المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع الألماني ـ كيفية تسريع إعادة تقييم المخزونات العسكرية؟
يمكن لألمانيا إنتاج ذخيرة أكثر من الولايات المتحدة، وفقًا لرئيس شركة راينميتال الألمانية العملاقة للدفاع، مع انطلاق حملة إعادة تسليح ضخمة في أوروبا. بحسب تقارير، يقول الرئيس التنفيذي أرمين بابيرجر في أبريل 2026 إن شركة راينميتال قد ضاعفت إنتاجها السنوي من الذخيرة متوسطة العيار بأكثر من أربعة أضعاف، ورفعت إنتاج قذائف المدفعية إلى 1.1 مليون، بعد أن كان 70 ألفًا. تُعدّ ذخائر العيار المتوسط أكبر حجمًا من رصاصات الرشاشات، لكنها أصغر من قذائف أنظمة المدفعية الشائعة مثل الهاوتزر. وتُستخدم عادة في المدافع الآلية على الدبابات أو المركبات المدرعة، مثل مركبة برادلي القتالية للمشاة التابعة للجيش الأمريكي.
تسارع الدول الأوروبية إلى إعادة ملء مخزوناتها العسكرية
تسارع الدول الأوروبية إلى إعادة ملء مخزوناتها العسكرية بعد أن حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي أعضاء حلف الناتو من أنهم بحاجة إلى إنفاق المزيد على الدفاع والاعتماد بشكل أقل على الولايات المتحدة. لطالما اعتمدت أوروبا لعقود طويلة بشكل كبير على الأصول العسكرية لواشنطن في القارة، بما في ذلك أنظمة الدفاع باهظة الثمن التي يوفرها الجيش الأمريكي. لكن الولايات المتحدة أوضحت أنها تريد التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ والتهديد الذي يشكله الجيش الصيني القوي، بدلاً من دعم أوروبا.
سحبت إدارة ترامب أسلحة ودعماً عسكريًاً كبيرًا لأوكرانيا العام 2025، وهي منشغلة بالصراع المتصاعد في الشرق الأوسط مع دخول الحرب الإيرانية شهرها الثالث. لكن حتى قبل الحرب الإيرانية، كانت الدول الأوروبية قد أعلنت عن خططها لبناء قدراتها الدفاعية الخاصة. أدت المخاوف بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة في عهد ترامب ستقدم المساعدة لأوروبا في حالة حرب أوكرانيا إلى زيادة الزخم السياسي لجعل القوات المسلحة للقارة أكثر قوة، لا سيما وأن الدول الأوروبية تقوم بنقل ذخائرها ودباباتها ومعداتها العسكرية الأخرى إلى أوكرانيا على مدى السنوات الأربع الماضية.
تعهدت دول الناتو في يونيو 2025 بإنفاق 5 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي على جيوشها وتكاليف البنية التحتية ذات الصلة كل عام خلال العقد المقبل. لم تكن عدة دول تفي بهدف الإنفاق الدفاعي السابق للحلف البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل العام 2025، وقد مثلت هذه الزيادة الكبيرة أكبر ارتفاع في الاستثمار العسكري في جميع أنحاء أوروبا منذ عقود. يؤكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إن الإنفاق العسكري العالمي زاد بنسبة 3% تقريباً في العام 2025 مقارنة بعام 2024، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى زيادة بنسبة 14% في الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
صرح المستشار الألماني فريدريش ميرز بأن أوروبا يجب أن تعتمد بشكل أقل على الولايات المتحدة، ومنذ توليه السلطة العام 2025، قاد حملة كبيرة لزيادة الإنفاق الدفاعي الألماني، وهو ما يمثل خروجًا عن سياسة البلاد التي استمرت لعقود من الزمن بالابتعاد عن الاستثمار العسكري في أعقاب الحرب العالمية الثانية. يقول وزير الدفاع بوريس بيستوريوس إن ألمانيا تخطط لامتلاك “أقوى جيش تقليدي في أوروبا” بحلول عام 2039 أي بعد قرن من بدء الصراع العالمي المدمر.
هناك طلب كبير على الذخيرة في جميع أنحاء الجيوش الغربية، وخاصة الذخيرة الخاصة بأنظمة المدفعية التي تحمي القوات في المعركة وتضرب أهدافًا عالية القيمة مثل المستودعات ومراكز القيادة. وقالت شركة راينميتال إنها تعمل على زيادة إنتاجها من الذخيرة منذ عام 2022، عندما شنت روسيا حرب أوكرانيا. تُعدّ قذائف المدفعية، وخاصة ذخيرة عيار 155 ملم، مطلوبة بشدة بعد أن استُهلكت في ساحات القتال الأوكرانية. ويُستخدم هذا العيار على نطاق واسع من قبل دول حلف الناتو، لكن شركات الدفاع الغربية اضطرت إلى توسيع مصانعها وبناء منشآت جديدة لمواكبة الطلب.
