خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في الأول من أغسطس 2025: “إن موسكو بدأت إنتاج أحدث صواريخها الأسرع من الصوت، ونشرها في بيلاروسيا في خلال العام 2025″، مما يشكل تهديدًا لأوكرانيا المجاورة. أوضح بوتن، أثناء لقائه رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو في جزيرة فالام بالقرب من سانت بطرسبرغ: “إن الجيش اختار بالفعل مواقع في بيلاروسيا لنشر صاروخ باليستي متوسط المدى من طراز أوريشنيك”.
تابع بوتن: “الأعمال التحضيرية مستمرة، ومن المرجح أن ننتهي منها قبل نهاية العام 2025″، مضيفًا: “أن السلسلة الأولى من أوريشنيك وأنظمتها تم إنتاجها ودخلت الخدمة العسكرية”. استخدمت روسيا صاروخ “أوريشنيك”، لأول مرة ضد أوكرانيا في نوفمبر 2025، عندما أطلقت السلاح التجريبي على مصنع في دنيبرو كان يصنع الصواريخ عندما كانت أوكرانيا جزءًا من الاتحاد السوفييتي.
ضربة تقليدية واحدة قد يكون مدمرًا مثل الهجوم النووي
أشادت التقارير الروسية الرسمية بـ”أوريشنيك” بعد الهجوم على دنيبرو، وفي تحذير للغرب، زعمت أنها لن تستغرق سوى 11 دقيقة للوصول إلى قاعدة جوية في بولندا، و17 دقيقة للوصول إلى مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل. وأشاد بوتن بقدرات “أوريشنيك”، قائلًا: “إن رؤوسها الحربية المتعددة التي تنطلق نحو الهدف بسرعات تصل إلى 10 ماخ، محصنة ضد الاعتراض، وهي قوية جدًا لدرجة أن استخدام العديد منها في ضربة تقليدية واحدة قد يكون مدمرًا مثل الهجوم النووي”.
أشار الخبراء إلى أن القدرات الفعلية للصاروخ لم يتم إثباتها بعد، وربما تكون مبالغًا فيها لأغراض الدعاية. وفي يونيو 2025، زعمت التقارير أن صاروخ “أوريشنيك” عانى من عملية إطلاق فاشلة، حيث أظهرت لقطات غير مؤكدة أنه انهار فوق كازاخستان، مما دفع السلطات في أستانا إلى إجراء تحقيق.
تهديد الغرب
حذر الرئيس الروسي الغرب من أن موسكو قد تستخدمها ضد حلفاء أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي إذا سمحوا لكييف باستخدام صواريخهم طويلة المدى لضرب داخل روسيا. أعلن قائد القوات الصاروخية الروسية أن صاروخ “أوريشنيك”، القادر على حمل رؤوس حربية تقليدية أو نووية، يتمتع بمدى يسمح له بالوصول إلى كل أنحاء أوروبا.
يمكن للصواريخ متوسطة المدى أن تحلق لمسافة تتراوح بين 500 و5500 كيلومتر. وقد حُظرت هذه الأسلحة بموجب معاهدة تعود إلى الحقبة السوفيتية، والتي انسحبت منها واشنطن وموسكو عام 2019. وفي وقت سابق من العام 2025، وقع بوتن ولوكاشينكو معاهدة تمنح ما وصفته موسكو بـ”ضمانات أمنية” لبيلاروسيا، بما في ذلك الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية الروسية.
تأتي هذه الاتفاقية في أعقاب مراجعة الكرملين لعقيدته النووية، والتي وضعت بيلاروسيا لأول مرة تحت مظلتها النووية، وسط التوترات مع الغرب بشأن الحرب الشاملة التي تشنها روسيا في أوكرانيا. سمح لوكاشينكو لروسيا باستخدام أراضي بلاده لإرسال قوات إلى أوكرانيا عند حرب أوكرانيا في فبراير 2022، واستضافة بعض أسلحتها النووية التكتيكية. ولم تكشف روسيا عن عدد هذه الأسلحة التي نشرتها، لكن لوكاشينكو أكد في ديسمبر 2024: ” إن بلاده تمتلك حاليًا العشرات منها”.
إن نشر الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا، التي لديها حدود بطول 1084 كيلومترًا مع أوكرانيا، من شأنه أن يسمح للطائرات والصواريخ الروسية بالوصول إلى أهداف محتملة هناك بسهولة وسرعة أكبر إذا قررت موسكو استخدامها. كما أنها تزيد من قدرة روسيا على استهداف العديد من حلفاء حلف شمال الأطلسي في شرق ووسط أوروبا.
لقد أدى تعديل العقيدة النووية التي وقعها بوتن العام 2024 إلى خفض عتبة استخدام روسيا للأسلحة النووية بشكل رسمي. وتقول الوثيقة إن موسكو يمكن أن تستخدم الأسلحة النووية ردًا على استخدام الأسلحة النووية وغيرها من أنواع أسلحة الدمار الشامل ضد روسيا أو حلفائها، وكذلك “في حالة العدوان” ضد روسيا وبيلاروسيا بأسلحة تقليدية تهدد “سيادتهما أو سلامة أراضيهما.
