المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
قمة أنقرة للناتو ـ كيف تؤثر في مستقبل الشراكة الدفاعية بين أوروبا وواشنطن؟
تشهد العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي مرحلة إعادة تموضع، مع سعي واشنطن إلى إعادة صياغة دورها داخل “الناتو”، بالتوازي مع مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر في الإنفاق الدفاعي. وفي هذا السياق، تبرز قمة أنقرة بوصفها محطة مهمة لمناقشة مستقبل الردع الجماعي، وتوازن الأعباء العسكرية، وآفاق التعاون الدفاعي بين واشنطن والعواصم الأوروبية. أن قمة أنقرة تختلف عن القمم السابقة لأنها لم تعد تناقش فقط كيفية دعم أوكرانيا، بل تبحث مستقبل الناتو نفسه خلال العقد المقبل. فالحلف انتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة بناء قدراته العسكرية والصناعية لمواجهة بيئة أمنية أكثر تعقيدًا.
تركيا ستكون في قلب هذه المعادلة لعدة أسباب.
فهي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الناتو بعد الولايات المتحدة، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يشكلان بوابة البحر الأسود، كما تلعب دورًا جغرافيًا محوريًا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والقوقاز. إلى جانب ذلك، أصبحت الصناعات الدفاعية التركية، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، عنصرًا مهمًا في منظومة الردع داخل الحلف. ومن المتوقع أن تركز القمة على ثلاثة ملفات رئيسية:
تعزيز الردع الجماعي في مواجهة روسيا، مع اعتبار التهديد الروسي تحديًا طويل الأمد حتى في حال انتهاء الحرب في أوكرانيا.
رفع الجاهزية العسكرية من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع إنتاج الذخائر والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للحلف، بحيث لا يقتصر الردع على حجم القوات، بل يشمل القدرة على الإنتاج السريع والمستدام للأسلحة والذخائر.
القمة تعيد رسم الشراكة الأطلسية؟
القمة تعيد رسم الشراكة، ليس بمعنى تغيير هوية الحلف، وإنما إعادة توزيع الأدوار داخله. فالولايات المتحدة ما زالت الضامن الرئيسي للأمن الأوروبي، لكنها تطالب الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر في تمويل الدفاع وتطوير الصناعات العسكرية. وفي المقابل، تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية مع الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية. تركيا اليوم ليست مجرد دولة عضو في الناتو، بل أصبحت دولة محورية في معادلة الأمن الإقليمي. فهي تجمع بين موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وتطور صناعاتها الدفاعية، وعلاقاتها المتوازنة مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية. وهذا يمنحها دورًا مهمًا في ملفات البحر الأسود، والشرق الأوسط، وأمن الطاقة، وإدارة الأزمات داخل الحلف.
تخفيف التداعيات المحتملة لتقليص وجود واشنطن العسكري في أوروبا
مع تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي “الناتو” قبيل القمة المرتقبة في أنقرة في يوليو من العام 2026، من المتوقع أن تستغل الولايات المتحدة الأمريكية هذا الحدث لطرح سلسلة من المبادرات الهادفة إلى تخفيف التداعيات السياسية المحتملة لتقليص وجودها العسكري في أوروبا. وكانت الولايات المتحدة قد شرعت مؤخرًا في تنفيذ خطط لمراجعة انتشار قواتها في أوروبا، حيث دعا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى ما وصفه بـ”الناتو 3.0″.
يقول الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إن الاجتماع الذي سيعقد سيُظهر أن الأوروبيين يوفون بتعهداتهم بزيادة الإنفاق الدفاعي لردع روسيا عن أي هجوم، مع توقيع صفقات أسلحة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات. ومن المتوقع أن يتعهد القادة بمواصلة تمويل الأسلحة لأوكرانيا. يقول المسؤولون الأوروبيون إنهم يأملون أن تضمن علاقات ترامب القوية مع أردوغان وروته قمة سلسة، لكنهم لا يستطيعون التأكد من ذلك، نظرًا للخلافات المستمرة عبر الأطلسي بشأن الحرب الإيرانية وانتقاد الرئيس الأمريكي المتكرر لحلف الناتو.
صفقات ومشروعات محتملة
ومن المنتظر أن تعلن كبرى شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية، بصورة مشتركة، عن مجموعة من المشروعات الدفاعية في تركيا في السابع من يوليو من العام 2026، على أن تنفذ في أوروبا بالتعاون مع الحكومة الأمريكية. كما ستكون صفقة محتملة لبيع أنظمة تسليح ذات أهمية استراتيجية، من بينها صواريخ “توماهوك” المجنحة، ضمن أبرز الملفات المطروحة، بحسب مسؤول أمريكي.