تنامي القلق إزاء الصراع المستقبلي مع روسيا
تُعد شركة راينميتال واحدة من أكبر منتجي ذخيرة عيار 155 ملم، وقالت إن مصنعًا جديدًا تم افتتاحه في أغسطس من العام 2025 سيصبح أكبر مصنع للذخيرة في أوروبا. قال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إن الحلف بحاجة إلى إعطاء الأولوية للحصول على المزيد من الذخيرة، فضلاً عن القدرات العسكرية الأخرى مثل الدفاعات الجوية.
النتائج
تعكس التطورات المتسارعة في قطاع الصناعات الدفاعية الألمانية، تحولًا استراتيجيًا عميقًا في موقع ألمانيا داخل المنظومة الأمنية الأوروبية والدولية. الزيادة الكبيرة في إنتاج الذخيرة، لا تمثل مجرد استجابة ظرفية للحرب في أوكرانيا، بل تشير إلى إعادة تموضع طويلة الأمد نحو اقتصاد أمني أكثر استعدادَا للصراعات الممتدة.
من المتوقع أن تستمر ألمانيا في توسيع قدراتها الإنتاجية الدفاعية لتلبية الطلب الأوروبي المتزايد، خصوصًا في ظل التزام دول حلف شمال الأطلسي برفع الإنفاق العسكري. هذا التوجه سيعزز من دور ألمانيا كمورد رئيسي للذخيرة داخل أوروبا، وقد يقلل تدريجيا من الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة.
تعكس السياسات الدفاعية الألمانية ثقة متزايدة في قدرة الصناعة الدفاعية على سد فجوات استراتيجية في سلاسل التوريد العسكرية.
قد يؤدي هذا التوسع إلى إعادة تشكيل سوق الصناعات الدفاعية الأوروبية، حيث تتحول ألمانيا إلى مركز صناعي محوري، ما يمنحها نفوذًا سياسيًا أكبر داخل الاتحاد الأوروبي.
إن هذا المسار قد يثير أيضا منافسة بين الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، التي تسعى للحفاظ على دورها التقليدي في قطاع الدفاع. كما أن تسارع الإنتاج العسكري قد يواجه تحديات تتعلق بسلاسل الإمداد، والموارد البشرية، والقيود البيئية والتنظيمية.
يمثل هذا التحول قطيعة نسبية مع النهج الألماني التاريخي بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان يتسم بالحذر في التوسع العسكري.
هناك توجها واضحا نحو تعزيز القوة العسكرية التقليدية، وهو ما قد يعيد تعريف دور ألمانيا كقوة عسكرية فاعلة، وليس فقط اقتصادية. لكن هذا التحول قد يواجه انقسامًا داخليا، خاصة من التيارات السياسية التي تخشى من عسكرة السياسة الخارجية.
يرتبط هذا التطور الدفاعي الصناعي بتغير أولويات الولايات المتحدة، خاصة في ظل توجهها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. تقليص الدعم الأمريكي لأوروبا، سواء في عهد دونالد ترامب أو في سياق استراتيجي أوسع، يدفع الدول الأوروبية إلى بناء استقلالية دفاعية أكبر.
قد تنظر روسيا إلى هذا التوسع العسكري الأوروبي باعتباره تهديدا مباشرا، ما قد يزيد من حدة التوترات ويغذي سباق تسلح إقليمي.
من المرجح أن تساهم نمو الصناعات الدفاعية في دعم الاقتصاد الألماني عبر خلق فرص عمل وتعزيز الابتكار التكنولوجي. لكن في الوقت ذاته، قد يؤدي توجيه موارد كبيرة نحو القطاع العسكري إلى تقليص الاستثمار في قطاعات مدنية أخرى، ما يطرح تساؤلات حول التوازن الاقتصادي على المدى الطويل.
يبدو أن ألمانيا تتجه نحو لعب دور قيادي في إعادة تسليح أوروبا، مستفيدة من قدراتها الصناعية المتقدمة. نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرتها في إدارة التوازن بين الطموحات العسكرية، والاعتبارات السياسية، والاستقرار الإقليمي، في بيئة دولية تتسم بتزايد عدم اليقين والتنافس الجيوسياسي.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118005
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