يقول رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، الجنرال كيريلو بودانوف: “إن موسكو تخطط لإضافة 1.1 تريليون دولار إلى إنفاقها العسكري والدفاعي على مدى السنوات الإحدى عشرة المقبلة”. وخلص إلى أن كل هذا يُعد تمهيدًا لحرب واسعة النطاق قد تستمر لسنوات. أكد بودانوف: “هناك تعبئة شاملة للسياسة والاقتصاد والمجتمع في الاتحاد الروسي، استعدادًا للحرب واسعة النطاق المقبلة”. وتابع بودانوف: “أن روسيا أنشأت منطقتين عسكريتين جديدتين، إحداهما في موسكو والأخرى في لينينغراد، كجزء من هذه الإجراءات الجديدة لتعزيز خطة بوتن لما يسمى الإصلاح العسكري”.
مخاوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة
حذّر خبراء، في الأول من أغسطس 2025، من أن المخاوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة تتزايد، مع احتمال محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تبرير الحرب مع حلف شمال الأطلسي. يأتي ذلك في الوقت الذي تواصل فيه روسيا التقرب إلى إيران وكوريا الشمالية والصين، وهو ما يشكل تهديدًا متزايدًا للأمن الغربي.
أفاد معهد دراسة الحرب بأن روسيا تسعى بنشاط إلى إقامة تحالف عالمي مناهض للغرب، وأن وزير خارجية موسكو، سيرغي لافروف، يريد تثبيت أيديولوجية دولة غير رسمية، تعمل على إدامة فكرة أن الغرب في صراع وجودي مع روسيا، من أجل تعزيز الدعم غير المشروط للحكومة الروسية. وتهدف هذه الخطوة إلى تشكيل وتحفيز الأجيال القادمة في روسيا وأجزاء من أوكرانيا ضد الغرب.”
تحذيرات من ثغرات في أنظمة القيادة والسيطرة
تقول لوسيا سفياتكوفسكي زميلة بحثية أولى في معهد السياسة العالمية في واشنطن: “لم تُناقش قضية إصلاح وتوحيد أنظمة القيادة والسيطرة في دول الناتو، فكل هذا الإنفاق الدفاعي والجهد المبذول سيذهب سدىً إذا كان نظام القيادة والسيطرة غير فعّال”. اضافت لوسيا سفياتكوفسكي: “تُعرف استراتيجية روسيا للهجوم ببدء حربها بضربة حاسمة على مراكز القيادة المدنية والعسكرية في الساعات الأولى”. وتابعت: “يمتلك الجيش الروسي وحدات خاصة مهمتها تدمير مراكز قيادة العدو على مختلف المستويات. وإذا نجحت روسيا في القضاء على قدرة الناتو على القيادة، ونشرت الفوضى، فقد تُحسم الحرب قبل أن تبدأ المعركة على الأرض”.
تقييم وقراءة مستقبلية
يمثل إعلان بوتن عن بدء إنتاج صواريخ “أوريشنيك” الأسرع من الصوت ونشرها في بيلاروسيا تصعيدًا خطيرًا في المواجهة الجيوسياسية بين روسيا والغرب.
تأتي هذه الخطوة ضمن سياسة الردع المتنامية التي تعتمدها موسكو، خاصة بعد انسحابها وواشنطن من معاهدة الأسلحة متوسطة المدى عام 2019.
رغم الغموض الذي يكتنف القدرات الحقيقية لهذه الصواريخ، فإن نشرها في بيلاروسيا، القريبة من أوكرانيا وحلفاء الناتو، يعزز من إمكانية استخدامها كأداة ضغط استراتيجي، وربما تهديد مباشر في حال تطورت الحرب الأوكرانية إلى صراع إقليمي أوسع.
المخاوف الغربية تتزايد بسبب ما يُنظر إليه كخفض للعتبة النووية الروسية وتوسيع المظلة النووية إلى بيلاروسيا.
يشهد حلف الناتو تحولًا كبيرًا، مع زيادة في الإنفاق والتجنيد والإنتاج الدفاعي. لكن ذلك وحده لا يكفي. فوجود نظام قيادة فعال وآمن هو جوهر الكفاءة العسكرية.
هذه التطورات قد تدفع الناتو إلى تعزيز دفاعاته في شرق أوروبا، وإعادة النظر في قواعد الانتشار والردع، ما ينذر بسباق تسلح جديد.
قد تزيد موسكو من وتيرة التحذيرات والضربات الاستباقية المحدودة لإظهار الجدية، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مما يخلق وضعًا بالغ التوتر يصعب احتواؤه في المدى المتوسط.
ينبغي على جميع الأعضاء، أن يُعطوا هذه المهمة أولوية قصوى، تحت إشراف مباشر من الناتو، حتى لا تصبح رهينة للتجاذبات السياسية المحلية. يجب على الناتو إعطاء الأولوية لإصلاح هياكل القيادة في الدول الأعضاء، بما يجعلها فعالة ومتوافقة مع القيادة العامة للحلف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106879
