المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ كيف تمهّد أوروبا لاستقلالها الاستراتيجي عن البنية الرقمية الأمريكية؟
ستتيح مساحة بيانات الذكاء الاصطناعي للدفاع الأوروبي لدول الاتحاد الأوروبي تبادل البيانات الدفاعية الحساسة، حيث بدأت مؤسسات الاتحاد الأوروبي في استكشاف كيفية تبادل الجيوش الأوروبية وسلطات الدفاع للمعلومات بشكل آمن، دون تدخل أمريكي، وفقًا لعرض تقديمي جديد من وكالة الدفاع الأوروبية (EDA). تُظهر الوثائق أن الهيئة الدفاعية الحكومية الدولية التابعة للاتحاد الأوروبي تهدف إلى إنشاء منصة لتبادل البيانات ذات مستوى عسكري تعمل بكامل طاقتها بحلول عام 2030. تهدف هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم “الفضاء الأوروبي لبيانات الذكاء الاصطناعي للدفاع” (DAIDS)، إلى تمكين دول الاتحاد الأوروبي من تبادل المعلومات الحساسة المتعلقة بالدفاع بشكل آمن من خلال منصة مخصصة.
تكنولوجيا الدفاع السيادي
اختارت الدول الموردين بناءً على تفضيلاتها الوطنية، مما أدى إلى إنشاء مجموعة متنوعة من مقدمي الخدمات لتخزين بياناتها ومشاركتها، دون وجود منصة مشتركة آمنة لتبادل المعلومات. اقترحت المفوضية الأوروبية في البداية إنشاء “بيئة بيانات موثوقة وآمنة وقابلة للتشغيل البيني” في خارطة طريق تحويل صناعة الدفاع الخاصة بها، والتي نُشرت العام 2025. تعمل وكالة البيانات الأوروبية (EDA)، وهي مؤسسة حكومية دولية تابعة للاتحاد الأوروبي، على جعل ما يسمى بفضاء البيانات حقيقة واقعة، وفقًا للوثائق التي اطلعت عليها يوراكتيف.
مع تزايد تساؤلات الاتحاد الأوروبي حول مدى اعتماده على الولايات المتحدة، بات من الأهمية بمكان بالنسبة للجيوش والسلطات الدفاعية الأوروبية ضمان أمن بياناتها بشكل سليم. في الوقت الراهن، تقوم العديد من الدول بتخزين بياناتها أو مشاركتها باستخدام بنية تحتية لتخزين البيانات أجنبية الصنع، وخاصة الأمريكية منها، مما يخلق تبعية محتملة وثغرات أمنية. وبناءً على ذلك، يجري تصور مشروعين متكاملين. أولاً، ستكون مساحة البيانات عبارة عن “إطار عمل اتحادي على مستوى الاتحاد الأوروبي مصمم لتمكين مشاركة البيانات ذات الصلة بالدفاع بشكل موثوق وآمن وسيادي”، كما جاء في الوثائق.
أسباب لإنشاء مشروع فضاء بيانات الدفاع
يقول مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس إنه ينبغي على الحكومات أن تبدأ في تطوير سحابة عسكرية سيادية. يرتبط المشروعان ببعضهما البعض، لكن بإمكانهما العمل بشكل مستقل. باختصار، تخزن السحابة البيانات، بينما يسهل فضاء البيانات تبادل المعلومات على أساس ثنائي أو متعدد الأطراف. وفقًا للوثائق، هناك عدة أسباب رئيسية لإنشاء مشروع فضاء بيانات الدفاع: تسريع عملية صنع القرار بين الدول باستخدام البيانات من الدول الفردية؛ زيادة قابلية التشغيل البيني بين دول الاتحاد الأوروبي؛ وتعزيز “الجاهزية التشغيلية”. كما أدرج قادة الاتحاد الأوروبي استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري في الدفاع كأحد المجالات الرئيسية للاستثمار فيها من أجل تحسين استعداد القارة. وتشير الوثائق إلى أن وكالة البيانات الأوروبية على اتصال بالمفوضية الأوروبية لضمان أن تكون المبادرات المختلفة لإنشاء مساحة البيانات متكاملة وتجنب الازدواجية.
الموعد النهائي لعام 2030
تعاقدت وكالة الطاقة الأوروبية مع اتحاد من ثلاث شركات للمساعدة في تطوير المشروع: هيئة الطاقة الذرية الفرنسية، ومحرك البيانات السحابية الفرنسي، وشركة سوبراستيريا الأوروبية. تتمثل الخطوة التالية في حث الدول على التنسيق بشأن مشترياتها من التقنيات المتوافقة مع فضاء البيانات الأوروبي المستقبلي. بحسب وثائق التخطيط، تهدف الخطة بحلول الفترة 2029-2030 إلى دمج نظام DAIDS في العمليات الروتينية للجيوش وهيئات الدفاع، كما ينبغي استخدامه في المهام والتدريبات. وقال أحد المشاركين في البرنامج إن العمل الحالي يقع في “مستوى الدراسة”.
النتائج
يمثّل مشروع “الفضاء الأوروبي لبيانات الذكاء الاصطناعي للدفاع” تحوّلًا نوعيًا في التفكير الدفاعي للاتحاد الأوروبي، حيث تنتقل معادلة الأمن من التركيز التقليدي على القدرات العسكرية الصلبة إلى حماية البنية التحتية الرقمية والبيانات السيادية بوصفها عنصرًا حاسمًا في الجاهزية القتالية وصنع القرار.
من المرجح أن يشكّل هذا المشروع أحد الأعمدة الرئيسية للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، خاصة في ظل تصاعد الشكوك بشأن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأمريكية، سواء من حيث التخزين السحابي أو أدوات تحليل البيانات. فالتحكم في تدفق البيانات العسكرية، ومن يمتلك مفاتيح الوصول إليها، بات لا يقل أهمية عن امتلاك الدبابات أو الطائرات المقاتلة.
من المتوقع أن يسهم فضاء البيانات في تسريع الاستجابة للأزمات عبر تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية واللوجستية بين الجيوش الأوروبية، وتعزيز قابلية التشغيل البيني، وهو ما قد يقلّص الفجوات بين الدول الأعضاء ذات القدرات غير المتكافئة. كما سيتيح دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري تحليل كميات ضخمة من البيانات في الزمن الحقيقي، ما يعزز التخطيط والإنذار المبكر.
يحمل المشروع أبعادًا جيوسياسية حساسة، إذ قد يُنظر إليه في واشنطن كخطوة أوروبية لفك الارتباط الرقمي عن الناتو، حتى وإن لم يكن ذلك هدفه المعلن. كما أن نجاحه سيتوقف على قدرة الدول الأعضاء على تنسيق مشترياتها الدفاعية، وتجاوز الانقسامات الوطنية التقليدية في مجال الأمن.
قد يمهّد DAIDS الطريق نحو بنية دفاعية أوروبية أكثر تكاملًا، حيث تصبح السيادة الرقمية شرطًا أساسيًا لأي دور أمني مستقل. وفي عالم تتزايد فيه الحروب الهجينة والهجمات السيبرانية، يبدو أن أوروبا بدأت تعي أن معركة الدفاع المقبلة ستُخاض بقدر كبير داخل مراكز البيانات بقدر ما تُخاض على أرض المعركة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114482
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