وخلال العام 2026، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس فقط سحب (5000) جندي من ألمانيا، وإنما كذلك إلغاء الخطة الخاصة بنقل كتيبة نيران بعيدة المدى وكتيبة دفاع جوي، كان من المقرر إلحاقهما بقوة المهام متعددة المجالات الثانية التابعة للجيش الأمريكي، وهي وحدة متخصصة في العمليات متعددة المجالات. يستطيع نظام “تايفون”، الذي تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية حصرًا، على إطلاق كل من صواريخ “توماهوك” وصواريخ الدفاع الجوي “SM-6″، وبات أحد الخيارات المطروحة لسد الفجوة المحتملة في القدرات العسكرية. وكانت برلين قد قدمت خطاب طلب رسمي للحصول على النظام خلال العام الماضي، لكنها لم تتلق أي رد حتى العام 2026.
دمج أنظمة أمريكية مثل على منصات إطلاق أوروبية
وقد يتضمن المقترح كذلك دمج أنظمة أمريكية مثل “GMLRS” على منصات إطلاق أوروبية، رغم أن الولايات المتحدة كانت قد رفضت في السابق طلبات مماثلة تقدمت بها كل من ألمانيا وفرنسا. وبصورة عامة، لا يزال المسؤولون في ألمانيا ينظرون إلى التطورات بحذر وتفاؤل في الوقت نفسه. ويؤكدون أن القرارات الأساسية قد اتخذت بالفعل خلال قمة لاهاي في العام 2025، وأن قمة أنقرة ستركز على إدارة انتقال منظم لحلف الناتو إلى مرحلته المقبلة.
موقف واضح بشأن التهديد الروسي
من المتوقع أن يصدر عن جميع الدول الأعضاء الـ(32) في الحلف موقف واضح بشأن التهديد الذي تمثله روسيا، ليس فقط بالنسبة إلى أوكرانيا، وإنما كذلك بالنسبة إلى الحلف نفسه، وفقًا لما ذكره مسؤول ألماني. ومن المرجح أن تمثل إسبانيا إحدى أبرز العقبات خلال القمة، إذ تواصل مدريد معارضة هدف حلف شمال الأطلسي المتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي. ويرى المسؤولون الألمان أن إسبانيا لا يمكنها أن تتوقع من شركائها الأوروبيين توفير غطاء سياسي لها، مؤكدين أن تقاسم الأعباء بصورة عادلة أمر ضروري، وأن مدريد ينبغي أن تستعد لنقاش صعب بشأن هذه القضية.
مخاوف بشأن التباين حول حرب إيران
يخشى المسؤولون الأوروبيون من أن الحرب الإيرانية قد تطغى على القمة إذا حدث تصعيد في الصراع، الذي يخضع لوقف إطلاق نار هش، أو إذا عبّر ترامب عن غضبه من الأوروبيين لعدم بذلهم المزيد من الجهد لمساعدة العمليات العسكرية الأمريكية. أشار ترامب إلى أن هذا يعني أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى الوفاء بالتزامها بمساعدة دولة عضو في حلف الناتو تتعرض للهجوم.
ويقول مسؤولو الناتو إن الغالبية العظمى من الحلفاء أوفت بالتزاماتها بالسماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي وقواعدها على أراضيها، على الرغم من أن الحرب كانت غير شعبية للغاية في أوروبا وأن العديد من القادة الأوروبيين لم يدعموها.كما أدت الحرب إلى تمزق العلاقات الشخصية بين ترامب والقادة الأوروبيين مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته كير ستارمر، مما يثير احتمال عودة هذه التوترات إلى الظهور في القمة. قال دبلوماسي رفيع المستوى في حلف الناتو: “أنا متفائل بأن ذلك لن يحدث لأنني أعتقد أن القادة يدركون ما هو على المحك. وإذا حدث شيء من هذا القبيل، فلدينا دائماً مستشار العلاقات الزوجية الأمثل، مارك روته، لتهدئة الأمور”.
من المرجح أن تخرج قمة أنقرة برسالة سياسية واضحة مفادها أن وحدة الناتو ما زالت قائمة رغم التحديات، وأن الحلف يدخل مرحلة جديدة يكون عنوانها “الردع عبر القوة الصناعية والتكنولوجية”، وليس فقط عبر زيادة أعداد القوات. ستؤكد القمة أن الأمن الأوروبي أصبح مرتبطًا بتطوير الصناعات الدفاعية، والابتكار العسكري، وتقاسم الأعباء بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع بروز تركيا كأحد أهم الفاعلين في هذه المعادلة الأمنية الجديدة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=120479
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
