المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف يتم تنسيق القدرات الفضائية بين دول الاتحاد الأوروبي؟
يقول اللواء مايكل تراوت، قائد قيادة مكون الفضاء الألمانية، إنه يمكن تحقيق إنشاء قيادة فضائية أوروبية افتراضية، والتي طرحها مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، بسرعة. أصبحت القدرات الفضائية ذات أهمية متزايدة للجيش في السنوات الأخيرة، بدءًا من رصد تحركات القوات في ساحة المعركة وصولًا إلى مراقبة القوات خلف خطوط العدو. ولتعزيز التعاون بين هذه الأصول الوطنية في الغالب، أعلن مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس، خلال يناير 2026، عن رؤيته لإنشاء قيادة فضائية أوروبية افتراضية. وتابع: “أعتبر هذه فكرة جيدة للغاية ويمكن تنفيذها بسرعة كبيرة”. وأكد تراوت، متفقًا مع المفوض كوبيليوس، أنه لا يزال من غير الواضح أي دولة أوروبية مسؤولة عن الدفاع عن مصالح أوروبا في الفضاء.
إلى جانب ألمانيا، تحتفظ فرنسا وإسبانيا بمراكز قيادة عسكرية فضائية، فيما تقوم إيطاليا بإنشاء مركز مماثل. ومع ذلك، فإن تبادل المعلومات بينها أمر طوعي. يتصور كوبيليوس هيكلًا أوروبيًا افتراضيًا لتحسين تنسيق القدرات الفضائية بين دول الاتحاد الأوروبي. تراوت متفائل بإمكانية إنشاء نسخة افتراضية كهذه في غضون عام، حتى مع الأخذ في الاعتبار البيروقراطية المتضمنة. وأكد على هامش مؤتمر الفضاء الأوروبي في بروكسل: “لو كان على الجيش وحده أن يتفق على الأمور العملياتية، لكان بإمكاننا على الأرجح إنجاز ذلك بشكل أسرع”.
ألمانيا على الحدود
تعتبر ألمانيا نفسها في طليعة هذه الجهود. وتتضمن استراتيجية أمن الفضاء الجديدة للبلاد بالفعل قيادة الجهود الرامية إلى إنشاء قيادة أوروبية لمكون الفضاء، والتي من المتوقع أن تقوم، مع بقائها تحت السيطرة الوطنية، بتنسيق مهام القيادة والسيطرة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بدعم من الأفراد العسكريين والشركاء في الاتحاد الأوروبي. يعتقد تراوت أن القيادة الافتراضية التي اقترحها كوبيليوس يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو “هيكل قيادة عسكرية أوروبية” للفضاء. تتمثل الفكرة وراء إنشاء مثل هذا الكيان في تجميع ومشاركة القدرات الوطنية، والأهم من ذلك، تسهيل تبادل البيانات. خصصت ألمانيا مؤخرًا 35 مليار يورو لتوسيع قدراتها الفضائية، وحذر وزير الدفاع الألماني من أن الهجوم على الأقمار الصناعية قد يشل دولًا بأكملها.
بحسب تراوت، تخطط ألمانيا لتولي دور الدولة الرائدة في إنشاء قيادة فضائية أوروبية، بالتنسيق مع شركائها. ويتوقع أن تُكلف هذه القيادة من قبل الاتحاد الأوروبي بضمان سلامة وأمن المنظومة الفضائية العسكرية الأوروبية. وقال: “لقد أنشأ الاتحاد الأوروبي بالفعل منظمات مركزية في هذا المجال، وهي منظمات متعددة الجنسيات بطبيعتها وممولة بشكل مشترك. كل ما تبقى هو توسيع قدراتها”.
توسيع القدرات الوطنية وتطوير منظومة مراقبة جديدة
تخطط ألمانيا، المدعومة بأموال الدفاع التي تم تحريرها حديثًا، لتوسيع قدراتها الوطنية وتطوير منظومة مراقبة جديدة. لا يحظى هذا التوجه الوطني نحو الفضاء بتأييد الجميع. فقد أكد وزير البحث والفضاء الفرنسي، فيليب بابتيست، بأن وجود عدة مجموعات أقمار صناعية وطنية في أوروبا أمر غير منطقي. وقال الرئيس السابق لوكالة الفضاء الفرنسية إنه ببساطة لا توجد مساحة كافية في مدار الأرض المنخفض. لكن الجنرال الألماني يتبنى وجهة نظر مختلفة. فبينما قررت ألمانيا بناء منظومتها العسكرية الخاصة، ساتكوم 4، فإنها ستواصل دعم المكافئ الأوروبي، آيريس 2، على حد قوله. وأضاف: “إذا كان بإمكان المرء الوصول إلى مجموعات متعددة من الأقمار الصناعية التي يمكنها العمل معًا بشكل مثالي، فإن هذا من شأنه أن يزيد بشكل كبير من مرونة النظام ككل”.
النتائج
تعكس الدعوة إلى إنشاء قيادة فضائية أوروبية افتراضية إدراكًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوروبي بأن الفضاء لم يعد مجالًا تقنيًا محايدًا، بل أصبح ساحة تنافس استراتيجي لا تقل أهمية عن البر والبحر والجو. مستقبلًا، من المرجح أن يتحول هذا المقترح من فكرة تنسيقية مرنة إلى نواة هيكل مؤسسي أوسع، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الهجينة التي تستهدف البنى التحتية الفضائية، مثل الأقمار الصناعية للاتصالات والملاحة والاستطلاع.
من المرجح أن تمثل القيادة الافتراضية حلًا عمليًا لتجاوز العقبات السياسية والسيادية التي تعرقل إنشاء قيادة فضائية أوروبية موحدة بالكامل. فالطابع الافتراضي يسمح بتبادل البيانات والتنسيق العملياتي دون نقل السيطرة الوطنية، وهو ما قد يشجع دولًا متحفظة على الانخراط التدريجي. ومن المتوقع أن تستفيد ألمانيا من هذا النموذج لتكريس دورها كمنسق رئيسي، مستندة إلى استثماراتها الضخمة في القدرات الفضائية وخبرتها المؤسسية.
من المحتمل سيزداد الضغط نحو تحويل هذا الإطار الافتراضي إلى بنية أكثر إلزامًا، خاصة إذا تصاعدت التهديدات للأقمار الصناعية الأوروبية أو تعرضت إحدى الدول الأعضاء لهجوم فضائي مباشر. عندها، قد يصبح غياب آلية دفاع فضائي جماعي نقطة ضعف استراتيجية للاتحاد الأوروبي، ما يدفع نحو ربط أوثق بين القيادة الفضائية الأوروبية وكل من هياكل الاتحاد الدفاعية وحلف شمال الأطلسي.
من المتوقع إن يكون التحدي الأكبر هو تحقيق توازن بين الطموحات الوطنية، كما في الحالة الألمانية والفرنسية، وبين الحاجة إلى كفاءة جماعية تقلل الازدواجية في المنظومات الفضائية. فإذا نجح الاتحاد الأوروبي في توحيد الرؤية والموارد، قد يتحول الفضاء إلى أحد أعمدة الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. أما إذا استمرت الانقسامات، فسيظل الدور الأوروبي في الفضاء الدفاعي مجزأً، ومعتمدًا بدرجة كبيرة على الشراكات عبر الأطلسي، ما يحد من قدرته على التحرك المستقل في أزمات المستقبل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114366
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
