطوط القتال يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120514
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
