المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل تنجح أوروبا في تسريع بناء قدراتها الدفاعية أمام التهديدات الروسية؟
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدراته الردعية والدفاعية استجابةً للتهديدات الهججينة والاستفزازات الروسية، لطالما اشتكت الصناعة الدفاعية الأوروبية من العقبات البيروقراطية، وخلال العام 2026 يعمل الدول الأعضاء داخل التكتل إلى تسريع هذه العملية. حيث وافق مفاوضو البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي العاشر من يونيو 2026 على حزمة من الإجراءات تهدف إلى تسريع الاستثمار الدفاعي وتحسين الاستجابة الدفاعية للتحديات الأمنية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي.
تسريع إجراءات الموافقة على المشاريع الدفاعية
بهدف تسريع وتيرة تعزيز القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي، سيتم تسريع إجراءات الموافقة على المشاريع الدفاعية بشكل ملحوظ. وينص اتفاق بين ممثلي البرلمان الأوروبي وممثلي حكومات الدول الأعضاء على أن تكون المدة القصوى لإجراءات الموافقة 102 يوم عمل. وفي حال عدم اتخاذ السلطة المختصة قرارًا قبل انقضاء هذه المدة، يُعتبر طلب الموافقة مقبولًا ضمنيًا. لا يمكن الاستثناء إلا إذا كان هناك، على سبيل المثال، خطر جسيم على صحة الإنسان أو الأمن القومي، كما أعلنت الرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي.
تقول نائبة وزير الشؤون الأوروبية القبرصية، ماريلينا راونا، ممثلة الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي نيابة عن الرئاسة القبرصية لمجلس الاتحاد الأوروبي، إن الموافقة الشكلية على ” الخطة الشاملة للاستعداد الدفاعي ” أمر مهم لأمن القارة وقدرتها التنافسية. تابعت راونا في بيان: “بالنسبة لأوروبا تتمتع بالاستقلال الاستراتيجي، يجب أن تسير الجاهزية الدفاعية والقدرة التنافسية جنباً إلى جنب”.
تخفيف الأعباء الإدارية على قطاع الصناعات الدفاعية
يُعدّ النظام الجديد المتفق عليه جزءًا من حزمة تهدف إلى تخفيف الأعباء الإدارية على قطاع الصناعات الدفاعية وتسهيل عمليات الشراء والتعاون عبر الحدود. وقد اقترحته المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين في يونيو من العام 2025. وفي بعض الجوانب، خُفّفت بنود الاقتراح خلال المفاوضات بين الدول الأعضاء والبرلمان. فعلى سبيل المثال، كان من المقرر في الأصل أن تستغرق إجراءات الموافقة 60 يومًا.
أوضح هنريك دال، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي، والمقرر المشارك لتقرير حول تسهيل إجراءات الترخيص، إن الاتفاق يمثل خطوة أولى مهمة نحو تعزيز أوروبا. وأوضح قائلًا: “لا يمكن لأوروبا أن تتحمل الشلل البيروقراطي في حين يتدهور وضعنا الأمني”. اتخذت عضوة البرلمان الأوروبي آنا مايا هنريكسون من حزب تجديد أوروبا، وهي مقررة مشاركة في تقرير تبسيط التحويلات داخل الاتحاد الأوروبي وتبسيط عمليات الشراء، موقفاً مماثلًا. أضافت: “من الضروري تعزيز دفاعات أوروبا الآن، لأن روسيا ستظل تشكل تهديدًا في المستقبل. لذا، يجب علينا ضمان إمكانية تنفيذ عمليات شراء المعدات الدفاعية ونقل المنتجات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي بأسرع وقت ممكن وبأكثر سلاسة”.
لا يزال الاتفاق الذي تم التوصل إليه بحاجة إلى مصادقة مجلس الدول الأعضاء والجلسة العامة للبرلمان الأوروبي، إلا أن هذا يُعتبر إجراءً شكليًا. وتستند هذه المبادرة بالدرجة الأولى إلى التهديدات التي تشكلها روسيا، حيث توقعت وكالات الاستخبارات مؤخرًا أن روسيا ستكون قادرة عسكريًا على شن حرب أخرى بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.
الصناعة الروسية الدفاعية لا تزال تتفوق على المصانع الأوروبية
كانت مراكز الأبحاث قد خلصت في سبتمبر 2024 إلى أن الأمر سيستغرق من الاتحاد الأوروبي عدة عقود للاستعداد بشكل مناسب، وفي أحدث تحديث لها، والذي صدر في 19 يونيو 2025، وجد الباحثون أن “الوضع اليوم أكثر إثارةً للقلق”. ويرجع ذلك جزئيًا إلى ضعف الالتزام الأمريكي تجاه الأمن الأوروبي، في أعقاب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. لكن الباحثين وجدوا أن الصناعة الروسية لا تزال تتفوق إنتاجيًا بشكل ملحوظ على المصانع الأوروبية، على الرغم من الزيادات الكبيرة في الاستثمار. ولا تزال المشتريات العسكرية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي بطيئةً، وبيروقراطيةً، وتركز على أنظمة الأسلحة باهظة الثمن نسبيًا.
بلغ الإنفاق العسكري الروسي 130 مليار يورو في عام 2024، أي ما يعادل 7.1% من ناتجها المحلي الإجمالي. وبينما يتجاوز إجمالي نفقات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة هذا الرقم، وجدت الدراسة أن القوة الشرائية العسكرية لروسيا لا تزال متقاربة. لردع روسيا، أو محاربتها إن لزم الأمر، دون الاعتماد على الدعم الأمريكي، ينص التقرير على ضرورة زيادة الإنتاج الأوروبي من مختلف أنظمة الأسلحة “بمعدل 5 أضعاف تقريبًا”. وستحتاج أنظمة الدفاع الجوي، على وجه الخصوص، إلى مضاعفة إنتاجها لمواكبة القدرات الروسية. “وبالتالي تظل أوروبا معرضةً للخطر بشكل كبير وتعتمد على الولايات المتحدة”، كما جاء في التقرير.
أجرى الباحثون تحليلًا مفصلًا لبيانات المشتريات العسكرية من ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة وفرنسا لفهم الاتجاهات الأوروبية الأوسع. ووجدوا أن الإنتاج لا يزال متأخرًا، وأن حجم المعدات العسكرية المشتراة “لا يزال منخفضًا مقارنةً بفترات الحرب الباردة أو بالأعداد الروسية”. حققت أوروبا مكاسب في إنتاج قذائف المدفعية منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022، متجاوزةً إنتاج الولايات المتحدة، ومتأخرةً قليلاً عن إنتاج روسيا وكوريا الشمالية مجتمعتين. أما فيما يتعلق بدبابات القتال الرئيسية، فلا تزال روسيا تتفوق على أوروبا، التي تنتج حوالي 50 دبابة ليوبارد 2 فقط سنويًا، مقارنةً بحوالي 135 دبابة أبرامز مصنّعة في الولايات المتحدة. كما لم تجد الدراسة أي زيادة مسجلة في إنتاج الطائرات المقاتلة الغربية.
يتجه القادة الأوروبيون نحو زيادة الإنفاق الدفاعي من خلال برامج استثمارية متنوعة للاتحاد الأوروبي، ومن المقرر أن يرتفع هدف الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو إلى 5%. لكن مؤلفي الدراسة يحذرون من ضرورة توجيه الميزانيات الأعلى نحو قدرات عسكرية محددة، وإعطاء الأولوية لاقتصاديات الحجم والتقنيات الناشئة. ويحذر المؤلفون من أن خطة الاتحاد الأوروبي لإعادة تسليح أوروبا، التي تبلغ قيمتها 800 مليار يورو، على سبيل المثال “ستكون صغيرةً للغاية، إذا تم شراء المعدات بالأسعار المرتفعة الحالية”.
عوامل نجاح المشاريع الدفاعية الأوروبية
اقترح الاتحاد الأوروبي في إطار خطته لإعادة التسلح لعام 2030، تطوير 4 مشاريع دفاعية رائدة، تشمل درعًا جويًا يغطي القارة ونظامًا للطائرات المسيّرة ونظامًا مضادًا لها. إلا أنها لا تزال حتى الآن تجارب سياسية وصناعية في تطوير القدرات المشتركة. تقول عضوة البرلمان الأوروبي لوسيا أنونزياتا: “إنّ ابتكار الفكرة شيء، وتحويلها إلى واقع شيء آخر، ولا سيما في أوروبا الغربية، لا يزال لدينا شكوك قوية حول جدوى تطويرها”. على الورق، اتفقت جميع الدول الأعضاء على إطلاق مشاريع دفاعية ملموسة بحلول النصف الأول من عام 2026. أما في الواقع، فإن اختلاف تصورات التهديد في جميع أنحاء القارة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب يبطئ الجهود. على الرغم من أن الأسس التقنية موجودة إلى حد كبير، أوضحت أنونزياتا إن نجاح المشاريع سيعتمد في نهاية المطاف على عاملين: ما إذا كانت الدول الأعضاء على استعداد لتخصيص القدرات وميزانيات المشتريات، وما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على تأمين التمويل طويل الأجل، حيث يواجه هذا العزم أول اختبار رئيسي له.
خطط مشاريع الدفاع الجماعي لا تزال تمثل الأولوية
أدت عمليات التوغل التي قامت بها الطائرات الروسية بدون طيار والتي تعرضت لها دول خط المواجهة خلال العامين 2025 و2026 إلى زيادة الحاجة الملحة لخطط مشاريع الدفاع الجماعي، وخاصة تلك التي تركز على الطائرات بدون طيار وتقنيات مكافحة الطائرات بدون طيار. وتُعد الدول الواقعة على الجناح الشرقي لأوروبا من بين الدول التي تسعى جاهدة لتسريع هذه الجهود، ومن المتوقع أن يلعب برنامج SAFE وهو أداة قرض تابعة للمفوضية الأوروبية بقيمة 150 مليار يورو دورًا محوريًا في التمويل. ومع ذلك، من غير المتوقع أن يكون مشروع الطائرات بدون طيار ومشروع مكافحة الطائرات بدون طيار المقترح جاهزًا للعمل بشكل كامل قبل أواخر عام 2027.
رابط نشر مختصر . https://www.europarabct.com/?p=119488
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
